الرسالة الثامنة : المكان ، الخيال ,الذاكرة في أعمال عز الدين نجيب .

المكان في الموروث الصحراوي مجرد حكاية ، الخيال جزء منها ، مما يجعله جديدا ًباستمرار ، متعدداً باستمرار ، مترع بالطاقة وبالحياة .. ويكمن في أجزائه الصوت الإلهي ، فكل شيء فيه قدر ومكتوب .
وعند استعادة تجربة مكان ما , يقول ” غاستون بشلار ” يقف الخيال في المنتصف بين الرائي والمرائي .. حيث يلغي موضوعية الظاهرة المكانية ، أي كونها ظاهرة هندسية ، ويضع مكانها ديناميته الخاصة ، فيتجول الخيال في متاهات الذاكراة ، يذوب العالم المرئي وتنتفي السببية ، ويلغي المنطق ونعيش بدون وعي .. الحلم المعكوس للمكان في ذواتنا بحثاً عن المعنى المتعالق الذي يبرز متوثباً ومفاجئاً على سطح النفس .

– والمتأمل لتجربة عز الدين نجيب مع المكان يجد أنه يمنحنا عيناً جديدة لنرى هذا العالم الخيالي للمكان على حافة الذاكرة . فهو يبني عالماً مكانياً مرغماً على وضع التخطيط الأولى له ، وما تلبث الروح لتأتي إليه أثناء الصياغة لتتفتح في الشكل وتقطنه وتستمتع به ، إنه ماضينا الذي يأتي ليسكن البيوت التي شيدها عز الدين .
– عز الدين يرسم البيوت والدروب وكأنها خرائط طوبوغرافية للنفس .. بوجودنا الحميم فيها كبشر ، إنها مجرد حكاية من حكايات الصحراء في داخله ، فهو يعرف علاقات الزوايا بالمنحنيات ، أين تمر الرياح ، أين ينعكس الضوء ويحتجب ، وأين ينكسر الظل . هذا الرجل توصل إلى معادلات مكانية لمعمار روحاني .
العناصر الفنية في الحيز الفني عند عز الدين تشكل علاقات مفتوحة لا متناهية في المكان .. فالخطوط المستقيمة والزوايا الحادة تختفي من الحيز العضوي الذي تنبثق الأفكار فيه من بنيته ، فالزوايا الحادة ترفضنا ، الزاوية الحادة باردة .. والخط المنحني دافئ . إن جلال الخط المنحني هنا ليس في مجرد حركته البسيطة ذات الإنثناءات العضوية ، ولا مجرد زمن ينساب يصنع إيقاع ، الخط المنحنى هنا يمتلك قوة المعيشة ، إنه يحرضنا على الإمتلاك ، هو ركن يتحرك ليولد مساحات مسكونة بالحياة ، إنه التعاطف .. دعوة للبقاء فيه ، فلا نبعد عنه إلا ونشتاق للعودة إليه .

– في لوحات عز الدين نجيب تبنى جدراناً وبيوتاً ودروباً من الظلال والخطوط التي تولد مساحات ، وهو يطالبنا أن نتجول فيها بكل الأمان الذي يمنحنا إياه المكان ، .. هو يطالبنا بالعيش تجربة البيت والزمن بكل تجلياتها لبزوغ حالة الحلم والخيال التي فقدناها .
– المكان عند عز الدين نجيب مكان للراحة .. جنة يعيش فيها إنسان العصر .. إنسان المدينة كعلاج من الخوف ، وبديلا ًعن الصناديق الهندسية التي تؤينا .

البيت هنا يقف متفرداً وكان العالم كله قد اختفى من حوله فجأة ، هو البديل للبيت ” الكوزوموبوليتاني ” في المدينة التي تسيطر عليها الخطوط الهندسية ، والذي يقاوم التشبيهات التي تجعل منه جسداً وروحاً إنسانيين . إذاً فليس غريباً أن نتأمل في لوحات عز الدين نجيب الجدران المتآكلة ، والملامس التي رسمها الزمان على المكان كما لو أننا أمام خرائط قديمة للكون . إن عز الدين لا يرسم منظراً طبيعياً ، بل يسجل وجهة نظر وموقف تجاه الحياة والوجود

د .. رضا شحاتة أبو المجد ..

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »