الرسالة الأولى : الإنسان عز الدين نجيب .

 

عز الدين نجيب ” قيمة ” فهذا الرجل نختلف معه أو نتفق .. ولكن علينا أن نعترف أنه لا يمكن أن يؤرخ إلى الحركة التشكيلية في مصر على مدار خمسون عاما ً، أو أكثر من نصف قرن دون أن يكون عز الدين واحداً من العلامات البارزة فيها كناقد وفنان ، وصاحب مشاريع ومبادرات وطنية هامة .
إن متابعة بعض المحطات الهامة التي مر بها في حياته والتوقف عند بعضها يمكن أن يلقى بعض الضوء على ملامح وجه هذا الإنسان .

المحطة الأولى : بـدايــــــات ..
يقول محمد إبراهيم أبو ســنة :
من الذي إغترب .. وأغلق الفضاء خلفه ، وأمطرت في عينه السحب .
الحديث دائماً يبدأ بالإنسان فمن هو هذا المغترب .
إنه .. محمد عز الدين نجيب ، إبن مشتول السوق ، محافظة الشرقية ، ولد عام 1940 م وجاء إلى القاهرة متوجساً كأبناء الأقاليم ، حيث الحيطان والأقفال والأبواب ، ولكن ما لبس أن عشق المكان ، الشوارع والميادين ، بعد أن عرف المقاهى والوراقين واغتسل بماء المطر والحرية ، وتشرب ثقافة الستينيات ، حيث الفكر المتحرك والوعي المتموج وعنفوان الشباب .
– تخرج عز الدين نجيب من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة قسم التصوير عام 1962م ، وإلى خروجه إلى المعاش كوكيل وزارة لمراكز الحرف التقليدية والتشكيلية عام 2000 م ، وما بين التاريخين وإلى الآن رحلة طويلة من الكفاح المشرف موصولة بالجهد والعرق ، ولسنا الآن بصدد الوقوف عندها فهي كبيرة وعميقة ، وتسجيلها يحتاج دراسة جادة .

المحطة الثانية : الموقف من الناس والبسطاء في الحياة .
نحن هنا أمام مثقف دائم البحث عن المعنى العميق للأشياء ، دائما ًما ينحاز إلى الإنسان البسيط وحقه في العدل والمساواة “عز الدين ” ماباع الخيال فى دكاكين النضال ، فهو الشاب الحالم في الستينيات بتوزيع
الخيرات . كما يتوزع نور الشمس وكما ينتشر الهواء على الفقراء والمسحوقين، ودفع ثمن رؤيته هذه فاعتقل أكثر من مرة . وهو في هذا صادق مع ثورة يوليو التي آمن بها والتي نادت بالقضاء على الفقر ، والجوع والمرض . وفى هذا السياق أتذكر أغنية لزياد الرحباني تقول إفتتاحيتها .

أنا مش كافر
أنا مش كافر .. بس الجوع كــافر .
أنا مش كافر .. بس المرض كافر .
أنا مش كافر .. بس الفــــقر كافر .
أنا مش كافر .. بس الــــذل كافر .
لكن شو بعملك .. إذا اجتمعوا فيّ كل الأشياء الكافرين .
أنا مش كافر ..

إذاً عز الدين نجيب في شبابه وإلى الآن كان دائماً وما زال مع الناس اللي تحت ، هو يؤمن دائما ًبأن التغيير والثورة في الفن لابد وأن تأتى من ميراث الناس
الغلابة .
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا أن عز الدين نجيب يؤمن بأن صانع اللعب
الشعبية .. هذا الفنان الحرفي في مولد سيدي أبو العلاء ببولاق ، على ضفة النيل ، هو أكثر شعبية وإنتشاراً وإفادة لمجتمعه ، من فنان يعرض بمجمع الفنون على الضفة الأخرى لهذا النيل ، فالحرفي الفنان هوالأكثر تأثيراً في ذوق الأطفال والعامة من الناس .

المحطة الثالثة : عصفور النار ..عز الدين نجيب .

عز الدين نجيب هو شيخ المقاومين إلتبست به حكمة الزمن ، فأعطته رؤية خاصة للحياة وللكون ، موصولة بالتجدد الدائم .
إنه كحبة الحنطة التي لا تموت إلا لتبعث من جديد ، وهو فى هذا الصدد شبه نفسه بعد حريق مرسمه في فجر (17) ديسمبر عام 2010م بأنه طائر الفينيق الذي يولد ثانية من رماد الحريق في هذه الليلة ، قدم لنا نجيب درساً هاماً في الحياة والإيمان بالمكتوب ، فكلامه عقب حريق مرسمه وأرشيف حياته ، صاغ لنا من وسط النار أملاً ، ومن عتمة الليل وعداً بفجر جديد ، إنة يفتح في داخلنا وسط الظلمة باباً من نور .

يقول أدونيس في أماكن متفرقة من قصيدته الطويلة البعث والرماد عام 1958 م .
فنــــــــيق يـــــــا فنــــــــيق
يا طائر الحنـــين والحريــق
…………………………
فنــــيق فلتـــبدأ بك الحرائق
لنـــــــــبدأ الشــــــــــــقائق
لتبــــــــــــدأ الحيــــــــــــاة
…………………………
فنـــــــــــيق يــــا فــــــــيق
تلك لحظة إنبعاثك من جديد ..

في هذه اللغة المسكونة بالتواضع والمشحونة بالكبرياء يتماوج عز الدين نجيب بين النيران ويتسلل إلينا من خلال مرآة أدونيس مرة أخرى فيقول :
مـــــــــــثلك يا فنيـــــــــق ..
يا حصـن الربيـــع واللهب ..
يا طــير الوديع كالتــــعب ..
يا رائــــــــد الطـــــــــرق .
هذا الرجل في حياته شيئاً يجب أن يقال فهو من آن لآخر يطل علينا بلمحات
إنسانية ، إكتسبت عبر الزمن تجاعيد الحكمة وشجن الحياة.

د . رضا شحاتة أبوالمجد ..

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »