26 مارس 2019
لا تزال أرض مصر – برغم كل المتغيرات السلبية – خصبة بالقيم الحضارية ، ملهمة بالمعانى والرؤى الإبداعية ، ولا يزال ترابهاالمشبع بعطر الفصول يداعب خيال الفنانين بحنين دائم الى بكارة الفطرة وعبق الأرض.
هذا ما تعكسه لوحات الفنان أحمد عبد الكريم فى معرضه الجديد بقاعة الباب ( بساحة دار الأوبرا ) الذى يضع لها عنوانا ذا دلالة على ذلك كله: “ترابها زعفران” . يظل عبد الكريم وفيا لمشروعه الفكرى واختياره الجمالى الذى انطلق منه أواخر ثمانينيات القرن الماضى ، محاولا تحقيق العناق بين معطيات البيئة والتاريخ والأسطورة فى مصر ، وبين طموحه لإبداع أسلوب معاصر يأخذ بأساليب الحداثة فى عالم اليوم (غربا وشرقا) ، واقتضى منه ذلك الكثير من التجارب التقنية بمختلف الخامات ، قام بتطبيقها فى معارضه السابقة، فى مغامرات أسلوبية غير معتادة فى أغلبها ، بحثا عن خصوصية الهوية المصرية ، بما فى ذلك نوع الخامات المرتبطة بالبيئة .
وها نحن اليوم نجده يختار خامته لرسم لوحاته التصويرية ( بلون واحد على عكس فن التصوير ، دون ينفى ذلك وصفها بالتصوير) ،
مستخلصا إياها من طين الأرض- فعلا لا مجازا – بتأثير لونها البنى المؤكسد بغرْيَن طمى النيل ، وقد يستعين – الى جانبها – ببعض الصبغات النباتية والجيرية من الأخضر والأزرق والطوبى والأوكر ، حيث يجعلها تنداح باهتة فوق أديم الورق المصنوع من القطن محدثة تأثيرا ضبابيا ، مع إحساس بالقدم والعراقة والتلقائية ، وتذكرنا الرسوم فوقها بما نراه فوق جدران الأضرحة والبيوت الطينية ورسوم الحج ، الى جانب كتابات ورموز وأيقونات شعبية ، تتوحد مع البناء الكلى للوحة ، فتعكس نوعا من الحنين الى الأرض الأم حين تشم أريجها ساعة ارتواء شقوقها العطشى بالماء ، وقد تشى بعض اللوحات بأنها صفحات من كتب السحر القديمة وقد بهتتت حروفها ورموزها واصفرت أوراقها واسودت بتأثير النشع والرطوبة ومرور الزمن ، وقد يلجأ الفنان الى استخدام مادة الكلور لإزالة أجزاء معينة من الأشكال والأرضيات ، فيوحى الأبيض الناصع للأجزاء المُزالة بأنها كل ما تبقى من لون الورق الأبيض قبل الرسم عليه ، ما يعكس تباينا بصريا عبر درجات الصباغة المتداخلة.
وقد لا نجد فى جميع اللوحات عناصر جديدة من الرموز والوحدات الزخرفية تختلف عما اعتاد استخدامه فى معارضه السابقة ، مثل الزجزاج الدال على تدفق الماء فى الفن المصرى القديم ، وطائر الهدهد بما يرمز اليه كمرسال لنقل الأسرار ، والسمكة الدالة على الخصوبة والخير ، والنخلة بما تمثله من عطاء وسموق ، والبومة بما توحى به من هواجس ليلية ، والمركب كإيماءة للسفر والإبحار فى النيل ، والمثلثات المتعاكسة كلازمة زخرفية فى العمارة الطينية ، فضلا عن أشكال الهرم والقبة وحروف الأبجدية وزخارف الحديد فى الأسوار والأبواب ، والحمار كصديق طيب وصبور للفلاح فوق قوة احتماله …وغيرها من العناصر ، لكنه يبث فيها الحياة لتبدو كائنات واقعية حية ، فيسفر ذلك عن نوع من التماهى والتطابق بين العضوى والفنى ، أو بين الشكل والدلالة ، او بين الحسى والمعنوى . ولا تدرى هل تحول الواقع المجسد فى هذه العملية الى رمز دلالى ، ام تحول الرمز الى واقع مجسد ، وبقدر هذا التوحد بين المعنيين، نجد الفنان يتجه فى لوحات أخرى نحو إحداث مفارقة حركية بين أشكال متباينة ، مثل المفارقة بين وحدات العمارةالرصينة المشغولة بالموتيفات الزخرفية الكثيفة فى حديد الأسوار والأبواب ، وبين أغصان الأشجار المتحركة بفعل ريح هائجة ، أو تيجان النخيل من الجريد والسعف وهى تتمايل وتتماوج فى حركة جماعية (كورالية) على خلفية المبانى الثابتة …وتلك مفارقة إيجابية، حيث يوجد خطان متعاكسان بين السكون والحركة ، أو بين البطء والسرعة ، كما فى الموسيقى.
وإذا كان أدب الفولكلور المصرى قد أجاز منطق (يا طالع الشجرة..هات لى معاك بقرة ، تحلب وتسقينى….إلخ ) فإن منطق عبد الكريم قد أجاز فى لوحاته إجراء حوار بين حمار وسمكة ، او إطلاق سمكة هائلة الحجم لتطير فوق قباب البيوت الراسخة ، او يجعل سربا من المراكب الصغيرة ينساب فى هدوء مع تيار النهر ، وعلى أحد شاطئيه مبان ذات قباب وأهرامات ، وعلى الشاطئى الآخر صف من الأشجار الشاهقة تعصف بأغصانه العارية ريح هوجاء ، وكأننا إزاء معزوفة موسيقية ذات حركات نغمية متعارضة ؛ بين النعومة والعنف فى هارمونية منسجمة.
لقد أطلق عبد الكريم العنان لخياله ، فخلق متتالية موسيقية شعبية ، قد يناسبها اسم”كونشيرتو الخط” ، كناية عن آلة تعزف منفردة على خلفية من درجات لونية خافتة وناعمة ، لكنه اتخذ قالبه التعبيرى من النغمات البصرية التى تقابل النغمات الصوتية، لتنساب متماوجة بين الحقيقة والحلم ، أو بين الواقع وما وراء الواقع ، أو بين السكون والعاصفة.
وهو بذلك قد أضفى على فن الرسم – الغائب عن معارضنا ، بخطوطه النحيلة وعزوفه عن الألوان – حضور فن التصوير وأبٌهته ، وإن بدا شحيح الألوان !

