شاهدت معرضه فى آخر يوم لأقامته بقاعة متحف محمود مختار ، كنت حريصا على ذلك بعد استحالة زيارتى له فى الأيام السابقة ، سبق أن تابعت تجاربه الفنية المثيرة للجدل منذ سنوات عديدة قبل أن ينقطع عن التواجد والمشاركة فى أنشطة الحركة الفنية. هو فنان مسيس (بتشديد الياء) ، متمرد على الذوق السائد ومؤسساته وشلله ، صاحب موقف ثورى بشأن قضايا الوطن وتحولاته ، يقف مع الحرية والعدالة فى أعماله لكن بطريقته التى تجمع بين الجد واللعب ، وبين الحكمة والسخرية ، وبين الفن وتحطيم الفن .
لقد جرب الكثير من أساليب فنانى ما بعد الحداثة المتمردين على أساليب البرجوازية فنا وحياة ومظاهر ، حطم مفهوم لوحة الحامل والبرواز وقاعة العرض الأنيقة ، نقل فى أعماله ممارسات فنون الشارع من “تعاليق”مجسمةوكتابات ورسوم جرافيت بدائية سرعان ما تتم إزالتها ، واستخدم تيمات وأيقونات تمارس فى الساحات الشعبية والموالد والمقاهى ، مستعينا بمخلفات الحياة اليومية ، حتى قبل أن تزحف إلينا كاتجاه يحمل اسم “المفاهيمية” الوافدة من الغرب فى سياق اتجاهات “ما بعد الحداثة” ، ليعبر عن رأيه فى الأمور التى تهيمن بها أدوات السلطة على الجماهير باسم الحرية والديمقراطية ، واستطاع أن يشارك بأعماله فى مهرجانات الفن الرسمية التى تعنى باتجاهات الحداثة ، فشد إليه الانتباه ، ثم غاب عن المشهد طويلا بغير سبب معروف.
إنه يعود اليوم بمعرض جديد تحت عنوان “اللعبة” ، ويقصد بها أوراق الكوتشينة ، فيرسم رموزها فوق صفحات صحف قديمة مصفرة بالية ، مقلوبة ومكرمشة، وقد لطخها بلطشات من الوان متضاربة بفرشاة عشوائية طائشة ، لكنه يقبل شروط اللعبة المتوافق عليها اجتماعيا وثقافيا ، بإقامة معرضه فى قاعة حكومية أنيقة ، ويهز وقارها بألوان وخامات رخيصة مثل ألوان الجير على الجدران فى الشوارع أيام الانتفاضات الشعبية ، من خلال رسوم الجرافيتى وسط علامات أوراق الكوتشينة وأرقام الكومى والآس وصور البنت والولد والشايب…تختلط الانطباعات المنعكسة على عين المشاهد ، بين التسليم بلعبة الحظ العبثية التى تحكم الواقع ، أو السخرية منها ، أو الغضب من الصحف الكاذبة التى تزيف الوعى ، وبين انتحال أساليب الفن العدمى لعصر العولمة باسم فنون ما بعد الحداثة ، فلا يجد المشاهد ما يشبع فضوله أو يرضى ذوقه.
غير أن هذا النوع من الفن لا يسعى أصحابه الى إرضاء ذوق المشاهد او الى إشباع فضوله ، بل على العكس ؛ فهم يقصدون إحداث الصدمة له وصفع بصره ، انطلاقا من الرفض للنظام بكل أشكاله ، فيلجأون الى استخدام خامات رديئة وبقايا أشياء استعمالية مستهلكة ومنفرة لإنتاج أعمال لا تصلح للإقتناء وليس لها عمر للبقاء ،قاصدين السخرية من مجتمع رأسمالى/استهلاكى تعيش نخبته الغنية حياة بذخ ورفاهية على حساب عرق الكادحين واستغلال المجتمع ، وليس فى ذلك جديد ، فقد ظهر هذا الاتجاه منذ أكثر من قرن من الزمن ، على أيدى جماعة(الدادا)عام ١٩١٥ واشتهر رائدها الفنان مارسيل دو شامب بمبولته الخزفية التى وضعت فى صدارة المعرض ، وتوالت بعد ذلك جماعات مثل آرت بوفيرا(الفن الفقير) فى الستينيات، حتى انتعشت من جديد فى الربع الأخير من القرن الماضى تحت شعار فنون ما بعد الحداثة ، وحركات”ضد الفن” ، و”الفن الفقير ” ، والأعمال التجميعية فى الفراغ.
لكن أحمد رمضان يجعلنا بمعرضه نعيد طرح السؤال الأزلى : لمن يتوجه الفنان صاحب القضية بفنه ؟..قد يصلح هذا اللون الاحتجاجى الذى ظهر فى دول الغرب الرأسمالية ، حيث تجد كل بدعة مثيرة خارقة للمألوف مكانا وجمهورا لها ،كمجتمعات شبعت حتى التخمة من الفنون “الجميلة” بالمتاحف الكبرى وقاعات العرض المنتشرة فى كل مكان ، فبات البعض هناك يبحث عن شىء مختلف ذى مذاق حريف أوشكل بدائى فج او حتى قبيح ، كنوع من التغيير أو التقليعة ، مثلما نرى شباب اليوم يرتدون بنطلونات الجينز القذرة الممزقة والمرقعة ، وقد اعتادت اوروبا على مثل هذه الحركات العبثية خاصة بعد الحروب العظمى التى دمرت من المدن ما دمرت وأبادت من ملايين البشر من أبادت ، فكأن مثل تلك الحركات الاستفزازية رد فعل انتقامى من مشعلى الحروب والمستفيدين منها ؛ من ساسة وجنرالات ورأسماليين وسماسرة وتجار أسلحة
وحكومات استعمارية ، لكن قاعات العرض التى تقدم اعمال مثل هذه الحركات لا تحظى بأية جماهيرية ، فلا يرتادها إلا قلة رافضة للفنون التى يعتبرونها فنونا برجوازية ، ثم انتهت الى أن تصبح حركات مدجنة على أيدى نفس الشركات الرأسمالية الكبرى التى قامت تلك الحركات أساسا للاحتجاج عليها ، حيث راحت تقتنى أعمالها وتهديها الى المتاحف الشهيرة فتضفى عليها بذلك قيمة وشرعية ، ثم تعمل على الترويج لها وتصديرها -كالنفايات السامة – الى شعوب العالم النامية عبر البيناليات الدولية الكبرى متبرعة بملايين الدولارات لجوائزها السخية ، وذلك فى سياق سياسة العولمة ، لتذويب الثقافات والهويات القومية لهذه الشعوب حتى تظل تابعة ومستهلكة لمنتجات مؤسسات العولمة ، بلا حضارة وبلا مرجعية إلا ما تسيده على العالم كأنماط عابرة للحدود والثقافات ، بما تملكه من أدوات قوية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ، لتظل أسيرة لديونهما ، وتابعة لأنماط السلع والموضة والسلوكيات الاستهلاكية.
فهل من المنتظر لمجتمعنا -الذى لم يتذوق حتى اليوم الفنون الجميلة فى المتاحف ، ولم يعرف حتى الطريق إليها ، أن يتجاوب مع مثل هذا اللون الصادم ، بغير أرضية معرفية عن ما هو الفن أساسا ؟ ..وهل تصلح قاعة مختار -مثلا- لمثل هذا النوع الاحتجاجى ، وهى التى لا يزورها غير أشخاص يعدون على الأصابع فى اليوم الواحد ، وأغلبهم من طلبة كليات الفنون الذين لم يستوعبوا بعد معنى الفن وتاريخه وتوجهاته ، ولايدركون مقاصد الفنان من وراء اسلوبه الغريب ، وكيف لمن يعتبر نفسه فنانا صاحب رسالة ويزعم أنه ضد الغزو العولمى لثقافتنا وهو فى نفس الوقت يتبنى أساليب العولمة وقد غربت شمسها فى ديارها ؟ ..ألا يحمل بذلك تناقضات النخبة الثقافية المتعالية التى لا تكف عن صب اللعنات على الرأسمالية المستغلة والمتوحشة صباحا ، ثم تعكف على تقليد أساليبها ومنتجاتها ليلا ؟!!
وقد نقبل حججهم فى ذلك باسم الحداثة والتجريب والمخاطرة والسير فى الطريق عكس االاتجاه ، لكن يبقى السؤال المهم: الى أين يودى بنا هذا الطريق ؟