الصمت سكون مستعار ، الصحراء تقول كلمتها دائماً بلسان السكون الذي يقول كل شيء ، دون أن ينطق بأي شيء ، فالصحراء هي التي علمت الإنسان أن ما يقال مباشرة هو البهتان ، وما لا يقال هو القول اليقين .
الصحراء هي معزوفة لحن السكون .. من ينصت إليها يسمع صدى الزمان .
وللصمت بلاغته .. فهناك الصمت التأملي للمكان ، صمت المقهور ، الصمت الاخرس الفارغ من المعنى ، الصمت الحكيم وصمت الصحراء ، أو صمت الليل . وللصمت غايات ، كما فعل رجب بطل رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف في صمته أمام المحققين ورفضه الإعتراف ، أو كما صمتت شهر زاد عن الكلام المباح في ألف ليلة وليلة ، وهو صمت مرادف للحياة ، عندما تشرق الصباح .. الصمت هنا يتحول إلى رموز ودلالات .
لماذا نهتم بالصمت في لوحات عز الدين نجيب .؟
إن الصمت في لوحات عز الدين نجيب في حقيقة الأمر ليس صمتاً أجوف ، بل صوت مترع فياض بالمعنى . فهذه اللوحات تختزن صوتاً داخلياً لا ينضب ، يتفجر فينا عند القراءة لها ، ويتسلل إلينا دون إستئذان .
تختبئ الأصوات عند عز الدين نجيب في صمت المكان في الحارات الفارغة في البيوت الحزينة التي تفصح عن نفسها من خلال تفجر الصوت الداخلي فينا ، هذا الصوت يوقظ في أعماقنا الذكريات المرئية ، إنها حالة فريدة عكسية يبنى فيها جسراً للإنتقال من العالم اللا مرئي إلى العالم المرئي ، إنها حالة الشاعرية التي ترتفع ببراءة داخلنا لتطلق الخيال والمعنى فينا ، فمن خلال توهج المكان بالذكريات وتعالق الأصوات بالأشكال ، يتردد الماضي البعيد بالأصداء ، وينتظر الصمت هنا من يترجمه ، إنها حالة آلة “الفونغراف” الذي ينقل إلينا أصوات غير مرئية ، ويمنحنا طاقة خفية للوجود وللمعنى .
وعندما نتحدث عن الصوت داخل الحيز الفني ، لابد وأن نستحضر هنا مقولة مشهورة موازية لنا في موسيقى الشعر ، هي حالة الرنيين ورجع الصدى .
وتلعب حاسة السمع وحدود الذاكرة دوراً هاماً هنا في إيقاظ أعماق جديدة من المعنى فى النفس . فنحن عادة نجد السعادة في الذكريات البعيدة وفي صوت الأشياء القديمة بداخلنا .. انها الذات المفعمة باللوعة والصبابة والشجن لكل ما هو عتيق .
س . هل نستطيع أن نسمع صدى الأصوات في صمت المكان عند عز الدين نجيب ؟ .
إذا توقفنا عند المكان الفني في لوحات عزالدين نجيب . نجد أنه كيان برزخي ، مزيج من الهندسي والعضوي مصنوع من الأصداء التي لا تنضب ، فالفراغ والصمت في الدروب والبيوت القديمة يتيح لهذه الأشكال أن تتزمن بالصوت والصدى الذي يهدر داخلنا وداخلها ، إننا نسمعه كلنا عندما ننظر إلى المكان ونتذكر تلك التيمات الصوتية الماضية للمكان ، هذا الشيء الهش السريع الزوال المعروف بمفارقته للمكان .على عكس المكان المعاش المناظر في المدينة الذي يقارع كل صدى ببعثرته وسط الضجيج .
إن هذا الصوت عندما يمتزج بالمكان ، بالدروب ، بالبيت العتيق ، تتولد بنية جديدة أخرى مأنسنة قادرة على خلق شعور باللا تناهي والتجاوز للمعاني المحدودة ، ويجعلنا نشعر بالتوسع والتعمق في التخيل للمعاني .
لتحديد المعنى في الحيز الفني عند عز الدين نجيب ، علينا أن نعيش ترجيعات الصدى وذبذباته في المكان ، وهو ما يعادل الصورة المتخيلة الممنوحة لنا من خلال فعل القراءة للحيز ، والتي تصبح ملكنا وتتفتح في داخلنا ، ونشعر بأن المعنى المتولد وأصدائه هو ذكرياتي كينونتي ، كان بإمكاني أن أوجده بالفعل لا شخص آخر يمنحه لي فالمعنى . هنا لا يعطي سلفاً ، المعنى يتشكل بالتفاعل مع المكان ، بالمجاهدة عبر لعبة حوارية ، بين الشكل والمتلقى .
د. رضا شحاتة أبوالمجد ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخاتمة ..
أخيرا .. الرسائل توقفت ، والرحلة داخل ..المريد ..عزالدين نجيب . لم تكتمل ، وشزرات الخواطر التى طرحت لاتعنى فى مجملها هذا الإنسان المجذوب للفن الذى نعرفة ، فهو أعمق وأكبر من هذا .
وفى النهاية يبقى السؤال مطروحاً ..
من هو عز الدين نجيب .. ؟
والجواب لاجواب نهائى ..
ويمرالزمن كالنهر .. وتنهمر السنون كالمطر .. وصار كل فى طريق ، وأنا أراقب هذا المريد من بعيد .. وفى يوم ما , اقتربنا .. لم يقل شيئا وأوغل فى الزحام ، ومضى فى رفقة شيخ كبير يلبس طربوش أحمر .