2 ابريل 2019
معرضان لا يكاد يربط بينهما شىء إلا المكان والزمان ؛ المكان هو قاعتا أوبونتو بالزمالك ، والزمان شهر مارس المنقضى ،صاحب الأول رسام ، وصاحبة الثانى نحاتة . هو يتخذ من واقع الحياة اليومية فى المدن والمطارات عالمه وإلهامه ، ويتخذ من الرسم بالضوء والظل أداة لاقتناص ومضات إنسانية تستعصى على التجسيد ، فتبقى أطيافا بلا ملامح ، وهى..تتخذ من معدن النحاس أداة تحيل بها الأعمدة والشرائح النحاسية الغليظة الى أفكار مجردة ومعانى رمزية حول مأزق الإنسان فى الوجود ، وربما تبدأ بالعكس ، اى بفكرة مجردة تحيلها الى تشكيل نابض بالمعانى الإنسانية.
ومع ذلك ، فهناك شىء كبير يجمع بينهما ، شىء جوهرى يتعلق بكنه الفكرة الفلسفية عن الوجود الإنسانى فى هذا الكون ، ونكاد نجد تطابقا فى معنى عنوانَىْ المعرضين : فعنوان معرضه “ترانزيت” وعنوان معرضها “المعبر” . أهى مجرد صدفة جمعت بينهما؟.. لكن كم يختلف بينهما الأداء بعد ذلك! ..فهو يعبر عن هذه الفكرة بهمس يقرب من الشعر ، وهى تعبر عنها بذهن عقلانى يبرق بالمعانى المجردة ، وأكاد أجزم بأنهما لم يرتبا لإقامة معرضيهما معا فى نفس المكان ونفس الزمان ، وأظن أن القاعة أيضا لم ترتب لذلك بناء على تلك الفكرة.
محمد خضر : الحياة ترانزيت!
وأنا أتجول بين لوحاته المرسومةباللون الأسود وحده ، باستثناء لمسات لونية قليلة جدا هنا وهناك ، كانت تلح على خاطرى صورة الفنان الكبير الراحل حسن سليمان وهو يتجول كعادته فى شوارع وسط البلد والقاهرة التاريخية ، وأستعيد مناظره المستلهمة من حواريها بدرجات اللون الرمادى الكاتمة للصوت والأسرار ، والضوء والظل يلعبان معا فى غموض مخادع ويحكيان عن زمان ولٌى ومكان ميتافيزيقى يذكرك بالفنان دى كيريكو ، كما تتوارد على مخيلتى لوحاته للطبيعة الصامتة ، تتحاور فوقها زجاجاته المتوحدة واوانيه المنبوذة ، ثم تزاحمها فى التذكر لوحات موديلاته الوحيدات ، غائمات الملامح والمصير ، هائمات فى الحياة بلا بيت أو هدف أو رفيق…هناك خيط حريرى رقيق يربط “خضر” و”سليمان” ، وإن اختلف بينهما المكان والزمان والأداء ، لعل ما تجمع بينهما هى روح هائمةوحيدة وغريبة فى المدينة الهائلة المتكبرة بلا قلب ، روح تسرى بغير مستقر ، تحيا حياة مؤقتة ، وتحمل دائما حقيبة السفر وهى تحلم بالحياة فى مكان آخر لا تشعر فيه بالغربة ، روح عابرة للحدود والأزمنة ،تبحث عن دفء عزيز المنال وعن بهجة مستحيلة وسط محيط وجودى باهت ومخادع بغير الوان دافئة او صريحة فيما عدا الأسود!
فكرة الترانزيت فى معرض خضر تفرض مفهوم الترحال المستمر بين البلاد ، والانتظار لمواعيد الطائرات والقطارات على الأرصفة وفى صالات السفر ، قبل التنقل بين الأمكنة والأزمنة…الفارق بين عالمه وعالم سليمان ، ان الأخير يمشى ويتجول ويتأمل فى معالم ذات وجود واقعى لبيوت عتيقة ومساجد أثرية وأسبلة وتكايا ومشربيات تطل على عالمه من زمن قديم ، وتجمعات شعبية هيشعر بالاهنتماء إليها لكنه لا يستطيع الاندماج فيها ، فيظل واقفا على مسافة منها برغم انها مغروسة فى قلبه ، إنه تجسيد لنموذج العاشق اللامنتمى فى مجتمع لا يكترث بوجوده … فيما أرى عالم “خضر” تجسيدا لحالة اغتراب مزمنة ، وعبور بين اماكن زجاجية يرى الأشخاص والعوالم
المختلفة من ورائهاغائمة متشظية بلا ملامح أو سمات واضحة يمكن ان يستدل على جنسياتها ، إنها حالة المسافر الأبدى عبر المطارات ، يرى المسافرين يهرولون فى عجلة من أمرهم ، وانعكاسات الأشياء على الواجهات الزجاجية تمتزج فيها الوجوه والأزياء وقطع الأثاث بغير تمييز ، وتتداخل أشباح السيارات على الأسفلت بقسوة لا إنسانية ، وحتى فى مناظره لميادين القاهرة تتصادم أشباح العمارات الشاهقة مع تمثال الزعيم فى الميدان ، وتتعالى على زحام السيارات وحشود المارة والظلال السوداء ، فتبدو جميعا فى صراع مكتوم الصوت كفيلم كابوسى ، وفى مرسمه تتعرى الموديلات إلا من قمصان النوم ، مُخفياتٍ وجوههن ، وحتى لو أدرنها نحونا بدت مطموسة الملامح!
كل ذلك يتذبذب أمامك كأضغاث حلم نُسِيَت تفاصيله ، وبقيت شذراته المراوغة مستعصية على التأويل..إلا بالشعر ، بكلماته ذات المعانى الملتبسة والأطياف المتماهية بين الحقيقة والخيال ، ويترسب بداخلك – فى نهاية جولتك بالمعرض – شعور بأن الفنان غريب عابر يبحث عن روحه الهائمة بين المطارات أو العالقة وسط زحام السيارات او امام حواجز المرور او قبالة فتارين المحال التجارية التى تؤكد غربته .. حتى فى وطنه!
إلا ان الشىء المؤكد هو ان محمد خضر موهبة كاسحة بالتعبير اللاذع ،نضجت واستوت بخبرات تقنية عالية ، أجادت اصول الرسم والتصوير بلون واحد ، وأحالته الى تعبير درامى أوركسترالى ذى ألحان مركبة.
وغدا موعدنا مع معرض النحاتة سيدة خليل.وتشاهدون اليوم تماثيلها النحاسية ليترسب لديكم مذاقها قبل القراءة عنها.



