فيس بوك
عز الدين نجيب
15سبتمبر 2011
اعطت الطبيعة بسخاء اسرار حسنها لسيناء وطبيعة الصحراء وان بدت واديا غير ذى زرع فهى تملك من التضاريس متباينة الاشكال والالوان مايكون لوحات تشكيلية مبهرة تاخذك فى تموجات نغمية مع انسياب المساحا ت والخطوط وتغير الملامس والحجوم وتبدل االضوء والظلال طوال اليوم ويتماهى خط الافق الارضى سبجهامتها وغرابتها وسرعان ما تكتشف العين الوافدة حديثا الى المكان الجمال الكامن فى تشكيلاتها اذ تنطوى على حيوات لا نهائية من مخلوقات تحجرت او احجار تانسنت فما بالك وانت تمضى فى واد تكسو مساحات الخضرة فيه اجزاء متفرقة هنا وهناك شمالا وجنوبا من حقول المحاصيل او من بساتين الزيتون والفاكهة او غابات النخيل او حتى الاشجار الجبلية الضامرة ويعمره الانسان بالجهد والصبر وتعطره مئات النباتات المروية بقطرات الندى بما لا يحصى من الانواع العطرية ويسرى فيه دبيب الحياة وقوافل الرعاة وقطعان الابل والاغنام فى سكينة وسلام من دون قيود او قيادة من احد فهى تعرف طريقها واصحابها وبيوتها وتؤوب اليهم عند الغروب من تلقاء انفسها فلا خوف عليها من سطو احد ولاحاجة لاصحابها الى مستندات تثبت انهم ملاكها فقانون البادية بفطرته الراسخة اقوى من اى قانون وضعى لانه وليد الطبيعة والقيم المتوارثة
وما بالك ايضا اذا تكامل هذا المشهد البصرى الاخاذ مع الحس الروحانى المعبق بالقداسة حاملا ترجيع الصدى لابتهالات الانبياء والنساك ولدوى المدافع والقنابل فى المعارك الوطنية ولرفيف ارواح الشهداء دفاعا عن الوطن جيلا بعد جيل حتى يناديك هاتف مجهول المصدر ان خفف الوطء .. فتحت قدميك قد ترقد عظامهم فى سلام.
* رؤية ذاتية لسيناء
تلك كانت مشاعرى وانطباعاتى وانا ازور ارض سيناء لاول مرة بعد تحريرها عام 1981 ثم تطورت وتعمقت هذه المشاعر والانطباعات مع كل زيارة تالية متنقلا بين العريش ورفح والشيخ زويد وبير العبد شمالا ودهب ونويبع وشرم الشيخ والطور جنوبا فتحولت الى رؤية فنية استحوزت على وجدانى وخيالى لسنوات ممتدة وظهرت نتائجها فى الدراسات الخطية وعشرات اللوحات الزيتية ، معبرة عن عبقرية المكان وارادة الانسان ، فى تشكيلات رمزية يتماهى خلالها الحجر مع البشر ، وتتحرر فيها روح الانسان من كوابح القهر القديم ، ويعكس بعضها ملاحم الصراع الدائر فوق ارض سيناء منذ القدم وما شهدته من انتصارات او هزائم، وما انطوت عليه من اشواق للتحرر والخلاص، وكانت زروتها الدرامية فترة مفاوضات استعادة (طابا) المتعسرة التى باتت رمزا للسيادة الوطنية رغم ضئالة مساحتها ، فاصبحت لغما مشحونا بهواجس الانتصار المنقوص فى اتفاقية السلام ، وكان تعبيرى الفنى عنها متجاوزا المشهد البصرى للمكان ، الى معنى اصالة الوجود المصرى فيه ، فقد غرستُه ككتلة صخرية راسخة فى قلب المساحة المتنازع عليها ، مستخدما اسلوبا فنيا يفجر بداخل الاحجار والاشجار طاقة المقاومة والانتصار !
وبنفس قدر انبهارى بطبيعة سيناء وطاقتها الروحية ، ثم اسفى لاحقا على اهمال اهلها الصابرين بعد ان دفعوا جزءا كبيرا من ثمن النصر، ولم يتم ادماجهم فى مشروعات التنمية والتعمير او تعويضهم عن تجاهلهم التاريخى ، كان انبهارى بما تبدعه المراة السيناوية فى الشمال والجنوب من منتجات حرفية ، تحمل فى صميمها عبقرية مستمدة من عبقرية المكان وخامات البيئة ، ومن قيم حضارية متوراثة عبر الالف السنين ، ومعبرة عن العادات والتقاليد الحافظة لهويه اهل سيناء، وفى القلب منها هوية مصر ، وحتى لو تاثرت بمؤثرات الجوار الفلسطينى فى وحداتها الزخرفيه وتصميماتها الظاهرية ، فى الازياء والبُسُط ، فقد تميزت بخصوصية البدو المصريين ، الذين يجمعون بين ثقافات البادية والحضر ووادى النيل معا ، لهذا فهى منتجات تنم ـ فوق تلبيتها وظائف نفعية وعادات اجتماعية ـ عن قيم حضارية ممتدة مثل عروق الذهب فى اعماق الجبل .
- الابداع المعاصر فى العريش :
ولان طبيعة الانسان السيناوى فى جوهرها طبيعة مبدعة ، تبدو تجلياتها فى الاشعار والموسيقى والاغانى والرقصات والحرف اليدوية ، من ازياء وحلى وبُسُط منسوجة وخيام منصوبة وغيرهات ، فقد تحققت هذه الطبيعة الابداعية فى الفن الحديث منذ اوائل الستينيات من القرن الماضى ، خاصة فى الشمال وتحديدا فى العريش ، مع توفر الظروف للاتحاق بعض ابنائها بكليات الفنون الجميلة بالقاهرة والاسكندرية ، وكان الرائد الاول هو الفنان مصطفى بكير ( 1941) فاصبح بحق شيخ الفنانيين السيناوين سنا ومكانة ولا يزال حتى اليوم قادرا على العطاء فى اكثر من مجال ، بين التصوير الزيتى وتصميم البوستر والديكور ( وهو مجال تخصصه بكلية الفنون الجميلة التى تخرج فيها عام 1966) ، وبين تنظيم المعارض لفنانى سيناء بالداخل والخارج … انه بداية بوابة سيناء الشمالية الى الفنون الجميلة بالنسبة للوافدين اليها ، ويحلوا له ان يحكى دائما – وبكل جدية – عن ان لوحاته كانت ضمن اهداف اسرائيل عند اقتحامها مدينة العريش خلال حرب 1967 حيث يعمل ويعيش ، لان لوحاته تلك كانت تعبر عن المقاومة وعن هويه المصرى الصامد فى سيناء ، وبشكل عام : فان اعماله تدخل فى اطار المدرسة الانطباعية المتاثرة بشدة بملامح البيئة ، سواء فى الطبيعة او الازياء والزخارف المرتبطة بها ، او بالعادات والتقاليد المتوارثة لاهل سيناء ، مما يشجعه – من جانب اخر – على الاهتمام بالبحث فى الثراث السيناوى ، من حلى وازياء ونسيج ، وبالتقدم بابحاثة الى المؤتمرات المعنية بهذا المجال .
ونلاحظ ان الحركة التشكيلية المعاصرة فى سيناء تتمركز بوجه خاص فى العريش ، لكنها لا تشكل ملامح اتجاه متميز او حركة متصلة بين اجيالها ، بالرغم من اقامة بعض المعارض الفردية او الجماعية هنا وهناك ، واغلبها فى المناسبات بغير اطار مؤسسى يجمعها ويقود حركتها .
ويعد الفنان فاروق ناجى ( 1945) وخريج كلية فنون الاسكندرية ، والحاصل على الدكتوراة منها والذى عمل بالتدريس بكليات التربية بالعريش والسعودية ، وحصل على منحة تفرغ للفن من وزارة الثقافة ، يعد اكثر فنانى سيناء تحققا على ساحة الحركة التشكيلية المصرية ، ليس بمؤهلاته المشار اليها بل لتاثره واستيعابه لفنون الحداثة ، وارتباطه بذوق العصر ، وجراته فى التجريب الجمالى ، مع حرصه على السمات المحلية … وعلى كثرة معارضة وجداريته التى نفذها بمواقع مختلفة ، ومحاولاته للنهوض بالذوق الجمالى بالعريش وتوحيد صفوف فنانيها فى اطار جماعة فنية فقد ظلت محاولاته فى حدود النخبة المثقفة ، فلم يستطع تحقيق التواصل المنشود مع ابناء المحافظة ربما لانشغاله اكثر بالبحث الاكاديمى والعمل بالخارج سنوات ممتده لتحسين اوضاعه ، وربما لاسلوبه الفنى التجريبى الذى يسبق قدرة المتلقى على التفاعل معه .. وكلا السببين يمثلان – بوجه عام – حالة العزلة الملازمة للحركة التشكيلية بمصر منذ نشاتها حتى اليوم .
ونلاحظ كذلك وجود الطابع العائلى للفنانيين فى العريش ، فان زوجة الفنان مصطفى بكير فنانة تشكيلية ايضا ، وقد تخصصت فى اعمال تطبيقية وعمليه ، وهى السيدة نبيلة بكير ، وابنهما هشام يشارك بدوره فى المعارض معهما ، وان كان ذلك من باب الهوايه لا من باب الاكاديمية ، وله اعمال فى النحت البارز. وينتمى الى نفس العائلة كذلك فنان مخضرم هو حمدى بكير ( خريج كلية الفنون الجميلة 1966) وهو ينتهج نفس اسلوب عميد العائلة الفنية مصطفى بكير ، اما السيدة فوزية البراوى – زوجة الفنان فارق ناجى- فهى خريجة اكاديمية ايضا ،وتتراوح اعمالها بين النحت والتصميم … ان هذه الظاهرة العائلية ظاهرة ايجابية على ايه حال، فمن شانها ان تخلق حالة اجتماعية متكاملة كنسيج متماسك ، لكن المشكلة تكمن فيما قد يسببه ذلك من اكتفاء ذاتى يؤدى الى العزله ، والى ضعف طاقة الاحتكاك بالاتجاهات المختلفة وهى المحرك نحو التجديد والتطور الابداعى .
وبخلاف من ذكرناهم ، ثمة فنانات وفنانون اخرون درسوا بكليات فنية منهم سهيلة عبد الرحمن ( فنون جميلة 1975) وتحاول فى لوحاتها المزج بين الحس الشعبى الزخرفى وبين المنظور الاكاديمى ، ورجب عامر( فنون جميلة 1975) ايضا ويقترب اكثر نحو التعبيرية الرمزية والموضوعات الملحمية ، وهناء الفار ( فنون جميلة 1985) واحمد السيد سليم ( فنون جميلة 1987) .. ونلاحظ ان اغلب هؤلاء الخريجين يعملون منذ تخرجهم فى سلك التدريس لمادة التربية الفنية بمدارس التعليم العام بمصر وبعض الدول العربية ، وهى رسالة نجيبة وهامة بغير شك ، لكنها قد تكون حددت مجال الرؤية الفنية لاغلبهم فى نطاق تربوى ضيق .
والى جانب الاكاديمين ، هناك من قدمتهم مواهبهم الفطرية الى محافل الفن التشكيلي بسيناء وخارجها وتعكس اعمالهم روح البيئة وعناصرها الاصيلة ، امثال خليل الكرانى ، محمد فوزى عرفه ، سليمان عباس ، فيما تفرغت صبحة ابراهيم حسن لاشغال التطريز وغير ذلك من المنتجات البدوية ، حتى اصبحت مدربة بجمعية تنمية المجتمع بمخيله فى هذا المجال.
- الحرف التقليدية :
ويثير هذا الجانب قضية مستقبل التراث الحرفى السيناوى ، التى تركت فى مهب الريح منذ تحرير سيناء ، لتصبح مرتعا مفتوحا لبعض الاجانب او المصريين الذين جعلوا منه مجالا للكسب المادى، او لبعض المنتفعين بالمنح الاجنبية او بالمساعدات المقدمة من الصندوق الاجتماعى للتنمية كمنح او قروض بدون منهجيه او خطة استراتيجية تؤصل جذور التراث وتنقذه من التشويه ، او من العبث بعناصره ارضاءا لتوجهات سياحية ، بل ربما كان فى كثير من الاحيان نهبا مباحا للاسرائيلين الذين يدعون انه ينتمى الى تراثهم ، كل ذلك فى غياب مطلق للنظام الحاكم ، متمثلا فى الجهات الحكومية المعنية كالثقافة والصناعة والتضامن الاجتماعى ، وكذلك فى غياب الجمعيات الاهلية التى تعانى من عجز مزمن فى الامكانات المادية بسبب احجام الحكومات ورجال الاعمال عن دعمها للقيام برسالتها وفق خطط مدروسة ، هذا بالرغم مما تمثله هذه الحرف من ابعاد اقتصادية واجتماعية مهمة فى التنمية واستيعاب اعداد كبيرة من الايدى العاطلة ، فضلا عن ابعادها الثقافية التى تصب فى هويه سيناء وتقوى خيوط انتمائها الى الوادى … واتمنى – بهذه المناسبة – ان يتم تفعيل مشروع انشاء المجلس الاعلى للحرف التقليدية ، الذى تقدمت به جمعية اصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة الى مجلس الوزراء بعد ثورة 25 يناير، كى تصبح تنمية الحرف فى سيناء على راس مشروعاته التنموية ، وهو ما صرح به وزير الثقافة عماد ابو غازى مؤخرا لبعض الصحف.
واستعير هنا جزءا من رسالة بعث بها الى الفنان مصطفى بكير حول الفنون والحرف فى سيناء حيث يقول :
( … لقد ابدعت المراة السيناوية فى تطريز ثوبها الذى توارثته عن الاجداد ، بالوانه الحمراء والزرقاء والخضراء على ارضيه سوداء ، فى وحدات نباتية عربية اصيلة ،والبرقع السيناوى الذى تضعه المراة على وجهها لتعبر عن قبيلتها بطوله او بالوانه ، واضعة كميات كبيرة من الخرز الملون والعملات الذهبية والفضية ، ويعتبر البرقع ( زينه وخزينه ) ، هذا بخلاف متطلبات ( الهجن السيناوية الاصيلة ) مثل الخرج والغبيط والموركة والفرضة والدمش ، اما صناعة الكليم المرقوم الذى لا يصنع الا فى سيناء فيحتوى على وحدات زخرفية رائعة … وبالنسبة للرجل فانه يمتشق سيفه المزركش وجلبابه الابيض والعقدة والمريد والحزام الجلدى الذى يثبت به الغليون ويضع فيه ( التتن ) – الدخان العربى – والزناد ، وفى الصيف يرتدى العباءة وفى الشتاء سترة من فراء الخرفان ، اما الرقصات الشعبية فى البادية والحضر فهى الدحيَة والسامر ورقصة السيف وسباقات الهجن العربية الشهيرة )
ان امام الحكومة المصرية بعد ثورة 25 يناير 2011 اولوية كبرى :
هى تطويرمحافظتى شمال وجنوب سيناء من كافة الوجوه ، فهما درع الحاضر وامان المستقبل واستثمار القرن ، ونجاح هذا المشروع هو التحدى الحقيقى لقدرة اى نظام يتولى حكم مصر بعد الثورة على النجاز ، لتعويض ما ضاع من سنين الاهمال الطويلة ، وفى الغلب من هذا المشروع : تنمية الحرف التقليدية ، وكذا الفنون التشكيلية المعاصرة ، بانشاء فرع بكل من المحافظتين لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة ، مصحوبا بخطة جديدة لاقامة متاحف فنية وقاعات لعرض الاعمال الفنية ، مع تخصص اعتمادات مالية لتجميل الميادين العامة والشوارع الهامة ، ولاقامة مسابقات ومشروعات تعمل على اكتشاف المواهب الشابه وربط حركة الفن فى سيناء بالحركة التشكيلية المصرية عبر شبكة من المعارض المتبادلة وورش العمل المشتركة بين الفنانين ودعم الفنانين السيناوين على التفرغ للابداع بوضعهم فى المكان المناسب لطاقتهم اذا لم يتح حصولهم على تفرغ كامل لممارسة الانتاج ، وكذا اقترح افتتاح فرع من اكاديمية الفنون بسيناء يتضمن مختلف المجالات التى تدرس فيها بالقاهرة مع اضافة معهد للفنون الجميلة بهذا الفرع ..
ان استنهاض الاحساس بالجمال واطلاق المواهب للابداع هو جزء محورى من عملية التنمية الحضارية ، ولا ياتى ذلك الا من خلال دور تقوم به الدولة ، ويكون الفنان فى مقدمته .