النحت هو جسر الجماهير الأوٌَل الذى يأخذهم إلى تذوق الفنون الجميلة فى قلب الحياة اليومية ، إنه فن الشارع والمدرسة والحديقة والميدان ومحطات القطارات ، قبل أن يكون فن الصالونات والقاعات المتخصصة فى الزمالك وما شابهها ، وهو فن الروابط الناعمة بين الأرض والسماء ، انطلاقا من المعابد والكنائس حتى مظاهر الحياة الدنيوية ، إنه الذى جسٌَد الأساطير والآلهة والملائكة والرموز الوطنية عبر العصور ، وكانت بورتريهاته مهبط الأرواح فى المقابر حين تحل فيها يوم البعث ، لذلك ارتبط بالحياة وما بعد الموت فى الديانات القديمة بمصر وقارات الأرض ، كما ارتبط بالناس عابراً للطبقات من الأغنياء حتى الفقراء ، وعابرا للقصور والعصور إلى ما بعد الموت نحو الخلود …هكذا جعلت منه مصر القديمةعنوان حضارتها وسجلٌَ خلودها ، وجعلته العصور الحديثة مجسٌِدا لأبطالها وزعمائها وملوكها ، ودليل كفاحها وانتصاراتها ، وتعبيرا عن قيمها العليا؛ كالحريةوالإخاء والإرادة والمقاومة ، وعن مشاعرها الرومانسية كالحب والوداد حتى انكسار القلب!..أما الجمال فهو القاسم المشترك الأعظم بين ذلك كله .
وبعد رحيل محمود مختار – باعث نهضة النحت الحديث فى مصرفى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين – كان النحت جديرا بأن يكون هو فن الشعب ، وان يكون النحاتون هم الأكثر عددا وثراء وشهرة عالمية ، حيث كان فجر النحت الحديث على يد مختار مضيئا بالوعود والأمانى ، فيما نرتكن على تراث نحتى عبقرى علٌَم البشرية ولا يزال ملهما لها ، إلا أن الواقع أتى بعكس ذلك ؛ بدءاً من ندرة الإقبال على دراسته بالقسم الخاص به فى أكاديميات الفنون ، فطلبته كانوا دائما الأقل عددا بين الأقسام الأخرى ، وبالتالى فإن النحاتين المتميزين هم أقل القليل أصلا بفارق كبير عن الرسامين والحفارين ، وقس على ذلك فى عدد المعارض التى تقام كل سنة ، وعدد التماثيل المقتناة منهم أو التى تقام فى الميادين والحدائق وعلى واجهات المنشآت المعمارية ، وليس ذلك لنقص فى المواهب التى تلدها مصر ، بل لقلة تشجيع الدولة له ونشره فى الأماكن العامة ، ولصعوبةممارسته ، خاصة فى الحجَر ، ولارتفاع تكلفة إنتاجه خاصة عند صبه فى البرونز أو غيره ، هذا فضلا عن تأثير الدعوة إلى تحريم النحت من جانب تيار دينى متعصب ، ولا يزال هذا التأثير يسكن وعى الكثير من الناس حتى اليوم! ، مما جعل شبه مستحيل أن يتمكن أى نحات من التفرغ للنحت والعيش من دخله وحده .
ومع ذلك فتاريخنا الحديث زاخر بالنحاتين العباقرة بعد مختار – على قلة عددهم – مثل أحمد عثمان ومنصور فرج وجمال السجينى ومحمود موسى وأمين عاصم ومحيى الدين طاهر وعبد البديع عبد الحى وآدم حنين ومحمد هجرس وحسن العاجاتى وصلاح عبد الكريم وصبحى جرجس وعبد الهادى الوشاحى وغيرهم ، وقد رحلوا جميعا، وكان آخر من توفى هذا العام هو أحمد عبد الوهاب ، بعد أن أعاد للنحت المصرى المعاصر روحه المصرية ، ولا يزال هناك أساتذة كبار على قيد الحياة بالقاهرة والإسكندرية والمنيا وأسيوط حتى الأقصر وأسوان ، يعملون فى صمت وأغلبهم يعمل بالتدريس بكليات الفنون المنتشرة على امتداد الوادى بعيدا عن الأضواء.
واليوم أقدم من بينهم موهبة فذة جديرة بأن تجعل من صاحبها خليفة لجمال السجينى..المجدد الأول للنحت فى منتصف القرن الماضى ،أعنى النحات محمد العلٌَاوى وبالرغم من أنه أكمل من عمره هذا العام الرابعة والسبعين ، قضى منها قرابة نصف قرن معلما وأستاذا للنحت بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، تخللتها أربع سنوات قضاها فى ليننجراد لاستكمال دراسته والحصول على درجة الدكتوراه فى الفن المصرى القديم ، ثم عاد عام ١٩٨٧ حيث تخرجت على يديه بعد عودته دفعات متواصلة من النحاتين ، وبالرغم من أن أعماله تجاوزت الحدود المصرية إلى شتى أنحاء العالم واتخذت أماكنها فى متاحفها ،فإنه لم يحصل حتى الآن على جائزة التفوق من بلده ، فيما هو جدير بنيل جائزة الدولة التقديرية..لكن ماذا نقول وقد امتلأ ملف جوائز الدولة بخيبات الأمل المريرة عاما إثر عام ، وكم كُسِرت قلوبُُ مِن مستحقيها الحقيقيين!!
تتلمذ العلاوى خمس سنوات متصلةعلى يد أستاذه جمال السجينى (١٩١٧ – ١٩٧٧) بكلية الفنون الجميلة بين( ١٩٦٥ -١٩٧٠) ،وصار بالنسبة لأستاذه – رغم صغر سنه – صديقا ومساعدا فى بعض أعماله ومحاورا برأى مستقل كان يشجعه عليه ، وأصبح له بمثابة أب روحى ونور يهتدى به ، بالرغم من ان اعتداده باستقلاليته الفنية ، فى أول مشواره الإبداعى ، جعله يتعمد الابتعاد عن أسلوب وتأثير أستاذه ، وكان قد حاول محاكاته فى سنوات الدراسة الأولى ، وسرعان ما اكتشف ان شخصية السجينى الفنيةالطاغية كفيلة بأن تطويه تحت جناحها حتى يصبح نسخة باهتة منها ، لكنه بعد اكتمال نضجه وخبراته أعاد التأمل فى أعمال أستاذه ، وشعر بأنه يقف على قاعدة راسخة من الرؤية العقلانية والدرامية ، مشفوعة بالثقة فى قدرته على تحقيقها ، فوجد لدى الأستاذ الكثير مما يغذى به موهبته فى اتجاهه الإبداعى المستقل ، وأول ما استوعبه منه هو الإيمان برسالة الفنان فى مجتمعه ، كصاحب دور يعبر عن روح قومه ، فى الوقت الذى يمد بصره بعيدا للتعبير عن الإنسانية جمعاء ، أن يكون كاشف الآفاق عما وراء الواقع ، على أن يظل حالما، متمردا ، مبشرا بالعدل والحرية، ونذيرا ضد القهر والقيد ، متأملا لوضع الإنسان فى الحياة سلبا وإيجابا ، فيراه مقهورا أو قاهرا ، محاصرا أو محلقا فوق الحصار والطغيان ، ومنه يستوحي روح الوطن الذى يسكن فى جوانحه ، فيعبر عن انكساره أو انتصاره ، عن ضعفه أو شموخه ، عن حبسه خلف الجدران الشاهقة للقهر ، أو عن إطلاله من ثغراتها على الفضاء البراح ، أو انعتاقه وتحليقه فى سماء الحرية …باختصار ؛ هو فنان مفكر تأملى النزعة ميتافيزيقى النظرة إلى ما وراء الواقع ، وبعبارة أخرى ؛ إنه حالة وعى مجسدة بلباس جمالى خاص .
عبٌَر العلٌَاوى عن كل تلك المعانى بأسلوبه المختلف عن أستاذه ، جامعا فيه بين قوة البناء وواقعية التشخيص حتى الالتزام بقواعد التشريح للجسد ، وجرأة الاختزال والتجريد .. كل ذلك فى نفس العمل ، ليبدو أمامنا بين الصرحية الرمزية لمعمار مكين وشاهق ، بدائى وخشن ، وبين الحس الإنسانى والتأمل الصامت ، أو بين صلابة الجدران المحملة برمزية السجن وفظاظته وصلف الاستبداد ، وإرادة المقاومة وتحدى الجدران…بأسلوب يشبه أساليب التعبيرية الحديثة فى اوروبا الشرقية المؤمنة بالإنسان ، لا التعبيرية الألمانية المتلذذة بعذاب الإنسان وعدمية الحياة ، وقد يذكرنا على نحو ما بالتعبيرية السياسية الجامحة للنحات الكويتى الكبير سامى محمد.
، لكنه يشبه نفسه أكثر ، بشخصيته كإنسان ينآى عن الثرثرة ويؤثر التأمل الصامت والتعبير الصارم صرامة الجدران ، لهذا يستغنى فى تماثيله عن كل التفاصيل غير المفيدة وعن اللغة التوضيحية ، لتكون دوالٌُه الرمزية هى الإنسان الخام والجدار المستقيم والصخرة الهائلة والطائر الأسطورى ، ويحركها بحساب دقيق معتمدا على المغزى الرمزى لكل عنصر ، لا ليقول ويصرح ، بل ليومئ فى غموض ، نافرا من الصراحة المجانية ، مطلقا خيال المشاهد نحو أفق الأساطير اليونانية وصراع الأرباب العابثة فوق جبل الأولمب بمن تحكم علي مصائرهم بالعذاب الأبدي الذى حكم به كبير الآلهة زيوس على من خالف أمره.
هكذا ينتقل المشاهد من موقف المتلقى السلبى إلى موقف المفكر المشارك للفنان فى استكشاف الرؤية من وراء التمثال ، وحتى لو اختلفت الرؤى من مشاهد إلى آخر عند استقبال الرسالة المعنوية ، فلا تضِلٌُ القيم الجمالية طريقها إلى وجدان المشاهد ، بل يخطف التمثال انتباهه إلى مكامن المتعة فيه كإبداع جمالى خالص لذاته ، وربما يجد هذا المشاهد نفسه مشدودا بخيوط سحرية إلى “شكل” التمثال وهو لا يعرف فى البداية من أين يأتى السحر ، وسرعان ما يكتشف أنه يلامس نقطة غائرة فى أعماقه لا يستطيع أن يدركها ، فإذا به يرى فى التمثال تعبيرا رمزيا عما يخالجه من مشاعر دفينة أيقظها فعل هذا الشخص العارى مجهول الملامح ، المحاصر بضغوط قاهرة ، أو ذلك الشخص الآخر الذى يقاوم ببسالة مثل هذه الضغوط ، أو يرى نفسه مراقَبا بعيون هؤلاء البصٌَاصين من خلف الشقوق والفتحات ، أو أن يزيح بجسده الجدران المطبقة على أنفاسه ، أو يحاول أن يدفع صخرة كالجبل توشك أن تنقض عليه مثلما حدث لسيزيف وهو يحاول رفعها لأعلى الجبل لتسقط منه على السفح ، ليعود ويرفعها من جديد ..وهكذا إلى الأبد كما حكم عليه زيوس!..وفى تمثال شهير للعلاوى يعبر فيه عن انتصار الوطن عام ٧٣، مستخدما دائرة من الجنود يرفعون خوذة أسطورية هائلة الضخامة حتى تبدو كقبة السماء ، وهى تجتذب إلى ملكوتها هؤلاء الفرسان وكأنهم صاروا شهداء بعد أن حققوا النصر، او كأنهم أعمدة المجد لضريح الخالدين!
لكن العلٌاوى فى آخر تمثال له بعنوان “الناقوس” تخلى عن نزعته التأملية الصامتة حتى ولو كانت تدوٌِ ى بالتعبير دويا مكتوما ، فأراد أن يكسر الصمت الكونى الخاشع أو الخانع بأن جعل الإنسان لا يكتفى بالنجاة بنفسه من الحصار ، بل يدق جرسا هائلا ، كأنما يريد أن يوقظ كل النيام فى العالم ، ويدعوهم إلى يوم القيامة فى الدنيا ، إيذانا بصحوة الوعى قبل أن يُنفَخ فى الصور إيذانا بالقيامة الآخرة !
هذه هى الرسالة ..فليس أصدق من الفنان الحق حين يطلق النذير !
فيس بوك 10 يونيو 2021




