يعانى المثقفون على امتداد عقود متصلة من شعور قاسٍ بالتهميش والإقصاء من قبل الدولة والمجتمع على السواء، وأقصد بهم المشتغلين بمجالات الفن والأدب والفكر والدراسات الانسانية والتنمية الثقافية، حيث لا يجدون أمامهم مساحة تذكر للتواصل والتفاعل مع المجتمع، من خلال برامج الإعلام أو لجان وضع نظم التعليم والشباب، أو مؤتمرات التخطيط لمواجهة الجهل ومخاطر العشوائيات والتطرف الدينى، بما يؤدى لزرع الثقافة فى بنية المجتمعات الجديدة، بل ولا حتى تمثيلهم فى جهاز التنسيق الحضارى والهيئة العامة لقصور الثقافة وكليهما تابعان لوزارة الثقافة باستثناء العاملين الدائمين فيهما..
إلى ذلك فهم يعانون من تقلص مساحات العرض لإبداعاتهم، حيث تناقص باطراد عدد قاعات المسرح والموسيقى والسينما والفنون التشكيلية، وتركز أغلبها فى العاصمة وحدها، بل فى منطقة بعينها هى وسط البلد وحى الجزيرة، وقد يعزى بعض الفنانين التشكيليين أنفسهم بانتشار عدد من قاعات العرض الخاصة بحى الزمالك، لكنهم يدركون جيداً أنها لا تخدم إلا فئة محدودة للغاية من الجمهور تكونت لديهم حاسة التذوق تاريخياً، بجانب المعنيين من الأثرياء الجدد باقتناء أعمال فنية وهم الندرة الندوة، أما الأغلبية من جمهورها فهم طلبة الكليات الفنية الكائنة بذلك الحى.
من ناحية المجتمع فإن معاناة المثقفين أشد، إذ يثبت هذا المجتمع يوماً بعد يوم أنه ليس بحاجة أصلاً إلى الثقافة، فلا يهتم بقراءة ما يصدره الكتاب فى مختلف مجالات الأدب والشعر والفنون والفلسفة والقضايا الاجتماعية، (لا يتجاوز عدد النسخ المطبوعة من أى كتاب 3000 نسخة قد يستغرق توزيعها ثلاث سنوات وأكثر، فى بلد يبلغ عدد الحاصلين فيه على شهادات عليا عشرين مليوناً على الأقل بخلاف عدد المتعلمين تعليماً متوسطاً أو إعدادياً، ويُحصى قراء المجالات الثقافية بما دون المئات، وتتناقص هذه الاصدارات مع الوقت، وقد نجد فى ارتفاع نسبة الأمية إلى ما يعد بثلاثين مليوناً سبباً منطقياً لذلك. لكن لو قارنا بين وضعنا فى العقد الثانى من القرن 21 وبين وضعنا فى الستينيات من القرن الماضى حيث كان عدد السكان ثلث عددهم اليوم وكان نصفهم أميين، سوف نجد أن الكميات المطبوعة لم تنقص عن ذلك وربما كانت أكثر آنذاك، أما المترددون على دور المسرح والسينما وقصور الثقافة والمتاحف وقاعات العرض أو ما تبقى منها فعددهم فى انكماش مستمر، ونلاحظ حالة تشبه الانصراف المجتمعى عن الفنون والآداب الجادة، وهى فى الحقيقة تعبير عن أن الثقافة ليست ضرورية فى حياتهم بل ربما لا ترقى إلى مستوى الكماليات، والدليل على ذلك أن الاهتمام بالكماليات المادية لدى كافة الطبقات قد تضاعف خلال عشرات السنين الماضية بالرغم من ضغوط الفقر، والأزمة الاقتصادية، من غزو السيراميك اللامع للمبانى، إلى غزو الملابس المستوردة، ومن التسابق على اقتناء الاجهزة الكهربائية والتكنولوجية فى المنازل، إلى التسابق على اقتناء السيارات الخاصة، ومن الغزو العشوائى لمساحات الأرض الخضراء ببناء بيوت خرسانية تلوث البيئة ولا تجملها، إلى الإقبال على المنتجات الاستهلاكية الترفية المستوردة التى ابتلعت جميع الارصفة على امتداد مدن وقرى الجمهورية، ومن تسابق جماهيرى لاستخدام الانترنت إلى هوس الاتصالات، لدرجة حرص أفقر الفقراء فى أقصى قرية على اقتناء الموبايل وطبق الدش، المعنى الوحيد لكل ذلك أن جميع تلك الاشياء انتقلت بالنسبة للمواطن البسيط من خانة الكماليات إلى خانة الضروريات، وهو أمر محمود على كل حال، يعكس انتقال المواطن المصرى إلى عصر الحداثة ولو ظاهريا، بدون الأخذ بجوهره فى الارتقاء بالسلوك والوعى بالقيم الانسانية للفرد وبالمشاركة المجتمعية من أجل التغيير والتنمية.
المفزع فى الأمر هو أن ذلك يتم فى مسار عكسى مع الاحتياج للكتاب والمسرحية واللوحة والقصيدة والندوة والمتحف، حتى شهدت تراجعاً فى وعى الجماهير بأهميتها، بغض النظر عن القدرة المادية على تكلفتها لكن ثمة إشكالية فى الأمر؛ هل يعكس ذلك عدم وعى لديهم بضرورة الثقافة، أم يعكس عدم اهتمامهم بهذا النوع بالذات من الانتاج الثقافى الذى تقدمه أجهزة الثقافة الرسمية ومؤلفات الكتاب وأساليب الخطاب فيها؟.. وهل يمكن لأى مجتمع أن يعيش حقاً بغير ثقافة، أم أنه يعيش على ثقافة أخرى تعززها محركات الذوق المسيطرة ورواسب الثقافة التحتية؟ إننى أنحاز للإجابة الثانية فى كلا السؤالين السابقين. مبرراتى هى أن منتجات الثقافة التى ظلت تقدم إلى الشعب من الأجهزة الرسمية طوال أربعين عاماً مضت، لم تعثر على النغمة الصحيحة التى يستطيع أن يلتقطها المواطن شكلاً أو مضموناً.. كانت إما متعالية اللهجة أو مغتربة المضمون، أو فاقدة التوجه إلى جمهور بعينه – كانت – فى معظمها – آحادية النظرة بتبعيتها للثقافة الغربية، أو متحفظة النظرة إلى المشكلات الجوهرية للواقع المصرى، أو مُولية ظهرها للفنون التقليدية بمفاتيحها المتجذرة فى الوجدان الجمعى. لست هنا أحاكم المثقفين وأدينهم، بل أشهد بأن كثيرين منهم آمنوا بحق الشعب فى الثقافة والفنون كحقه فى الخبز والحرية، وعملوا على تقديم النماذج المشرفة لذلك، بل ودفعوا أثماناً غالية من حرياتهم وأمانهم وحقوقهم الشخصية من أجل تقديم النماذج المشرفة لذلك، بل ودفعوا أثماناً غالية من حرياتهم وأمانهم وحقوقهم الشخصية من أجل تقدم الشعب وتنويره. لكن بأى أدوات قدموا نماذجهم؟ بنفس الادوات ومن خلال ذات القنوات التقليدية التى أدت عهود الاستبداد إلى عزلها عن الشعب: الكتاب الورقى ومسرح العلبة الأوروبى وقاعة المعارض الارستقراطية وقصر الثقافة الذى يخيم الجهل عليه وتقيده البيروقراطية.
أليست تلك هى نفس أدواتهم وقنواتهم فترة التحام الثقافة بالشعب فى الستينيات؟
لا.. لم تكن وحدها.. الأهم منها كانت هناك قافلة الثقافة التى تجوب القرى النائية حاملة منتجات الثقافة: الكتاب والمسرحية والفيلم والأغنية والقصيدة والأمسية الموسيقية. وكان هناك مسرح السامر فى الأجران المفتوحة، يستلهم المؤلفون من خلاله ومن واقع القرية رؤاهم المخصَّبة بثقافة الشعب مصاغة بحس حداثى متقدم، مثل مسرحيات يوسف ادريس ومحمود دياب ولطفى الخولى وسعد الدين وهبة وألفريد فرج وميخائيل رومان وعلى سالم ويسرى الجندى، وصعد معهم مخرجون كبار على نفس المستوى أمثال عبد الرحيم الزرقانى ومحمود مرسى وسعد أردش وحمدى غيث وسمير العصفورى وحسين جمعه وكرم مطاوع وعلى الغندور، وقامات شاهقة من الممثلين صاروا نجوماً ساطعة فى ذاكرة الشعب أكثر لمعاناً من نجوب الكرة آنذاك واليوم.. وكان هناك الكتاب الجيد بقرشين اثنين مدعماً من الدولة مثله مثل الرغيف، وكان هناك ميكروفون القافلة وقصر الثقافة كصوت يعبر به المواطنون عن حالهم وحلمهم فى التغيير، فيصل صوتهم إلى صانع القرار ولا يلقون العقاب بسببه، وكان هناك البعثة الدراسية للفنان بعد مرحلة الأكاديمية إلى الأقصر وأسوان كى يحتشد بفيوض حضارته فيعمر بها فؤاده ويرسخ هويته، قبل أن يبعث إلى روما وباريس ومدريد، فيأتى عطاؤه الفنى موصولاً بالوجدان المصرى والعربى والمشروع القومى للتحرر والنهضة، وتزول القطيعة بينه وبين الشعب.
وقد تكون مكافآته والاعتراف بقيمته أن يبعث فى بعثة إبداعية إلى بلاد النوبة وأسوان كى يشهد ميلاد أعظم رمز للارادة الوطنية – السد العالى – ويسجل فى ذات الوقت حضارة شعب النوبة الذى رضى بالتضحية بقراه إذ تغرق فى قاع بحيرة السد كى تحيا مصر كلها.
وكانت هناك فرق الفنون الشعبية التى تستلهم من التراث الأصيل ألحانها ورقصاتها وكلماتها وتعيد صياغتها برؤية جمالية مبهرة، وكانت هناك فصول الهوايات الفنية والادبية بجميع المدارس، تُربى الأذواق على الحس الجمالى وتكشف المواهب وتساعدها على التحقق.
وكانت هناك تذكرة دخول دور الأوبرا والباليه والمسرح القومى بخمسة قروش للطلبة وأكثر منها قليلاً للمواطن العادى، فتستقطب ساحة الثقافة الرفيعة قطاعات متزايدة من الجمهور الذى لم يكن يرى فى تلك الفنون نزعة طبقية متعالية على واقعه او تجاوزاً للأخلاق، وقبل ذلك وبعده، كانت هناك ميزانيات محترمة تخصصها الدولة للثقافة والفنون رغم الازمة المالية واقتصاد الحرب وخطط التصنيع، فشيدت بها العشرات من المكتبات وقصور الثقافة ودور المسرح والسينما والمتاحف وقاعات الفنون التشكيلية كأولويات مثل التصنيع والتعليم، ولبت من خلالها احتياج المبدعين إلى التفرغ لإبداعهم فوفرت لهم منح التفرغ لسنوات متصلة للأدب والفن وكافة مجالات الإبداع، بل وخصصت لهم القصور التاريخية كمراسم يمارسون فيها إبداعهم، ثم اقامت لهم المعارض الكبرى فى أماكن ذات كثافة جماهيرية حتى يرتادها المواطن العادى قبل المتخصص، وقامت باقتناء عمل أو عملين من أعماله الفنية كل عام لدعمه مادياً من ناحية ولبناء ذكرة فنية لأعمال الفنانين بكل أجيالهم فى متاحف الفن من ناحية أخرى، باختصار كانت تسلك سلوك دولة كبرى ثقافياً لا كدولة فقيرة أو نامية.
تلك جميعاً أدوات ليس بوسع الفنان والمثقف توفيرها، بل بوسع الدولة وحدها ذلك، فلماذا تخلت الدولة عنها منذ منتصف السبعينات، وتركت المثقفين والمبدعين بلا رعاية بعد ذلك؟.. ببساطة لأن الدولة لم تعد مؤمنة بمشروع، ليس بمشروع ثقافى فحسب، بل بمشروع للنهضة الشاملة ومن خلاله يأتى المشروع الثقافي، لم يكن ثروت عكاشة إلا رجل المشروع الثقافى وقائده، وقد كان يمكن لو لم يوجد هو، أن يبزغ غيره، فالأرض كانت خصبة بأعظم المواهب، وكانت عطشى للثقافة والفن فى سياق ثورة وطنية تؤسس للانسان فكانت عالية وتستولد من الروح المصرية ومن المبادئ الستة للثورة فيضا يغذى الحراك للنهوض والتقدم للأمام. لهذا سرعان ما التف حول ثروت عكاشة أعظم قامات الفن والادب والفكر والتنقيب عن التراث الشعبى وعن الآثار الحضارية سواء بسواء، وقبلوا الانغماس فى أعمال قد تبدو بعيدة عن تخصصاتهم آنذاك. فما دخل يحيى حقى بقصة “يا ليل يا عين” حتى يؤسس لها فرقة يتولى رئاستها؟.. وما دخل نجيب محفوظ بالإدارة السينمائية حتى يتولى رئاسة المؤسسة المعنية بها؟.. وما دخل محمود أمين العالم بإدارة هيئة الكتاب ! وما دخل الرسام حسين فؤاد بإدارة مركز السينما التسجيلية؟.. وما دخل الصحفى سعد كامل بإدارة الثقافة الجماهيرية؟ .. إلخ.. إلخ.. إنهم جميعاً كانوا على علاقة حميمة “بالمشروع”، وقد تكشفت لديهم مواهب جديدة من خلال مواقعهم فيه، كما تكشفت واهب أخرى فى القيادة الثقافية بقصور الثقافة بالمحافظات، ترك أصحابها أسرهم ومراسمهم ووظائفهم فى العاصمة التى تحققوا من خلالها وعاشوا الغربة فى أقاليم نائية، كان لديهم الحلم والإرادة لتحقيقه، فنجحوا سريعاً. قد يقال إنهم جميعاً كانوا من اليسارين. والسؤال هو: هل تم تجاهل أى مبدع حقيقى لو كان يمينى الاتجاه.. لقد كان قدر الابداع فى مصر منذ أربعينيات القرن الماضى أن يشعله ويقوده فنانون وكتاب ومفكرون يساريون.. تلك حقبة تاريخية، لكن السؤال الأهم والأولى بأن يُطرح هو: ألم يكونوا جميعاً مصريين حتى النخاع؟.. وألم يكن فكرهم اليسارى إبن الواقع ودافع التغيير؟.. وألم يكن طاقة ثورية للثقافة والمجتمع؟
ومع ذلك أقول: أن كل ما أشرت إليه لم يكن كافيا كى تصبح الثقافة ضرورة للجماهير تطلبها إن لم تجدها، فهب أن ثروت عكاشة أقام أضعاف ما أقامه من قصور الثقافة والمكتبات ومعاهد الفنون ودور المسرح وقاعات المعارض.. الخ، ثم لم يجد الناس دافعاً لارتيادها؟.. الإجابة هى أن مصيرها سيصبح نفس مصير ما نراه اليوم من مرافق ثقافية خالية تنعى من بناها.. الفارق إذن هو وجود الدافع لدى المواطن، والدافع وليد الوعى بالحاجة والضرورة، وهذا الوعى وليد الحراك الاجتماعى الذى يشارك الشعب فيه ويسعى به إلى التغيير، تلك حلقات متصلة يؤدى بعضها إلى بعض، إنها علاقة جدلية بين الضرورات المادية والضرورات المعنوية، فلا يملك الجائع ترف الشعور بالحرمان من الفن والثقافة، لكن الحرمان من الفن والثقافة يمثل جوعاً بالنسبة للإنسان عرف فأدرك، وأدرك فوعى، ووعى فتغير ثم تمرد، لكن أيكفى لتحقيق ذلك أن تنتظر كلى تكتمل هذه الحلقات بشكل ذاتى أو آلى؟.. لا.. لماذا؟ لأن الوعى المحرك للضرورات غالباً ما يتم اكتسابه بمؤثر خارجى يتمثل فى المثقف أو الجهاز الثقافى، ضمن إطار يربط الثقافة برقى الحياة وبناء الإنسان، أو بما نسميه “المشروع الثقافى” كابن لمشروع النهضة الشاملة.
إن هذا لا يقلل من أهمية المبادرات الثقافية الجزئية والمتفرقة لكتاب وفنانين أو لجماعات أهلية أو منظمات حكومية، من خلال أى وسيط تقنى أو جمالى، وقد شهد نصف القرن الأخير الكثير من تلك المبادرات والجهود الفردية والعامة، تركت آثارها واضحة على وعى الجماهير وأذواقها تبعاً للمجالات الفنية المختلفة التى قُدمت بواسطتها.. وهل ننسى مثلا المسلسلات الدرامية الرائعة للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة ودورها فى جذب ملايين المشاهدين فى مصر والوطن العربى كله متوحدين حول ما تحمله من رسالة تنويرية ألهمت إياهم بوعى جديد؟
وهل ننسى دور الأعمال الأدبية الرائدة لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وصنع الله ابراهيم ومحمد البساطى والغيطانى وخيرى شلبى وإبراهيم عبد المجيد وبهاء طاهر وأحمد الشيخ وغيرهم، ولقصص سليمان فياض ويحيى الطاهر وإبراهيم أصلان وسعيد الكفراوى وفؤاد قنديل، ولسيناريوهات محفوظ عبد الرحمن وجلال عبد القوى والجندى ووحيد حامد ومجدى صابر، فى تغيير وعى القراء والمشاهدين فوق ما حققته لهم من منصة فنية؟.. وقس على ذلك بأفلام صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وتوفيق صالح وداود عبد السيد وعاطف الطيب، ومنحوتات جمال السجينى وصلاح عبد الكريم ومحمود موسى ومحمد هجرس، ولوحات حا مد عويس والجراز وندا وإنجى أفلاطون وتحية حليم وجاذبية سرى، وسيمفونيات أبو بكر خيرت وموسيقى عبد الوهاب، وعمر خيرت وأغانى أم كلثوم وعبد الحليم والشيخ إمام ومحمد منير، ومحمد الحلو وعلى الحجار، وأشعار صلاح جاهين والأبنودى وأمل دنقل وحجاب وأحمد فؤاد نجم وعبد الصبور وحجازى وأبو سنة وجويدة.. وبالتوازى مع هؤلاء جميعاً كانت كتابات المفكرين والفلاسفة الكبار، بدءاً من الحكيم حتى زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمود العالم.. تلك جميعاً هى القوى الناعمة بالغة التأثير فى وجدان المجتمع وصانعة التغيير والاستنارة فى عقول وقلوب الأجيال.
ويصعب أن أحصى هنا عشرات المبادرات الثقافية الشجاعة من جماعات وحركات ثقافية خلال السنوات الحالكة المعادية للثقافة والمثقفين فى عهدى السادات ومبارك، وأدت بأصحابها إلى السجون والمنافى وحرب الأرزاق فى حالات عدة، كما أدت – فى المقابل – إلى خلق النموذج المحترم للمثقف الثورى المدافع عن الحرية وعن الدولة المدنية الديمقراطية وعن العدالة الاجتماعية، ولا شك أنها تركت بصماتها على وعى أجيال الشباب والمثقفين طوال هذه السنوات، لكنها – حتى مع أهمية إبداعات الكتاب والفنانين التى أشرت إليها آنفاً لم تستطع أن تغرس الثقافة كضرورة لد ى الجماهير، لأن وجودها يرتبط بالبنية الفوقية للواقع، وتحديداً بمنطقة الفكر وتغيير الوعى، فيما كانت البنية التحتية للمطالب الأساسية كالجماهير خاضعة لقوة احتلال الضرورات الحياتية وتحت إلحاح الاحتياجات اليومية، مع تخلى الدولة عن أى مشروع، سواء للتغيير السياسى والاجتماعى أو للتغيير الثقافى، وربما كان العكس هو الصحيح، فإن مصلحة النظم الحاكمة كانت تقتضى إبعاد الجماهير عن الثقافة الجادة والدافعة نحو تنمية الوعى، وإلهاءها بثقافة مزيفة تؤدى إلى تسطيح الوعى وتجميد العقل وتشتيت الهدف، وهذا ما كانت حريصة على دعمه طوال العهدين المذكورين، ثم عملت على السيطرة على المبدعين والمثقفين بالعصا والجزرة معاً، إن بالسجون وحرب الأرزاق، أو بإغراءات المكاسب الشخصية وحظيرة المثقفين !
اليوم.. ونحن فى خضم ثورتين شعبيتين أطاحتا بالنظام الاستبدادى لا زلنا نتطلع لإقرار أهدافهما، من الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة وبناء الديمقراطية والدولة المدنية، ونعيش حالة مد ثورى تصنعه حركة الجماهير التى يتصاعد استعدادها لقبول التغيير الثقافى كوجه مكمل للتغيير السياسى والإجتماعى، يصبح الإتفاق بين كافة القوى الوطنية والثقافية والشعبية على مشروع ثقافى؛ متكامل ضرورة يحتمها الوعى الجديد، بعد أن خرجت عشرات من ملايين الشعب يوم 30 يونيه 2013 وما بعده بما يعنى تغييراً ثقافياً أرى أنه سبق دور المثقفين.
ما هو المطلوب كى تلتحق الثقافة بقطار الثورة؟..
سؤال تطرحه أصوات عديدة وتجيب عليه إجابات مختلفة: أحدها يطالب بإعادة هيكلة وزارة الثقافة على أن يكون المجلس الأعلى للثقافة عقلها المفكر وضابط إيقاعها، ورأى آخر يطالب بإصلاح داخلى يبدأ بتغيير جميع القيادات لصالح قيادات جديدة شابة وممثلة لفكر الثورة، ورأى ثالث يطالب بحل الوزارة لصالح إقامة المؤسسات المستقلة بعيداً عن قبضة الدولة.
نلاحظ أن الجميع يختزل الثقافة فى الوزارة، ولا يضع أهدافاً للعمل الثقافى أبعد من المصنفات الثقافية المعتادة.. فى رأيى أن الثقافة فى سياق الثورة تستلزم – قبل كل شئ – “رؤية” يتم على أساسها الاختيار من بين الخيارات الثلاثة المطروحة. وينبغى أن تتضمن هذه الرؤية إجابات على الأسئلة التالية:
ما معنى الثقافة؟.. من المستهدف من العمل الثقافى؟.. ما الرسالة الثقافية الموجهة إليه؟.. ما الأدوات والقنوات لتوصيلها؟.. ما دور المشاركة المجتمعية فيها؟.. ما هى مسئولية الدولة فى التشريع والتمويل والتوصيل؟.. وما هى مسئولية المبدع وضمانات عمله وحقوقه؟..
وتأتى بعد ذلك ملامح المشروع الثقافى بجوانبه العملية والتمويلية وخطواته المرحلية، ويتضمن مشاركة الوزارات الخمس المعنية بالبناء الثقافى أفقياً ورأسياً على امتداد مساحة الوطن، وهى وزارة الثقافة والتعليم والإعلام والشباب والأوقاف، ومسئولية كل وزارة وآليات التعاون والمشاركة فيما بينها (لجنة مشتركة منها جميعاً، قوانين وتشريعات، برامج تنفيذية… إلخ) وقد استبشرنا خيراً بالإعلان عن تشكيل مثل هذه اللجنة من خلال الوزراء المعنيين فى وزارة الدكتور الببلاوى وبرئاسة الدكتور حسام عيسى نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالى، وقد سبق لى أن أطلقت الدعوة إلى تشكيل هذه اللجنة قبل ثورة يناير وبعدها، لكن ذلك ليس إلا وصف الدواء المطلوب للمريض، ويبقى أن يتم حصوله عليه وتناوله وفق خطة علمية محددة، تبدأ اليوم قبل الغد.