الفنان ومسبار البصيرة فى معرض الفنانة أمانى فهمى

قد تراها حالات صوفية أو تأملات ميتافيزيقية أو سباحة روحانية فى أعماق النفس او فى طبقات الكون المجهول . الشكل الجمالى عندها يحلق بين الطبيعة المادية والتجريد، فيسمح بشتى التأويلات لكنه يبقى رؤية ذاتية من الإبداع لا تبالى بالتصنيف المدرسى فى أى من مدارس الفن . هناك مناظر خلوية حاضرة بقوة ، تشمل الأرض والوديان والأشجار أو ما يبدو كذلك من ناحية، كما تشمل الفضاء اللانهائى الأبيض الملىء بالأطياف والخيالات من ناحية أخرى، لكن هذا الفضاء مجرد مسرح لتجليات النفس الإنسانية أو لإحداث التباين الضٌِدى مع الأرض السوداء بتعقيداتها المادية المتشابكة.
فى معرض الفنانة الكبيرة د. أمانى فهمى بقاعة الباب ترى اللوحات فضاءاً شاسعا للحلم، ومحاولة لفض شفرات المجهول، تنطلق من ذات حائرة متعطشة لإجابات عن أسئلة لا تملك مفاتيحها. الأبيض سيد الألوان رغم أنه فى الأصل (لا لون)، بل جماع كل الألوان لو أدرنا بسرعة شديدة قرصا يضم ألوان الطيف، لكنه فى لوحاتها يشف من تحته عن طبقات لونية مختلفة تومض وتختفى وتعكس حالة من الصفاء الروحانى ، لكنها تخبئ تحتها فورات وتوترات من قلق وجودى، ومن صراع أزلى بين النور والعتمة وبين الميلاد والموت.
دوائر مفتوحة تشبه الأفلاك والأكوان، لكنها مغلقة من جانبها بهلال أسود، ومع ذلك تبدو وكأنما تُصدر من جوفها إشعاعات مضيئة كذبذبات كوكب غير مرئى، تنم عن حراك أزلى لنور مجهول المصدر، وقد تتقاطع فى الفضاء خطوط مستقيمة أو مائلة طوليا أو عرضيا، بطابع هندسى يتناقض مع الدوائر والأقواس والأشكال الانسيابية، ويفاجئك وسط كل هذا انبثاق نصوص كتابية من سطح اللوحة وكأنها تطفو من أعماقها فى حين أنها قصاصات ورقية ملصقة على السطح ومتماهية تماما معه ، وتتفرق على أديم اللوحات على مسافات متباعدة ، وهى ملصقة بطريقة الكولاج ، وتحمل نصوصا عربية بخط فارسى منمق، وتذوب فى طبقات الأبيض وما يشف عنه من ألوان ، فى إيحاء – كما أظن – بمنابع المعرفة أو برسالات الأنبياء او بخيالات الشعراء او بمحاولات الإنسان لسبر أسرار الوجود أو بموجات الفكر والفلسفة والعلم على مر العصور.
الفنانة تنآى بنفسها عن تجسيد أى عنصر من عناصر الطبيعة، لكنها فى نفس الوقت تنآى عن التجريد البحت الذى لا يهتم إلا بعلاقات الشكل متحررة من المعنى . لعل الأقرب لمنهجها هو البحث عن الوحدة الكونية بين المجسد والمجرد باعتبارهما محوران أساسيان للحياة والموت، وهى توضح ذلك فى كلمتها المنشورة بكتالوج المعرض قائلة -بعد قيامى بضبط الصياغة – : “حياة لِبِنْيَةِ أرض وإنسان يكمن فى جوفها موت، وكل موت تنبع منه حياة، هى تعزية لنفس نافذة إلى ما وراء رحيل وانتقال لعالم خفى، مراثى تفتح أبوابا إلى آفاق وجود وعدم، وما تذروه الرياح من بقايا ورُفات، أديم أرض ، بتجاويفها أشلاء هشة كزغب فى خفتة ، زوال وتلاشى، تَبدٌُد مع دورة الأرض تتوالى ولا تتوقف ، فى رحلة مِن تَكَوٌُنٍ إلى عبور.”
أراها إذن رحلة فنانة متأملة تسعى للإمساك بما لا يُمسك باليد، وإدراك مالا يدرك بالبصر، فجعلت من البصيرة مسبارها الكونى لكشف أسرار الوجود، وجعلت من النصوص المخطوطة التى ألصقتها على أسطح اللوحات تعبيرا رمزيا عن بصائر الفلاسفة وأحلام الشعراء، وتأملات من سبقوها لخوض هذا البحث الفلسفى عن معان مطلقة للحياة والموت والوجود والعدم، كما جعلت من الأبيض والأسود والرمادى عناصرها التشكيلية الملموسة ، فليس أفصح منها تعبيرا عما تتطلع إليه ، كون هذه الألوان محايدة وحمٌَالة أوجه لشتى الرؤى والأحلام والخيالات والكشوف غير اليقينية لما وراء المحسوسات اليقينية عن المادة والكون، ومن خلال هذا الثالوث اللونى تفتح للمشاهد بابا أوسع للتأويل وإطلاق الخيال ليكون شريكا معها فى استنباط المعانى المجردة من ثنايا المسطحات البيضاء والرمادية والسوداء، ومن ضربات الفرشاة العريضة الممتدة متنوعة بين النعومة والخشونة، أو من تجاعيد الورق بما عليها من نصوص كتابية وعجائن لونية تنثرها أو تحركها بجرٌَات السكين مخلٌِفة ملامس متوترة وحافزة للحراك البصرى على السطح.
ولا تكتفى الفنانة أمانى فهمى بطرح الأسئلة الفلسفية والمعانى المجردة مع بعض المفاتيح لفض أسرارها ومغاليقها، فمثل هذا الطرح المتسائل يعد من وظائف الفن أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة، لكنه ليس كل وظائفه ، بل يسبقه الطرح التشكيلى والرؤية الجمالية، وأراها اختارت ما يقترب من قالب موسيقى الحجرة الذى يعتمد على الحوار بين عدة آلات موسيقية ، فإذا كانت آلات التشكيل فى لوحاتها هى اللون الأسود ونقيضه الأبيض ووليدهما الرمادى ورابعهم النصوص المكتوبة فوق قصاصات ورقية، فقد تكون اللوحة أغنى بزيادة محركات الحوار البصرى فوق السطح، أو بمعنى أوضح ؛ إلى تأثيرات بينية من لمسات لونية او غيرها من العناصر البصرية التى تؤدى إلى تحريك الفراغ الساكن، حتى لا يتحول الفراغ الأبيض أو الرمادى المهيمن على اللوحة من فراغ درامى أو فلسفى إلى فراغ يشبه تمدد مساحات الصمت فى معزوفة موسيقية لفترة تكسر الإيقاع فى أذن المستمع ، مما يخل بحالة التفاعل النفسى والاندماج الوجدانى مع المعزوفة، إلا إذا كان المؤلف الموسيقى يتعمد ذلك لتحقيق غاية تعبيرية أو إيقاعية معينة، ما يعنى أنه يعزف بالصمت . وربما استشعرت الفنانة زيادة مساحات الصمت – أعنى الفراغ – فى بعض لوحاتها فعمدت إلى إضافة الخطوط الهندسية العمودية والأفقية والمائلة ، لكنها بدت غير متجانسة مع البناء الفنى القائم على المنحنيات والإيقاعات القوسية والدائرية المتداخلة وهى أقرب إلى الحالة التأملية والروحانية التى تدور حولها التجربة..
وعلى كلٍ فهذه هى رؤية الفنانة وعلينا أن نحترمها وإن اختلفنا معها، مع التأكيد فى النهاية على أنها صوت خاص ومتميز فى حياتنا التشكيلية يدفع المشاهد ليكون طرفا محاورا للفنان وليس متلقيا سلبيا لما يقدم إليه.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »