أمل باشا..وأحزان زهرة الليلك!

6ابريل 2019

 

هل لا يزال للغناء الرومانسى..المتأوٌه ألماً لضياع الحب..مكان فى الذائقة السمعية فى هذا العصر ؟ ..الواقع يجيب بنعم ، فلم تفقد الأجيال المتتالية شغفها بسماع أم كلثوم وفريد وحليم وفيروز (ومن يناظرهم فى جميع الدول والشعوب)، وهم يستعذبون آلام الفراق ويستعيدون الذكريات والحلم اليائس بالوصال.
لكن ما يعنينا هنا هو: هل بوسع الذائقة البصرية للوحة ان تستسيغ اليوم هذه المعانى لو تُرجمت الى أشكال وخطوط وألوان وملامس؟..ولم لا؟…أعتقد أن التعبير عن مشاعر الحب بالفن سيظل دوما ، طالما ظل هناك قلب ينبض ويشتعل حنينا الى شقيق االروح ، وطالما بقى الحب لغزا يستعصى على تفسير لماذا جاء ولماذا راح؟.. المهم كيف يعبر الفنان عن ذلك..فليست قضية الفن هى الموضوع ، بل هى كيفية التعبير عنه بأدوات الفن .
راودتنى هذه الخواطر وأنا أشاهد لوحات الفنانة أمل باشا فى معرضها بقاعة الباب بالأوبرا ، وإذا كان أى فنان قد جرب التعبير عن مثل هذه العواطف فى صباه (ولو على هوامش كتبه وكراريسه المدرسية فترة التأجج الرومانسى)، فإن من النادر ان نجد فنانا ناضجا يستمر فى التعبير عن ذلك مباشرة كالشعراء و المطربين ، وقد كان ذلك موضوعا رئيسا للرسامين والنحاتين طوال القرون الماضية ، غير أن عواصف الفن الحديث منذ أوائل القرن العشرين قد أطاحت بهذا التوجه ضمن ما أطاحت به من توجهات غلٌبت لغة الشكل والتقنيات على لغة القلب والمشاعر ، لكن الفنان الحديث عمل على تصوير الحب فى إطار مموٌه أو غريب ، فبدا أقرب الى السريالية او إلى رؤى التجريد والرمز.
و “أمل باشا ” فنانة دارسة أكاديميا ، أقامت العديد من المعارض بمصر وخارجها ، وحازت بعض الجوائز ، ما يُفترَض معه أن تحاذر الوقوع فى”سيولة عاطفية”قد ينجرف إليها البعض فى معالجتهم لهذا الموضوع ، بنوع من الوضوح المجانى وهو عدو الفن ، لكنها كان لديها من الشجاعة أن تجعل من موضوع “الحب الضائع” نقطة انطلاق للمعرض كله ، حتى أنها قدمت الكتالج بأبيات شعرية (ربما تكون من تأليفها) تقول:
لى حبيب أزور فى الخلواتِ..حاضر غائب عن اللحظاتِ..ما ترانى أصغى إليه بِسمعٍ..كى أعى ما يقول من كلماتِ .. فكأننى مخاطِبُ إياه من ذاتى لذاتى ..
ولا أقول إن اللوحات جاءت ترجمة لمعانى هذه االأبيات ، لكنها تحمل فحواها ورحيقها ، ولعل ما أنقذها من الترجمة الإيضاحية للمعانى، ؛ ما اتخذته من أسلوب تغريبى لتصوير رؤوس العشاق صلعاء ، اشبه بوجه المجنون الأخضر لعبد الهادى الجزار ، وهم فى حالة تباعد أو تنائى عن بعضهم البعض ، تاركة لشرائط متصلة أو متقطعة من الألوان والشرائح الملمسية المُجرٌحة مهمة الربط والتواصل بينها على خلفيات من الأزرق والأحمر والرمادى بدرجاتها ، واتخذت من زهرة الليلك البيضاء -لا البنفسجية الشائعة – أيقونة تبزغ أوراقها المسلوبة بنعومة وحنوٌ ، وجعلت منها بطلا محوريا يلمع فى الفضاء كنجمة مضيئة ، لقد باتت هذه الزهرة الحزينة رفيقة للمحبين فى اللوحات ، هادية وحانية على قلوبهم المجروحة ، وهى تسرى فى سماء غربتهم ، تُسَرٌى عنهم وتؤنسهم وتقود أرواحهم الى السلام والسكينة المفقودة ، التى لا حيلة للعاشق المهجور فى استعادتها بعد انكسار القلب … هكذا يبقى – مع أريج الليلكة البيضاء – تَخاطُر القلوب الوحيدة مع بعضها البعض ، وهى تسترجع مشاعر الحنين بين لحظات الغفو واليقظة على حد تعبير الفنانة فى كلمتها بالكتالوج ،وأضيف : أن القلوب تهفوا للتحرر من حواجز المكان والزمان ، ومن أسباب الفراق والنوى ، لتبقى الأرواح هائمة مع شذى الذكريات.
وربما كان بإمكان الفنانة التعبير بأسلوب أكثر فنية وقوة لو قللت من وضوح ملامح الوجوه ومن تجسيم الأشخاص بواقعية ، ولو استطاعت اختزال تفاصيل الزهرة التى جنحت الى الوصفية المباشرة ، على عكس ما فعلته فى الشرائح الأفقية المتماوجة على خلفيات الوجوه والأجسام ، متماهية مع ألوان الأرضيات بحس شبه تجريدى ، أو ما أحاطت به بعض الرؤوس من شرائط بلمسات عريضة ، موحية بشريط الذكريات دون إفصاح.
فإذا كانت أمل باشا قد استهلت الكتالوج بأبيات الشعر ، فإن من باب أولى أن تنعكس روح الشعر على نسيج اللوحات وأجسام المشخصات بمزيد من الغموض المفارق للواقع.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »