فى الصباح نقول .. صباح النور ..
ياأيها الناقد والكاتب .. عز الدين نجيب ..
نحن نرسل إليك بحكاية .. شاب مصرى عاش مائة عام .. فى القاهرة .
أصل الحكاية .. لى صديق خطاط خطر على بالى .. فتفجر قلبى بالشوق ذهبت إليه فى حى السيدة زينب .. فتح الباب .. رحب بى ومد يده ليصافحنى بقوة .. على الكنبة جلست وتربعت ..تحدثت معة عن بيت فى حارتنا ، كان دائما مغلق الأبواب والنوافذ .. وفى كل صباح .. يخرج منه شاب طويل بطربوش أحمر ..عاش مائة عام ولم ينحنى له ظهرا .. ولأن الشاب لم يخرج منذ ثلاثة أيام دخلنا المنزل .. وهناك وجدنا رجلا غريب الهيئة شبح يجلس على كرسى قديم ، على رأسه قبعة .. وعلى صدره نجمة .. وبجواره .. دفتر أخضر صغير .
قلت له .. من أنت ياسيدى ؟
فأجاب باستغراب وقال ..
أنا .. .. .. .. .. .. ..
ولم أنسى هذا الرجل أبدا .
قاطعنى صديقى وأخذنى من يدى ، إنطلقنا خارج المنزل .. مشينا إلى سيدنا الحسين لنشارك فى حلقة ذكر للشيخ عبد الجواد .. فهى دائما بعد صلاة العصر من كل يوم خميس .
وبمجرد دخولنا المكان ..نظر الشيخ فى وجهى بوضوح وقال .. هات الأمانة من مصر المحروسة .
قلت مستغربا ..ما هى الحكاية ؟
قال الشيخ عبد الجواد …أقل باب يحوش الكلاب .
سألت الشيخ الدعاء لى ، رفع يديه وقال بصوت عال .. ياواحد .. ياأحد الزرع أخضر والناس أخبر .
إنتهت الحكاية .. حكاية البيت المسكون .
نحن الأن أمام علامات هى فى حقيقة الأمر إشارات مجازية على وجود الشبح وهذا يعنى أن الغرب الآن يعيش داخلنا .. الغرب ياسادة ليس هناك كما كنا نعتقد ! الأخر فى البيت السكون .
فى الظهر .. نقول السلام عليكم .
يا أيــها النـــاقد والكاتب .
نعم .. نحن الآن أمام شيخ المقاومين للخطاب الإستعمارى الجديد .
أن الناس بالمثقـــفين قد كفــروا ، نحن فى أزمة .
أيها الناقد الكبير …
فى ظل هذه الحالة المعضلة ، وبعد تلك السنوات .. لازلت تحمل قلبا مشتعل بالرفض والغضب ، ومنجزك النقدى حى بيننا ..محتشد بالكثير من الوعى بدور المؤسسات الغربية فى توجيه تصورات الناس ، وتفريغهم من هويتهم .
نعم .. نحن الآن أمام شيخ المقاومين للخطاب الإستعمارى الجديد .
هذا الرجل .. يعرف أن الغرب يتعامل معنا كما لو كنا فضاء ، مدى إستراتيجي ، فراغ يجب ملئه بالبضائع والأفكار .. ونحن لا وجود لنا ، ولا هوية لنا .وهو يعتقد أن الأوروبي دائماً ما يحمل نموذجه المعرفي القائم على القوة والإستعلائيه .. وحيثما ذهب ينشئ عن قصد أو غير قصد في هذا الفراغ ما يسمى بالحالة الإستعمارية .
فى الصباح .. عثرت يوما على شيء هام معى أتحسس جيبى لأجد دفتر أخضر صغير فتحت الصفحات .. نظرت إليها عميقا لأقرأ يوميات شاب عاش مائة عام ..
السبت .. يناير 1960 ..
عزيزى عبد الرحمن .. هل تتذكر أيامنا الطاهرة فى الخمسينيات .. ذاك الزمن الجميل قد مضى وانقضى .
الأحد .. مارس 1975 ..
الست أم عزيز فى الشرفة ترنو إلى إبنها بلباسه الجينز مثل الخنافس .. وهو يرقص مثل جاكسون ويمسك فى يده زجاجة كوكاكولا .
الأربعاء .. مايو 1986 ..
يجلس عم عبد التواب على مقهى عطية بميدان الجيزة غارقا فى ذكريات الماضى .. بينما القاهرة تتشظى .. تتغير .. تتلوى مثل الفتيات فى فيديو كليب الشاب خالد وهو يغنى أغنيته الشهيرة (ددى) .
الخميس .. ديسمبر 2002 ..
على ناصية شارع منصور .. فتح محل وجبات أمريكانية (كنتاكى فرايد تشكن ) .. وانتشرت فى حارتنا الفهلوة ،واللوتارية ، والإباحية ، واللغة الشبابية الوقحة , وأختفت الزغرودة من بيوت الجيران .
الثلاثاء .. فبراير 2005
صديقى العزيز عبد الرحمن .. إعلم أننا أصبحنا نعيش عصر الصداقة السريعة .. عصر المحمول ومناديل الكلينكس .. وعلاقات الكلينكس . إننا الآن نرمى كل شىء .. القيم والأخلاق والذكريات .. نظر لى صديقى فى أسى ومضى .
الجمعة .. نوفمبر 2009 ..
أصدقائى الأعزاء ..أم سيدة الخياطة ، أنور أفندى ، عم حسن بائع الليمون ، محمد حسن خريج الهندسة العاطل ، أخى الشيخ محمد عبد التواب الملتحى الغاضب .. .. .. أشعر بالخوف .. من هذا الشاب الأبيض ذو البرنيطة الزرقاء ؟ .. إنه يطاردنى فى كل مكان مظلم .. أهرول الآن إلى المنزل .. أغلق على بابى .. ماأجمل النور .. ماأجمل راحة البال .
توقفت عن قراءة اليوميات والتزمت الصمت .وتذكرت هذا الشاب وطلعتة البهية وروائح الياسمين فى المكان .
ماذا تقولون بعد هذا الذى كان .
نقول بالرغم من هذا التلاشي أمام الآخر ، ووسط كل هذه الفوضى التي تموج بها الحياة في مصر ، ما زال هذا الرجل يمدنا بجسم كثيف من الكتابات النقدية تتسم بالإصرار على المقاومة .
هذا الرجل .. يعرف أن هناك إستعمار جمالي للمخيلة ، وأن النظام العالمي الجديد ينتج الثقافة والاقتصاد والقوة والتيارات الجمالية جنباً إلى جنب كأشكال جديدة من السيطرة , وأنة الأن تمارس عملية إعادة توجية الإنشاء الإجتماعى للحياة حسب المنظور الغربى .إنها عملية السيطرة على الإدراك .
عز الدين نجيب يملك ذاكرة حية .. مؤمن بأن فعل النقد هو فعل مقاومة ، ويؤمن أن الكلمة كائن حي في مثل هذه الأزمة التي نمر بها ، هي مفتاح الكون ، نجمة الشمال وبوابة الأمل .
على الجانب الأخر .. نحن أمام مجموعة من المثقفين تتوسل الغرب المقيم فى البيت المسكون . هؤلاء المثقفين .. من الأفندية والهوانم خضعوا لمنطق تملية سياسة القوة الناعمة , والقهر الغربى أو الواقع العملي بحسب إصطلاحهم , او ما يسمى ” ريالبوليتيك ” وهو مايعادل الخضوع والإستسلام وهو قول جبان نوعا ما ومضلل . نحن امام ناس تم غسلهم وتعقيمهم بأفكار الغرب وقد أطلق عليهم فى الجزائر “بوناووى” ..أى عبد الرجل الأبيض .
فى المســاء .. نقول مساء الخـير .
قال الطيبون من الناس ..
عز الدين نجيب الناقد .. يشعر دائماً بمتعة في الصدام مع السلطة فهو الثائر ، دائماً على الجهة اليسرى من المواقف .. يشعر دائما ، بحالة الخداع وبالمعرفة الشيطانية التي تقع بين الحقيقة والزيف إنها الحالة التي يصفها محمد الماغوط في الكلمات الآتية ..
لقد أعطونا السـاعات وأخـذوا منا الزمن .
أعطونــا البرلمــانات وأخــذوا الحريــــــة .
أعطونــــا الأراجيـــح وأخــذوا الأعيـــــاد .
أعطونــــا الأحـــذية وأخـذوا الطـــــرقات .
أعطونا الحراس والأقــفال وأخذوا الأمان .
أعطونــــــا الثـــــوار وأخــــذوا الثــــــورة .
هذا الرجل يؤمن بأن المقاومة بالكتابة وبالتذكر الدائم .. فعل ، ومن ثم علينا أن نجهد ذاكرتنا طالما أن الهيمنة تمحو الذاكرة إن ما يقوله الآخر هراء ، ما يهم ما نقوله نحن .. ما نبدعه نحن ، علينا أن نقاوم بالكلمة بالتذكر .. فالتذكر في نهاية الأمر .. وجود .
أيها الشيخ .. قل للناس إن عليهم أن يتجددوا أو يولدوا من جديد .
د . رضا شحاتة أبوالمجد .