كان المعرض الاستعادى لأعمال النحات الكبير الراحل محمد حسين هجرس(١٩٢٤-٢٠٠٤)بقاعات مركز الجزيرة، حدثا مهما جديرا بالحفاوة والأضواء ، إنه ريح دافئة منعشة،من زمن (الفنان/الموقف) ..ذلك الزمن الذى عرفناه فى الستينيات ، حيث الفنان ضمير أمته وصوتها العفى ، تعبيرا عن قوة الضعفاء حين يتوحدون مع قيادتهم المعبرة عنهم وعن حقهم فى العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية ، لكنه -أى الفنان- يمتلك فوق ذلك القدرة على الاختلاف والتحليق خارج السرب ،والحلم بالإقلاع الى رؤى جديدة وحداثية فى التعبير عن ذلك كله بعيدا عن دعاوى الفن للفن…مثل هذا الفنان يختصر المسافة بين الرؤيتين -الفكرية والجمالية- لتلتحما فى سبيكة لا تنفصم.
ان هجرس يعد أحد رواد الحداثة فى النحت الى جانب جمال السجينى وكمال خليفة وآدم حنين واحمد عبد الوهاب ، وغيرهم ، ومن جعبته خرج عبد الهادى الوشاحى والغول أحمد وطارق زبادى وغيرهم ممن قام بتدريس النحت لهم بكلية م الفنون الجميلة بالاسكندرية فى دفعاتها الأولى مع الرائدين أحمد عثمان ومحمود موسى ، ويقوم منهجه على المزج بين أسس المدرستين التعبيرية والتكعيبية، وقد درس النحت فى أكاديميات وارسو وروما وحصل على دبلوم التخرج من كليهما ، واستأنف دوره التعليمى فى مجال الخزف -فيما بعد- لعدد من الموهوبين كان أنبغهم محمد مندور ، وكان صاحب موقف سياسى ونضالى استحق عليه دخول السجن فى عهد الرئيس السادات ،لوقوفه الى جانب المناضلين من اجل ا العدالة والديمقراطية …لكن قضيته الفنية لم تقتصر على التعبير فى أعماله عن المضمون الثورى ، بل اعتبر أن الشكل كساء للمضمون ، بمعنى أنه بقدر كون الفنان صاحب رسالة وموقف تجاه قضايا مجتمعه ، ينبغى ان يكون صاحب رؤية ابداعية متحررة من الأساليب التقليدية ، وقد اجتهد لتحقيق تلك المعادلة الصعبة ، مدركا أن الافكار النبيلة لا تكفى وحدها لصنع ابداع عظيم.
اختار هجرس أبطال تماثيله من أبناءالطبقات التى قرر الانتماء إليها؛ من فلاحين ، وبنائين ، وعمال تراحيل ، وجنود ، وشهداء ، ومراكبية.. واهبين جميعا حياتهم للعطاء والكفاح..صامدين فى وجه الظلم والقهر وذئاب السلطة…كما أضاف اليهم أمهات يهبن الأبناء للحياة ويهبن الشباب للوطن… ولا يخلو عالمه من لحظات استرخاء لأبطاله ، كهدأة وسط شقاء العمل ، او لمسة حب وحنان بين حبيبين ، أو لحظة استشهاد
المقاتل وذراعه ترتفع مشيرا الى النصر القريب ، كما جسد فى بعض أعماله القوة الغاشمة للسلطة فى شكل ثور هائج يندفع بقرونه الحادة بغير زمام ، أو فى شكل ذئب جائع يبحث عن فريسة ، كما نجده يجسد انسانا مكبلا بالحبال الى جذع شجرة تحط عليهما الغربان ،بل كثيرا ما جعل من جذوع الأشجار العتيقة المقطوعة فروعها رمزا للصمود والمقاومة.
واتخذ للتعبير عن هذا كله اسلوبا خاصا ينتمى للعصر الحديث ، بإحالة المعانى المجردة الى أشكال ديناميكية تنبض بالحركة وتشكل إيقاعات ونغمات وسطوح وتجاويف وخطوط وهمية للحركة الدائبة ، والتعبير بالجرم( بضم الجيم) والفراغ والخامة والملمس ، وإعادة تشكيل الطبيعة بتحليل عناصرها وتطويعها لإسقاط معانى القوة أو الثبات أو الصرخة أو المقاومة أو الحنين أو الأنين ، مع إكساب كل حالة صفات الغرابة والدهشة وخرق المألوف ، باللجوء الى التحريف والتقطيع والتكعيب والتفريغ والخداع البصرى والرمز المجازى .
وأزعم أن الكثير من هذه التأثيرات قد أثمرت بنجاح ما أشرنا اليه من معان تعبيرية وقيم جمالية تضعه فى مقدمة صفوف الحركة الفنية ، لكن ما حدث هو العكس ، من تجاهل وتهميش ،ولم يكن لمثل روحه المقاتلة ان تستكين للإحباط والعزلة ، بل قرر ان يتسق مع مبادئه فسافر الى لبنان والتحق بصفوف المقاومة الفلسطينيةوعاش مع سكان المخيمات مسخرا خبرته لتعليم النحت والخزف لأبناء المقاتلين والشهداء ، وأمضى هناك عدة سنوات تركت أثرها الفنى على أعماله بلا شك ، وكذلك على اطلاق الكثير من مواهب أبناء الفلسطينيين . وعندما عاد كانت المسافة قد ازدادت اتساعا بينه وبين المناخ المخيم على الحركة الفنية فى مصر فعكف على انتاج اعماله النحتية والخزفية فى مرسمه بحلوان ، وعندما أسست مجمع الفنون بمدينة ١٥ مايو عام ١٩٩٠ دعوته للاشراف على مرسم حر لتنمية المواهب الفنية فى النحت والخزف هناك ، واسفرت التجربة عن نتائج مشجعة وواعدة ، لكن ما أن انتهت مسؤوليتى عن المكان حتى أنهت الجهة المسؤولة التعاقد معه فتوقف المشروع. ولم يجد الفنان مجالا للاستمرار فى القاهرة ، فقرر الابتعاد والعيش فى مدينة برج العرب ، على أمل أن يتحول مرسمه الى متحف يحافظ على تراثه للأجيال .
لكن..هيهات ان يتحقق ذلك ، فى زمن لن يكتب الوجود فيه لمشروعه إلا من خلال المال أو السلطة او رجال المال.. وهو لم يملك المال فى حياته ، أما الأخيرين فكيف يتبنيان تخليده وقد كانا يبادلانه العداء ؟!!