الحرير والشوك فى معرض حنان موسى!

تُمِدُك لوحاتها – شديدة التقشف والاختزال – بالعديد من الإيحاءات المتعارضة ، كوشم سحرى فوق جسد ناصع البياض ، يشى بأسرار كونية غامضة ، وتتبادل فوق أديمه إيماءات مختلفة بين الرقة والتجهم ، وبين النعومة والخشونة ، فى براح ممتد بغير حدود ، تتلوى فوقه خيوط دقيقة سوداء ، نسجت بخطوط مزدوجة تنساب حينا متماوجة كالحرير وحينا تتشابك كالشرايين فى الجسم ، وحينا تتخللها عُقَد كحبال المراكب ، لكن هذه الخطوط تبدو أحيانا أخرى مستقيمة صارمة تشكل خرائط هندسية لطرق متقاطعة فى مدينة مجهولة كمتاهة لا مخرج منها ، وتحوم فوقها كواكب سوداء متفاوتة الأحجام بين النجوم والأجرام السماوية ، ذات ملامس شوكية مخيفة كدرع القنفذ ..وهكذا يتغير الإيقاع بسلاسة التموجات النغمية الملآى خطوطها النحيلة والسميكة بالحنان والحنين ، وبين التوترات الليفية الشائكة المنطوية على ذواتها متربصة للهجوم المباغت فى صمت مراوغ وفى أى لحظة كالقنابل الموقوتة منذرة بالانفجار ، وبين هذا وذاك يتراوح العالم الكونى للفنانة حنان موسى تحت عنوان “خطين وبس” إيماءً إلى الاختزال الشديد فى خطوطه وليس فى دلالاته !
لوحات معرضها المقام بقاعة الباب فى ساحة الأوبرا مرسومة جميعا بالحبر الأسود على ورق قطنى أو قماش وكلاهما أبيض ، ، تغطى مسامه تأثيرات ملمسية خشنة ، ونرى مساحات الأبيض فيها تتعادل مع المساحات التى تشغلها الخطوط السوداء ، وهى لا تعتبر فراغا ، بل وهجا صحراويا ساطعا يتحاور مع الأسود بل يتحداه أحيانا ، لكنهما يمثلان فى النهاية ثنائية قطبية لآلتين موسيقيتن وتريتين تعزفان فى قالب سوناتا ، هما الفيولينة والكونترباس ، تنساب أنغام الفيولينة فى رقة نحيلة ، لكنها قد تتلوى كالحبال الثعبانية مرة ، وكخيوط حريرية أو عنكبوتية أخرى ، على خلفية حيادية من فضاء أبيض ينبض بإيقاع وئيد وقور ، حتى تخاله محمٌَلا بصوت الكونترباس الغليظ ، ويرتج الفضاء تحت دقات طبول رهيبة الدَوِىٌ الذى تصنعه الكرات السوداء مسمارية الملمس ، وهى تتقارب وتتباعد على مسافات محسوبة فوق أديم اللوحة ، تكاد تسمع منها أبواق النذير !
نحن إذن بإزاء أسلوب من فصيلة السريالية مع قدر كبير من الاختزالية (مينيمال آرت) أو فن الحد الأدنى ، وإن كنت أرجح أن الفنانة لا تهتم بالانضواء تحت أية مدرسة فنية بذاتها ، لأنها معنية أكثر بمطاردة حالة مخاتلة أقرب إلى الشعر ، تلك التى تتلمس معانى ميتافيزيقية مطلقة لا تحاكى الواقع ولا تبحث عن معانى يقينية ، بل تقتنص من الواقع وفلسفة الوجود ومضات تبدو متعارضة ، لكنها تدفع إلى التأمل فيما وراءها ، برؤية مجازية حمٌَالة أوجُه ، وليس ذلك بجديد عليها ، حيث كانت أطروحتها للدكتوراه عن علاقة الشعر بفنون الرسم تطبيقا على عالم الشاعر الكبير أمل دنقل ، وقدمت مع أطروحتها النظرية مجموعة من لوحاتها بفنٌَى الرسم والجرافيك ، بنفس التقشف اللونى أو اللٌالَون فيما عدا الأسود ، فيبدو الإيقاع كعزف منفرد على الناى أو الكمان .
فى معرضها الجديد ضاعفت من أحجام لوحاتها بالنسبة لمعارضها السابقة ، كما زادت من غزل خيوطها ومن تعدد ثخاناتها وعُقَدها والتواءاتها ، واستبعدت – إلا نادرا – وجود مشخصات إنسانية، وأوجدت مساحات متكافئة للنقيضين (الأبيض والأسود) فوق البياض القطنى الخام ، ليصبح – بنقائه وبكارته – صوتا قادرا على المواجهة القوية مع الأسود بكل قتامته وهواجسه ، فانتقلت اللوحة بذلك من حالة الفنتازيا الشاعرية إلى حالة الدراما الكونية الكاتمة للأسرار ، حتى امتلأ فضاء قاعة العرض الصغيرة بالأسئلة الوجودية الكبيرة أكثر من الإجابات اليقينية الدارجة!

فيس بوك 22 يناير 2023

 

 

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »