الرسالة الثانية : شهادات صغيرة من الحياة عن عز الدين نجيب ..

في هذا العالم وجوه وأشخاص إذا قابلتها مرة واحدة لا تنساها ، فتطبع بالذاكرة وربما إلى الأبد ، والناقد عز الدين نجيب واحد من هؤلاء الناس .. عرفته منذ فترة طويلة ، ولم أتقابل معه إلا نادراً ، آخر صلتي به هي عبارة وضاءة تركها لي في أوتوجراف معرضي ” أشياء لاتشترى ” عام 2004م ، دوًن فيها مايلى ..

عزيزى الفنان , د . رضا شحاتة .
إستمتعت كما هى العادة بمعرضك الجميل .. كنت أتمنى وأن أحصل على بعض صور الأعمال ولم يسعدنى الحظ سوف أكون شاكرا لو تركت لى عددا من هذة الصور بجمعية أصالة بالأزهر (27 ش محمد عبدة بجوار منزل الهراوى وزينب خاتون ) ت ………….. مع تمنياتى بالتوفيق .
عزالديـــن نجـــيب
موبيل …………………
12/ 8 /2004
وكالعادة .. لم أذهب بدون سبب .
والآن عندما أكتب لمحات إنسانية صغيرعن هذا الرجل فأنا أطارد طيفه في أعماق الزمن البعيد ، في الذكريات ، وهذة المسافة الممتدة من السنين أعطتني حرية البوح والكتابة ، في تسجل شهادتين من شخصيتين لهما رصيد عميق من الحب فى قلبى كبير, دون الشعور بوجود شبح الرقيب على ما أكتب .

الشهادة الأولى : للمرحوم الدكتور الفنان .. محمـــــود عبد العـــــاطي .
الرجل والإنسان أخى الذى فقدتة فى الغربة , فلنقرأ لة فاتحة القرآن .

مشــــــــــهد ..
في مساء يوم الخميس ووحشة الليل الشتائية حط المساء ، وأطل من فوق الرؤوس قمر الغربة على مقهى الرصيف بحى المباركية ، وحين تدق الساعة الثامنة كانت مدينة الكويت تنام وفى هذا التوقيت الرفاق يبدأون رحلتهم الليلة .
فى ركن من أركان المقهى الصمت يسود المكان ، والضوء يترجرج ويتسكع بين فراغات الأشياء ، ومن بعيد يأتي صوت أم كلثوم .. يذكرك بالغربة وبالحنين والشجن إلى مصر ..
– الصوت يتكرر .. وفيض من المشاعر يغمرني يغمرني ..تقول الست .
أنا لن أعود إليـك مهما اســترحمت دقات قلــبي .
أنت الذي بدأ المـلامة والصــــدود وخان حـبي .
فإذا دعـوت اليــوم قلبي للتصــافي لا لن يــلبي .
كنت لى أيام كان الحب لى أمل الدنيا ودنيا أملى .

في الغربة في الليل ليس لنا إلا الحكايات , الأخبار , الأشعار والذكريات ، ومع براد الشاي ورائحة القهوة التركي ، والأكواب الصغيرة كان صوت الفنان ..محمود عبد العاطي . يبوح بالآمال والهموم التي تنهمر مع قطرات المطر في الخارج وكأنة قداسا شجيا ، وفي ثنايا الحديث عرجنا إلى حركة النقد المعاصر في مصر وسألته سؤالا ًمباشراً ..
ماذا تعرف عن عز الدين نجيب الإنسان .. يقول الدكتور” محمود ” هو إنسان جاد ، صلد ، شائك ناقد كبير يتمنى أي شخص في الحركة التشكيلية أن يكتب عن أعماله ، ويضيف بعد صمت ..”عز الدين” على المستوى الإنساني شخص صريح لا يعرف المجاملة ، لا ينتظر النياشين ، يحب المعارك بجد .. يمتلك إحتياطي عالي من القدرة على المقاومة وعلى الإتصال بالحياة ، قادر على الإشتباك بالحياة معها وفيها ، إنتهى الكلام في تلك الليلة , وإنزوت الأصوات وعند إنتصاف الليل رحلنا وذهب كل فى طريق وفي العربة إلى المنزل لم أجد معي إلا الصدى .. الصدى ..
فالشوارع في آخر الليل تمتد ، تمتد وينتهي الطريق .. وتتوقف الذكريات .

الشهادة الثانية : للفنانة الكبيرة المرحومة .. عفــت نـــاجي .

عفت ناجى زوجة أستاذي المرحوم سعد الخادم . الذى علمنى أسرار الحياة. وكنت الطفل والتلميذ المدلل له .
وعفت ناجي كإنسانة هى شاعرة رقيقة تكتب بالفرنسية والعربية وأحتفظ لها ببعض الأصول من قصائدها .. وهى فى الشهادة تملك مشاعر ضريرة كالعدالة معصوبة العينين ، فهي لا تعرف المجاملة ، أحكامها قاسية .. لا ترى الأسماء أو الألقاب ، بل ترى الحقيقة فقط ، وهي صريحة إلى درجة الإحراج .. كنت افتخر دائماً بأنني واحد من القلة التي تثق بهم .

المشــــــــهد ..
أتذكر الزمان في منتصف شهر يونيو عام (1992) تقريباً في وقت العصر ، وعلى جلسة شـاي لمتابعة تحويل الفيلا إلى متحف تابع لوزارة الثقافة ، ومع بروتوكولات الجلسة المنظمة حول تربيزة تحمل صنية من النحاس عتيقة ومع الملاعق الفضية الطويلة وأكواب البيشة الصغيرة والمناديل المطرزة والكراسى القديمة وخواتم الفضية الكبيرة التى تلبسها فى يدها ومع رائحة التاريخ فى المكان ، وضمن الأحاديث الصريحة التي تشبه أمطار الصيف التي تأتي فجأه وتنتهي فجأه ، طرح إسم “عز الدين نجيب” وبدون مقدمات قالت بلغتها العربية التي أحياناً لا أفهم تركيب الجمل فيها .. ” عز صادق ، جاد ، ملتزم ، وناقد كبير وضمير يقظ .. وهو واحد من أفضل مما كتبوا عن سعد الخادم .. وكلام أخر يفهم من معناه أن هذا الرجل لديه وعي غائر بالواقع والحياة ، ويعرف كيف يتعامل مع المستخدمين والبيروقراطية الحكومية “.
وانتهى الحديث ونزلت من عندها .. مضيت سائراً على الرصيف وصوت أحذية المارة خلفى واضحة ، وحلم الإعداد للسفر إلى الكويت في ذهني .. فبلادي الجميلة ترحل .. والقيم الجميلة ترحل .. يقول الشاعر ,أحمد مطر ..
نحن الوطن ..
وإنلم نعيش كراما ..
فلا عشنا ولا عاش الوطن ..

د . رضا شحاتة أبوالمجد

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »