30 مارس 2019
يخوض الفنان الشاب أحمد صابر ، خريج كلية فنون المنيا ، من خلال معرضه بقاعة سفرخان بالزمالك ، أكثر من تحدٍ ، التحدى الأول باستخدام أسلوب أكاديمى وصفى شديد الواقعية ، فى عصر هجر تماما هذا الأسلوب منذ قرن ونصف من الزمان ،حتى لو استخدمه بعض السرياليين بمسحة كلاسيكية لإحداث مفارقة بينه وبين الطابع الغرائبى ، فيما يستخدمه صابر بأسلوب يميل الى التسطيح للمجسمات مقتربا من رسوم الصحافة بتحديد الاشكال بخطوط صريحة دون اهتمام بمصادر الضوء والتجسيم الأسطوانى.
التحدى الثانى هو أنه يتمرد على كلا المدرستين اللتين أخذتا بالأسلوب الوصفى للطبيعة: المدرسة الواقعية والمدرسة السريالية معا ؛ فهو يتحدى الواقعية بنسج عالم لا مكان فيه لمنطق الطبيعة ولا بقوانين المنظور الهندسى ولا بالتناسب المنطقى بين أحجام العناصر المجسدة مع بعضها البعض حال تواجدها متجاورة ؛ فتراه يصور الرجال باجسام شديدة الضآلة كلعب الأطفال بجوار حيوانات كالقطط والجمال ، أو تماثيل حجرية ضخمة ، تبدو جميعا كالعمالقة الأسطورية ، أو يصور سفينة تبحر فى الصحراء بغير ماء ، فيما تزحف الأسماك فوق الرمال بأحجام أكبر من البشر ، أو يصور الممثل الشهير شارلى شابلن وفى يديه خيوط يحرك بها أشخاصا كالدمى الصغيرة مربوطين كالقطيع ، وكأنه جليفر فى بلاد الأقزام ، أو يصور سوقا للجمال فى صحراء ممتدة تنتشر قيها مجموعة من القوارب ، ومن حولهم جموع من الرجال الصعيدة لا تصل قاماتهم الى ارتفاع سيقان الجمال ، وهم يعقدون الصفقات بالبيع والشراء.
من ناحية اخرى نراه يتحدي السرياليين بالبعد عن الصراع الداخلى فى أعماق الانسان ، وهو صراع يفرزه كبت الغرائز والعقد النفسية والميول البدائية بداخل النفس البشرية التى تظهر ملامحها فى الأحلام والكوابيس كما صورها عالم النفس فرويد ، فيما يرتكن عالم “صابر” على تحريك المجاميع من بشر وحيوانات فى سياق غير منطقى “عجائبى” . وربما يكشف لنا مغزى هذا العالم ما كتبه الفنان كوثيقة مصاحبة لمعرضه ، يبدأها بمقولة للكاتب المسرحى شيكسبير :”الدنيا مسرح كبير جدا…قد يكون الحديث ملتبسا مبهما يسوده الغموض وسوء الفهم..والناس يمثلون فى حياتهم كالممثلين على خشبة المسرح من أبطال أو كومبارس ، ويضعون مكياجا وديكورات على خلاف الحقيقة لتظهرهم سعداء أو تعساء” ، ويستطرد الفنان قائلا ما معناه أن المسرحية تظل شبيهة بالحياة او العكس: ولادةفموت وجيل ينفى الآخر ..وهكذا …فالبشر لاعبون سواء كانوا مهرة أو فاشلين !
إنها – إذن – حالة من التفلسف الوجودى لدى الفنان ، ومحاولةلإلباسها ثياب الفن ، وبقدر إعجابى باهتمامه بأن يكون صاحب توجه فكرى – وهو أمر نادر جدا بالنسبة للفنانين الشباب – وبغض النظر عن اتفاقى أو اختلافى مع هذا التوجه ، فإننى أرى أن رؤاه التشكيلية والفلسفية تمضى فى اتجاه آخر ؛ قد أسميه عبثية الحياة ولامعقوليتها وانتهاءها الى العدم ؛ فمهما شقى الانسان وجاب الصحارى القاحلة ، ومهما عقد من صفقات تنتهى بالمكسب أو الخسارة – كما يبدو فى اللوحات – فهو ضئيل وألعوبة بلا حول ولا قوة فى يد الأقدار ، وهذا ما تمثله فى إحدى اللوحات عازفة الكمان وهى تجلس شامخة تعزف فوق قمة ربوة سوداء ، وتحت قدميها صندوق مفتوح يتكدس فيه مجموعة من الرجال كالدُمَى مقيدين بالحبال ، يطل عليهم من الجيب الداخلى لغطاء الصندوق شخص يشبه مخرج العرض ومساعدوه ، وبجوارهم ساعة كبيرة تحصى ما بقى لهم فى الحياة!
نجد معنى قريبا من هذا فى لوحة أخرى : امرأة بفستان أسود تحتضن صدرها بذراعيها كممثلة تؤدى موقفا مسرحيا يصور حالة من الوجد ، ومن خلفها ستارة منقوشة بالورود الحمراء والبنفسجية والزرقاء توحى بالبهجة ، على نقيض حالةمجموعة النسوة فى ثياب الحداد تحت اقدام الممثلة ، وهن يجلسن القرفصاء كالنائحات !
كما تصور نفس المعنى لوحة ثالثة يتصدرها قط هائل الحجم ، يربض متربصا لالتهام حصيلة الصيد من أسماك الصحراء ، وما ينجو منها من افتراس القط نراه يزحف على رمال الصخراء ومصيره الموت والتعفن ، فى الوقت نفسه يجلس على ظهر القط تمثال كيوبيد رسول الأحبة فى غير مبالاة!
وتأكيدا لهذه المحاولة للتفلسف الميتافيزيقى ، يستخدم الفنان عددا من الرموز الميثولوجية ؛ مثل تفاحة آدم المعلقة فى الهواء ، يحاول الشاب أن ينالها فلا يستطيع ، أو السلحفاة التى تقترن فى بعض الثقافات بالشر أو بقبة السماء أو بالزمن ، كما يستخدم الفنان
رمزا آخر لتاج ذهبى فوق رأس ملك عار من الثياب يجلس على الأرض ، فيما ينتصب من خلفه تمثال أفروديت إلهة الجمال شامخا مشعا فى الظلام ، وينهمك عامل النظافة فى كنس الأرض أو ما بقى من مُلك الملك !
لكن الفنان يعود فيؤكد بأسلوب الواقعية السحرية مقولة شيكسبير التى رددها من بعده يوسف وهبى عميد المسرح العربى قائلا: (وما الحياة إلا مسرح كبير) ، فيضيف إلى بعض لوحاته ستارة حمراء فى مقدمة اللوحة ، ليثبت بالفعل أننا لسنا إلا فى مسرحية عبثية من مسرح اللا معقول !
انتبها جيدا إلى هذا الفنان القادم بقوة حاملا موهبة مشعة ، واعدة بأن تضيف إلى الحركة الفنية بعدا غائبا ، بعد أن كاد يختفى منها الفكر وازدادت فيها تقنيات الصنعة!


