من بين عشرات من الفنانين النحاتين اختار الناقد الفنان عز الدين نجيب سبعة نماذج من النحاتين المعاصرين يمثلون مختلف الأجيال حتى جيل الثمانينيات، يعد كل منهم تعبيرا عن مرحلة أو حركة، يجمع بينهم انشغال فكري بقضايا المجتمع والإنسان.. وذلك في كتابه (أنشودة الحجر) الصادر عن سلسلة (آفاق الفن التشكيلي) بهيئة قصور الثقافة والعجيب أو قل المؤسي أن يكون من بين هؤلاء السبعة ثلاثة من أصحاب المعاناة المرة حتى يمكن إضافتهم إلى قائمة (فنانون شهداء) عنوان كتابه السابق القيم الذي صدر عن حقوق الإنسان، أولهم جمال السجيني الذي ألقى في لحظة يأس بمجموعة كبيرة من تماثيله إلى قاع النيل عام 1969، وثانيهم كامل جاويش الذي قام بتحطيم تماثيله في ثورة غضب، وثالثهم محمد مصطفى الذي أخذ جثمانه رهينة حتى يسدد حساب موت غادر! أما عن عنوان كتابه (أنشودة الحجر) يحاول نجيب أن يرفع ما قد يبدو من التباس، فإن وسائط التعبير لدى النحاتين تتعدد خاماتها بين الخشب والبرونز والبوليستر وليس الحجر وحده، إنما قصد من الحجر المعنى الرمزي لتطويع الصلابة التي يوحي بها الحجر وصولا إلى معزوفات وأناشيد بصرية تمس القلب وتعبر عن الإنسان والآن إلى النحاتين السبعة. جمال السجيني)أنشودة للأرض والحرية) يرى أن أعماله تعبر عن محورين أساسيين: الحرية حتى تصل إلى تحطيم الأغلال، والتجذر في الأرض والاحتماء في التراث. ويعده رائدا لتيار الواقعية الاجتماعية في حركة النحت الحديث في مصر فمع حرصه على بلورة شخصية مصرية قومية للنحت يتمرد في الوقت نفسه على النزعة المحافظة لمن سبقوه، وتأثر بالعمارة البيئية والإسلامية وليكون من ملامحها أشكالا نحتية معاصرة مثل القباب والمصاطب والسلالم الداخلية.. يجعلها (إطارا لعبقرية المكان والتاريخ ولزخم انغماس البشرية في أواخر الأربعينيات، (من القرن العشرين) يشارك السجيني في تكوين جماعة الفن الحديث التي وضعت النضال الاجتماعي والسياسي على قدم المساواة مع الإبداع الفني.. مما ينعكس على أعماله، جاءت تماثيله (الجوع) (الفلاح) (الأرض) (الحرية).. صرخات احتجاج ضد الظلم وبعد ثورة 1952 تكون نظريته شمولية للوطن ككل ينحت الأشكال الصرحية والرمزية التي تلخص قضايا التصدي للإستعمار والصمود والتعمير .. يجسد نهر النيل والقرية المصرية التي رمز لها بالأم في مجموعته (الأمومة ) تتكامل كل خصائصه الفكرية والنفسية والنحتية. كما يبحث عن الموروث الشعبي التشكيلي كما في (عروسة المولد) ويهتم بالحرف التقليدية خاصة الطرق على النحاس عبرت أعماله المطروقة على النحاس، عن قيم الحرية وامتداد الإرث الحضاري كما اهتم في أواخر حياته بفن البورترية فنحت تماثيل نصفية لرموز الفن والأدب مثل سيد درويش وتوفيق الحكيم وسيف وانلي وأم كلثوم. محمود موسى (قبلة الأزميل على خد الحجر) نموذج للفنان العصامي .. لم تتح له فرصة التعليم إلا في الكتاب سلبت منه طفولته واضطره والده أن يعمل معه في زخارف الجبس والرخام في عمارات يقيمها مقاولون أجانب .. ميوله الفنية دفعته إلى الإلتحاق وهو في السادسة عشرة من عمره بمدرسة ليلية للهواة تتبع جمعية أهلية للفنون يرأسها الفنان محمود سعيد .. يكتشفه محمود مختار، شجعه، وشاركه الشاب في معرض عام .. استدعته هدى شعراوي ليعمل في مصنع للخزف تملكه .. فشلت في إلحاقه بمدرسة الفنون الجميلة لأنه لم يكن قد حصل على الشهادة الإبتدائية شرط القبول ! يعود للاسكندرية يترك له نحات ألماني إحدى حجرتي مرسمه حينما نشبت الحرب العالمية الثانية يستفيد موسى من احتكاكه بفناني الاسكندرية .. أجانب ومصرين . .وتمضي الأيام ليصبح من أوائل النحاتين الذين قاموا بالتدريس بكلية الفنون الجميلة بالأسكندرية التي أسست عام 1957 . يرى عز الدين نجيب في نحت موسى مضمونا يعبر عن رؤية للسلام والمحبة والأمان، والتعاطف الإنساني مع كافة الكائنات الحية والتصالح مع الحياة .. وقد تأثر بالنحت المصري القديم في اختيار الكتلة المصمتة المتضامنة، كما تأثر بأستاذية محمود مختار في ليونة خطوطه وانسيابية تكويناته . محمد هجرسي .. (شاطئ مهجور للفلاح التائه) .. يرى نجيب في تجربته إحدى العلامات المميزة نحو تحديث النحت المعاصر وتحريره من سطوة التقاليد الفرعونية .. وفي ظل مناخ الستينيات المتطلع الى التحرر الوطني والمطعم بشعارات اشتراكية انطلقت طاقاته التعبيرية تعكس قيمة العمل والوحدة والمحبة والسلام .. كما في (عمال السد العالي) و(الطفل والحمامة) و(المراكبية) ولكن في ظل ضغوط السبعينيات السياسية يجد نفسه في زنزانة بسجن طره بتهمة (كراهية نظام الحكم) وكانت تماثيله هى أدلة الاتهام! .. مما يدفعه الى الهجرة ينضم إلى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ثم في سوريا .. وبين بيته الريفي بين جبال لبنان حيث كان يعلم أبناء القرية صناعة الخزف وصناعة التماثيل .. وحينما يعود الى مصر عام 1989 وهو لا يملك أي دخل إذا به يذوق مرارة النفي المعنوي داخل وطنه .. يقرر اعتزال العالم على شاطئ البحر في برج العرب، حيث الهدوء والتأمل والإنتاج .. يستعيد خصوبته الإبداعية المتدفقة .. بل يواصل بحثه الفني بقوة شبابية لم ينقطع مسارها عن تيار لغته التشكيلية التي تسري في عروقه منذ الستينيات . كامل جاويش (تذكرة سفر .. بين اليأس والأمل) حدث له ما حدث لجمال السجيني في لحظة يأس حطم تماثيله في غضب كأنما يتحرر من عبوديته لها . فبعد أن كان ملء البصر ويكلف بنحت المشروعات القومية الكبرى، حاصدا للجوائز، وجد أنه لم يحصد في النهاية وقد أوهنت قواه أعوامه الأربعة والسبعون غير الجحود والنسيان ويرحل في صمت عام 1994. كامل جاويش ابن بور سعيد .. ابن بحر، يرى فيه المؤلف الكثير من صفات هذا البحر .. متقلب الأهواء والأمواج، سريح الصفو مثل طفل، عميق القاع مثل بئر شفيف مثل بلورة تتابع على جوانبها انعكاسات الضوء .. مأساوي إلى حد الأساطير وعبث الأقدار ! تتألق موهبته وهو مازال طالبا بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ليحصل على الجائزة الأولى لمسابقة مختار في النحت، ويؤكد وجوده منذ تخرجه (1945 ) في الحركة الفنية، ليرشحه سفير فرنسا في بعثة الى باريس حيث وجد أثار الحرب من خراب ودمار، كانت أول صدمة لأحلام الفتى الرومانسي تجاه حضارة الغرب، ومن هنا جاءت تماثيله في تلك الفترة ذات نزعه تعبيرية ناقدة للحضارة الغربية تمثاله (النصر الجنائزي ) يعبر عن زيف الإنتصار فوق الجماجم البشرية من خلال نسر هائل يرفرف بجناحيه فوق جمجمة يشارك بعد عودته في صنع ملامح مصرية أصيلة معبرا بإبداع عن مختلف القضايا الوطنية والإنسانية والإجتماعية ويتخصص في فن البورترية ليبدع تماثيل نصفية للشخصيات العامة المتميزة في الفن والسياسة. بعد لحظات اليأس التي مرت به يتملكه الحنين الى مدينته بورسعيد وإلى أهل بلده الذي انفصل عنهم قرابة نصف قرن .. في شهر يوليو 1993 يفتتح معرض شامل لأعماله .. يطلب منه مواطنوه أن يتبنى مرسما مفتوحا للنحت للمواهب الواعدة لتستفيد من خبراته .. تقدم له وعود رسمية لتحقيق المشروع .. و لكنها لم تكن إلا سحابة صيف ويرحل الفنان العجوز بعد معاناة من أزمات قلبية في أغسطس 1994. محمد مصطفى 1929ـ1990 (مستضعفون لا يحنون الجباه ) يشد الإنتباه الى منحوتاته روح التعاطف والتآخي مع الكادحين والفقراء والمستضعفين دون مبالغات رومانسية أو ميلودرامية يستدر بها الشفقة، بل على العكس اتسم تعبيره عنهم بنوع من التهكم والفكاهة التي تخفف من مأساوية واقعهم .. ومن وسط هذا الواقع تبرز قوة الإرادة وروح الصمود. درس محمد مصطفى بالقسم الحر بمدرسة الفنون الجميلة، ثم بأكاديمية روما على نفقته الخاصة بعد وظائف في مصر قام بالتدريس بكلية الفنون الجميلة بدمشق لأربع سنوات صمم خلالها نافورة بإحدى الحدائق العامة، لم يقدم معارض فردية اكتفى بالمشاركة في معارض جماعية، ظل بعيدا وزاهدا عن الاضواء وزاهدا لم يكتب عنه أي مقال نقدي أو موضوع صحفي، حينما مرض لم يستطع أن يسدد نفقات علاجه، واحتجزت إدارة المستشفى جثته حتى استطاعت مساعي الأصدقاء والفنانين الإفراج عنها !! ولننهي الحديث الحزين عن فناني النحت بنموذجين مشرقين (الوشاحي وتماثيله المدهشة، ومحمود شكري وميدالياته الرائعة). في فصله عن (الوشاحي وكتله المتعطشه للحرية) يقدم لنا عز الدين نجيب صورة عن عبد الهادي الوشاحي في تمرده وكسره لقواعد النحت التقليدي، وهو ( كابن لمعاناه جيل الستينيات المؤرق بهموم المجتمع وقضايا الإنسان، اصبحت قضية التعبير بالنسبة له لا تتجزأ عن قضية الشكل الجمالي أصبحتا كيانا عضويا ينمو ويتطور مع تطور وتغير المضمون باستيعابه لحركة المجتمع وبعدها التاريخي كان الناتج موقفا منتميا لقضية التحرر بمعناها الواسع.. تمثل الفراغات في تماثيل الوشاحي لزمات أسلوبية وتعبيرية في تمثاله (الحصان) نجد هذا المخلوق النبيل الجامح المتحفز للخطر.. وقد امتلأ جسمه بالثغرات نكاد نسمع صفير الريح بين فتحاته .. تكاد تشعر بأنه أتى لتوه مغبرا مختالا من رحلة عبر القرون تكاد الريح أن تحمل جرمه الضخم الرشيق وتطير به كي يستأنف رحلته الاسطورية عبر الزمان) .. ما أجمل هذا الوصف الشاعري من الفنان والأديب عز الدين نجيب ويمضي بنفس الشاعرية يصف ويحلل تماثيل الوشاحي الأخرى (إنسان القرن العشرين) و(الصرخة ) و(الشهيد ) ثم (إنسان القرن الواحد والعشرين) .. مازجا بين القومية والأساليب الحديثة .. ومتجاوزا القومية الى الرمز والتجريد . رغم دهشة الناقد المؤلف من ندرة الأعمال الفنية المعبرة عن الحرب .. وخاصة حرب أكتوبر النصر الوحيد لا يجد أثرا لهذه الحرب إلا في أعمال محمود شكري .. وفي الفصل الخاص عنه ( أنشودة المحارب .. ونبض الشهيد) يرى في أعماله تجسيدا رمزيا للمقاومة والبطولة .. ويرى أن لتجربة الفنان الشخصية الأثر الأساسي، فهو قد عاش تجربة حرب الاستنزاف فور تخرجه من كلية الفنون التطبيقية عاش على خط المواجهة ودائرة النيران عامين ثم استدعي ليخوض غمار حرب أكتوبر 1973 ويعيش مع جنوده تجربة الحصار في الضفة الشرقية لقناة السويس .. هو واقع مادي إذن عاشه الفنان واستقر معه دبيب الموت المتوقع في كل لحظة بين (المجاني والعبثي والبطولي الاسطوري) . يعود الى نشأة الفنان وما لعبته في تشكيل شخصيته وفكره وإنتاجه فهو من مواليد قرية هرية رزنة مسقط رأس الزعيم الوطني أحمد عرابي وعندما كان عمره تسع سنوات يشهد كيف هبت مصر دفاعا عن بورسعيد ضد العدوان الثلاثي .. بعد حب عرابي يترسخ حب عبدالناصر ثم كان لعبه يقطع الطمي على شاطئ نهر النيل.. يشكل تماثيله الأولى للفلاحات والحيوانات والعمل في الحقل .. هذه كلها مؤثرات في فن النحات .. يظل مؤثر الحرب أهمها والعبور الذي كان بمثابة اجتياز الهوة السحيقة للإنسان المصري واستعادة الثقة في الذات والوطن .. وعلى نفس اللحن بتنويع مختلف يعزف محمود شكري معزوفة الإنتفاضة الفلسطينية لصدور الأطفال العارية وقطع الحجارة الصغيرة في أيديهم أمام ترسانة الاحتلال الصهيوني . وقد تفوق شكري في فني الميدالية لإشباع شغفه بالبطولة والرمز وفي الدروع التذكارية أنجز ما يزيد على الخمسين ميدالية تذكارية لعديد من الرموز الوطنية والفنية السياسية بدءا من عبدالناصر حتى نجيب محفوظ بعد فوزه بجائزة نوبل كما أنجز لوحات جدارية ضخمة في الأماكن الجماهيرية كما في لوحته بالنحت البارز في محطة مبارك بمترو الأنفاق 1996. القاهرة ـ

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »