اساتذة التربية الفنية..وأسئلة عن رسالتهم!

29 ابريل 2019

 

المعرض المقام حاليا بقاعة إبداع بالزمالك لأساتذة قسم التصوير بكلية التربية الفنية بالقاهرة ، استوقفنى فيه أن أغلبية أعماله تنتمى الى التجريد باتجاهاته المختلفة ، بنزعة تجريبية تبحث فى لغة الشكل البحت بمفرداتها ومقاماتها ليس إلا ، ونادرا ما تجد عملا تشخيصيا او عملا يرتبط بالطبيعة او بموضوع او مضمون ، او حتى بوشائج جمالية بالطبيعة والانسان تومئ إلى الهوية المصرية ، ومع إعجابى بالكثير من الرؤى التشكيلية المجردة كأعمال فنية فى حد ذاتها ، تساير الحداثة وما بعد الحداثة فى المحافل الدولية ، إلا أن المعرض يثير أكثر من سؤال إشكالى :
١ – أين الهوية المصرية وسط هذا كله؟…ذلك أن التجريب الفنى بحثا عن الحداثة – وهو امر مطلوب ومسلم به – لا يتعارض مع الطبيعة والانسان ، أو مع الموضوع والمضمون ،وجميعها غابت عن هذه التجارب البحثية ، ولعل آخر اتجاهات ما بعد الحداثة – بما فيها المفاهيمية ووسائط الميديا الرقمية وعناصر التراث والبيئات المحلية – تعد من مقاصد وملهمات بعض تلك الاتجاهات ، فى بحثها عن مخارج من مأزق فنون النخبة وزيف الثقافة البرجوازية بالمجتمعات الغربية ، ولدينا تجارب عديدة لفنانين مصريين من أجيال سابقة ولاحقة ، حققت درجات معتبرة من الحداثة وما بعد الحداثة ، انطلاقا من خصوصية البيئة والتراث والطبيعة والمضمون الانسانى ، بل والرؤية الانتقادية للواقع او السخرية منه(رمزى مصطفى نموذجا) ، لكنها تصب جميعا فى تأكيد الهوية المصرية ، ومنهم فنانون كبار من أساتذة التربية الفنية المعاصرين ، مثل الرزاز وعبد الحفيظ ومحسن عطية واحمد عبد الكريم وخالد سرور…إلخ إلخ…لكنهم لم يشاركوا فى هذا المعرض ، وحتى من ارتبط منهم بهذه المزاوجة بين الهوية والحداثة فى مجمل مسيرته الفنية – مثل الفنان حمدى عبد الله – فإنه اختار أن يعرض لوحات لا تمثل اتجاهه الذى تميز به ، بل هى تطبيق لبحث قام به قبل أكثر من ٤٠ عاما حول استخدام الكمبيوتر فى أعمال التصوير ، وهو بحث تقنى لا ينم عن أي هوية…فهل كانت تلك هى رسالة المعرض؟!
٢- قد يكون منطقيا أن تسود مثل هذه الاتجاهات التجريدية/التجريبية بلا أى هوية حضارية او حتى فنية ، نظرا الى أعمار الشباب المشاركين فيه ، حيث من المنطقى ان ترتبط بالتمرد وبالتجريب والمغامرة جريا وراء اتجاهات الحداثة الغربية ، بغير إدراك لظروف منشئها فى بلدانها ، كونهم غير مطالبين برسالة تربوية أو مجتمعية من وراء الفن ، أما ان يكون أصحابها من أساتذة كلية تربوية(بدءا من مسماها) لتخريج دارسين متخصصين فى مناهج تربوية لصقل مواهب الطلبة بمراحل التعليم الاساسى حتى الثانوى ، وزرع القيم الجمالية لديهم وتنمية استعداداتهم للتعامل الإبداعى مع بيئاتهم الطبيعية ومخزونها الحضارى، عبر كافة الأساليب الفنية والمعطيات الاجتماعية والثقافية والبصرية للواقع ، وصولا الى تعميق انتمائهم القومى ، فإنهم سيشكلون أذواق أجيال من تلاميذهم ، فتنموا تلك الأذواق عكس هذا الاتجاه متخذين من أساتذتهم قدوات لهم ، وعند تعيينهم كمدرسين بعد تخرجهم ينقلون هذه الخبرات والقناعات الى الأجيال الناشئة بالمدارس ، فماذا يُنتَظر ان تكون عليه النتيجة مستقبلا؟!
٣- إذا كان هدف الكلية الأساسى هو تخريج مدرسين للتربية الفنية ، فمن المنطقى ان تصب مناهج الدراسة بها فى هذا الهدف بالأساليب التربوية التى عكفت على بلورتها اجيال الأساتذة الرواد ، وبعضهم من كبار الفنانين الذين تبنٌوا فى اعمالهم الفنية أساليب حداثية ، لكنهم كانوا يفرقون بين ما يبدعونه إشباعا لمشاريعهم الجمالية ، وبين الرسالة التربوية التى ينقلونها لطلبتهم ليقوموا على أساسها بالتدريس فيما بعد ، وبالضرورة تتضمن هذه الرسالة اكتشاف المواهب الفردية وتغذيتها بمختلف أساليب الفن بمدارسه التاريخية واتجاهاته المختلفة وليس باتجاه واحد بعينه كما نرى الآن ، فى الوقت الذى يتم إشباع هذه المواهب بالقيم والخصائص الجمالية النابعة من طبيعتنا وحضارتنا ، بالفكر والمعايشة والممارسة معا ، ويبقى فى آخر المطاف تغذية ذوى المواهب بتوجهات ما بعد الحداثة فى الغرب ، وتزويدهم بالمعرفة بدوافعها وظروف نشأتها هناك بنظرة نقدية، واختيارما يتلاءم منها مع ثقافتنا وظروفنا ، واستبعاد ما هو عكس ذلك ..فهل يحدث ذلك فى الكلية الآن؟!
إن قراءة مقدمة كتالوج المعرض بقلم الدكتور عادل ثروت رئيس قسم الرسم و التصوير بالكلية تؤكد عكس ذلك ، فهو يعلن حمل القسم ” لواءالبحث العلمى المعاصر والمواكب لحركة ما بعد الحداثة على مستوى العالم” ..ويواصل قائلا أن الباحثين من الأساتذة “قدموا أبحاثا فى فنون ما بعد الحداثة ، منها فنون التجهيز فى الفراغ والفيديو وفنون الأداء وفن البيئة والحدث وفن التجميع وفنون الأرض وغيرها ” ، وخلاصة تلك الدراسات هى- حسب قوله – “ظهور جيل من فنانى التسعينيات فى حركة التشكيل المصرى المعاصر يحملون لواء مدرسة التربية الفنية فى التصوير ، ليقدموا تجارب فنية على كل مستويات الفنون البصرية لحقبة ما بعد الحداثة فى مصر ” .
إذن ؛ لقد أصبح هدف الكلية هو تخريج فنانين مؤمنين بفنون ما بعد الحداثة وليس مدرسين للتربية الفنية يحملون رسالة تربوية للفن بكل مذاهبه واتجاهاته ، مستقاة من جذورنا وطبيعتنا وثقافتنا ومما يناظرها عالميا ، وإجراء الأبحاث المشار إليها ليس كافيا لبلورة رسالة من أى نوع ، فالعبرة بما تصب فيه نتائجها ، وها هو أحد مصباتها نراه بوضوح فى هذا المعرض الفاقد لأى هوية!
هكذا تذهب الكلية بعيدا عن أهدافها الأصلية ورسالتها التربوية ، فى اتجاه خلق “مدرسة فنية” كما سماها د. عادل ثروت ، فهل رسالة الكلية خلق مدارس فنية؟..وألم يلاحظ الدكاترة بقسم التصوير انحسار إقبال الفنانين الشباب على هذه الاتجاهات والأساليب فى الصالون السنوى لقطاع الفنون التشكيلية منذ عدة دورات بعد انحسارها فى بلادها الأجنبية وحلول اتجاهات اخرى مكانها تحت مسمى “بعد ما بعد الحداثة” ؟.. فهل سيتفرغ القسم لتغيير “المدارس” التى يتبناها تبعا لتغيرها المتواصل هناك؟.. وألم تكن نتيجة كل ذلك عزوف أغلب خريجى الكلية عن الاشتغال بالتدريس وتفضيلهم ان يمارسوا الفن فى ظل غياب المعايير النقدية ، وهو غياب لم تملأه الأبحاث والدراسات التى أجراها الباحثون بكثافة عبر السنوات الماضية فى الكلية؟ ..
إنها قضية بالغة الخطورة ، وتهدد بخسارة قومية مزدوجة ، فهى من ناحية تؤدى الى تشتيت المواهب الشابة فى لهاثها المتواصل وراء مخلفات الاتجاهات الفنية الغربية بعد انتهاء صلاحيتها ، وما يرتبط بذلك من ضياع الهوية فى إبداعاتهم ، وهى من ناحية أخرى تهدد بتجريف التربية الفنية فى مدارسنا بتأهيل الدارسين بالكلية بما لا يحقق الهدف من تخريج أجيال منها أو بعزوف خريجيها عن العمل كمدرسين للتربية الفنية!
ألا يستحق الأمر فتح حوار موسع حول هذه القضية؟

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »