إكتسب عز الدين نجيب من الصحراء صفات تتجاوز الملامح وتتجاوز المظاهر ، ويمكن القول دونما خطأ أنه إكتسب روح الصحراء واكتشف لغتها السرية ، وعندما نبدأ برحلة مجهولة داخل هذا الفنان والإنسان علينا أن نبدأ من المركز ، من قلب الدائرة تماماً .. الصحراء حيث يستمد كل شيء منبعه ومعناه الحقيقي .
الصحراء كائن حي له روح ، بحر شاسع ، إطار فارغ ، أمواج من الكثبان الرملية على المدى الكوني المتسع واللانهائي ، في الصحراء يتدفق الماء من الينابيع ، من الأعماق تطفو على الوجه جزر خضر من الواحات كأنها الجنات .
الواحة كمكان هي نقطة تماس بين المتناقضات ، الجدب والخصب ، عطش يميت وماء يحيي ، قسوه ولين ، شمس وظل ، نور وظلمة ، أن تخرج من الواحة يعني أنك تتوجه إلى المجهول .. إلى المكان الخالص في الصحراء .
يقول شيخ طويل ذو طربوش أحمر .. يا عز الدين .
الصحراء وجدت لنعبرها .
الصحراء خلقت صحراء لتعلمنا ثقافة التخلي .
الصحراء ولدت صحراء لتستدرجنا إلى متاهاتها .
والواحات ، شراك الصحراء لإصطياد البشر .
يستدرج الإنسان إلى الصحراء ليصل إلى الواحة المكان الذي لابد وأن ينتهي إليه كل عابر سبيل أخذ على عاتقه رسالة إسمها العبور .
أن تكون وسط الصحراء ، يعني الرحيل الدائم ، فالرحيل طلل الصحراويين وقدرهم . الصحراء شيء سري ، نداء المجهول الذي يتغلغل في أعماق عابرها كالجني يلتبس به حاملاً أساطيرها وطلاسمها .
عندما سافر عز الدين نجيب إلى الواحات عابراً للصحراء لم يكن ذاهباً للبكاء على الطلل ، ولكن ذهب باحثاً عن الحقيقة ، عن الوجود عن طاقة الماضى فى الصمود والمقاومة عن الأشياء الخالدة ، ذهب هناك ليتقلى رسائل سرية ، من ثقافة بعمر الصحراء .. وعمر الصحراء طويل جداً.
ذهب عز الدين إلى الواحات كعابر سبيل لتحقيق أسطورته الخاصة ، يقول الشيخ ذو الطربوش الأحمر .. يا صديقي إن السابلة لا يعبرون الصحراء المجهولة إلا إذا كانوا ضالين مثلنا . عابر الصحراء ” مريد ” ومن يرى وجه الصحراء الحقيقي يفقد الوعي والمكان والذاكرة ، إنه التائه المجذوب ، وأعتقد أن عز الدين نجيب ندهت عليه الحوريات في الواحات وضاع هناك .
يقول الشيخ ذو الطربوش الأحمر .. من يتوغل يا صديقي في الصحراء لا يستطيع الرجوع للخلف ، إنها رحلة في إتجاه واحد . إلى الأمام والباقي على الله ، فكل شيء هناك مقدر ومكتوب .
لقد سافر عز الدين نجيب بعيداً عن المدينة بحسها المادى ليتوحد مع المكان الحقيقي في الصحراء ليتمثل روح الرحمة السارية في الواحات ، مظنة التناص والتساكن مع الكائنات والأشياء ، وعندما نرتحل مع الذكريات عند عز الدين ونستعيد هذا المدى اللا متناهي من الأحداث والأشياء الصغيرة التي يحملها في مرايا الخيال نتوقف عند :
” البيوت القديمة ، لون الحوائط في ضوء الغروب ، الأبواب المغلقة من عدة سنوات ، رائحة الندى في الرمل، مساقط الضوء في الدروب الضيقة ، الرياح والغبار الذي يأتي من بعيد ، رائحة الخبز الطازج ، صوت الحليب وهو يتدفق في الأواني النحاسية ، قهوة المساء والصباح ، رائحة الدخان والصبار ، والسماء القريبة المرصعة بالنجوم اللامعة “.
كل هذه التفاصيل هي التي شكلت جسراً بين عز الدين الإنسان وذلك المكان ، الذي شكل في الذاكرة مناخاً كاملاً من عالم خيالي نلمحه في مفردات التشكيل .
نتوقف مرة أخرى أمام بعض التفاصيل الصغيرة فى الواحات المصرية .. رائحة المسك والعنبر في المكان ، صدى طبل الصفيح في أيدى الأطفال ، القمر الوضاء ، الزهور الشيطانية الصفراء التي تفوح منها رائحة الجنان ، ننظر في الجو فنرى الشمس .. وصقرين يحلقان علياً في السماء .
كل هذه التفاصيل الصغيرة تشبه الخيوط التي إلتفت على روح عز الدين لتجعلها في أسر دائم ، هي سطوة الصحراء، التي يصعب على الإنسان أن يتحرر من روحها ثم من سلطانها بعد ذلك ، إنها القوة العاتية التي تعيد صياغة الأشياء وفقاً لقوانينها .
والراصد لعز الدين الإنسان والفنان ، يجد أنه تعلم الدرس جيداً ، إلتزم بشريعة الصحراء واستلهم استراتيجياتها في الفن والحياة ، فهو يتخلص من كل شيء زائد .. من الأضواء ، الألوان ، الخطوط ، والرفاهية الزائدة ، مثلما تفعل النباتات الصحراوية عندما تتجرد من أوراقها عند مجيئ القيظ أو الجدب ، عز الدين هنا لا يسجل الأشياء كما تبدو وإنما كما هي في حقيقتها السرمدية ، إنه ينقب عن روح الشكل ، يبحث عن التجريد الحي الذي يحمل روح الصحراء .
والباحث عن تمثيل الإنسان في أعمال عز الدين نجيب يجد أنه يأخذ حجمه الحقيقي بين الأشياء في رواية الصحراء .
– فالإنسان في الصحراء يحتل حيز صغير وسط بحر الرمال ..
– الإنسان في الصحراء شبح في الظلمة أو في الضباب ..
– الإنسان في الصحراء خيال حلم رؤى كخطف البروق ..
– الإنسان في ضوء الصحراء ظل على الحائط أو على الأرض ..
– المرأه في الصحراء هي سر الحياة ، ودائماً تتصدر المشهد .. ، طويلة لها قد مارد تلتحف دائماً بدثار من القماش ممتلئ بالهواء ، وتضمه بيدها إلى صدرها ، وتنحني قليلاً للأمام وهي تلج في الخفاء لتقاوم الرياح والأيام .
في نهاية الأمر علينا الاعتراف .. أن الصحراء وواحاتها التي يحملها عز الدين نجيب في داخله أعادت صياغة رؤيته الفنية مرة بعد أخرى ، حتى اكتسب هذه الروح التي لفحته بالإنسانية والحكمة الصوفية .
د . رضا شحاتة أبوالمجد.