صحيفة الخليج 1 أبريل 2013
يمثل الفن التشكيلي ما يسمى بالذاكرة البصرية لأي مجتمع، خاصة مع تنوع أشكاله من تصوير ونحت ورسم وغيرها . وقد كان مشاركاً على مدار التاريخ في تسجيل الأحداث والوقائع، لكن في السنوات الأخيرة يرى البعض أنه أصبح فناً نخبوياً لا يستطيع الجمهور العادي التواصل معه، فإلى أي مدى تتحقق هذه المقولة، وما الآفاق المطروحة ليصبح فناً شعبياً يتماشى مع الواقع . هنا مواجهة بين فنانين تشكيليين هما عز الدين نجيب ومجاهد العزب:
عز الدين نجيب: التشكيل يقتصر على المتخصصين
يرى الفنان التشكيلي والناقد عز الدين نجيب، صاحب المؤلفات العديدة في النقد التشكيلي والرواية والعلوم الاجتماعية، ومنها الصامتون وفنانون وشهداء وغيرها، أن الفن التشكيلي تحول في الفترة الأخيرة إلى فن نخبوي لا تهتم به إلا النخبة من خلال المعارض الفنية الخاصة، وأرجع ذلك إلى انسحاب الدولة من دورها في تشجيع الفنون وتربية الذائقة الفنية في مراحل التعليم المختلفة .هل الفن التشكيلي فن نخبوي؟
حالياً أصبح فناً نخبوياً لأن مجالات الممارسة والعرض أصبحت للمتخصصين والنخب، وقاعات العرض منحصرة في الأحياء الراقية ولا يرتادها إلا فئة ذوقها غربي أكثر منه عربياً، والسبب عزلة الحركة الفنية عن المجتمع وتوقف المناهج التعليمية عن دراسة الفن، وجمود الدراسة في كليات الفنون، فضلاً عن انسحاب الدولة منذ عشرات السنين عن دورها في إيصال الفن للجماهير، حتى يصبح الفن ضرورة اجتماعية مثله مثل التعليم .
فإذا كانت الأمية في مصر تصل إلى أكثر من 30%، فإن الأمية البصرية والجمالية تصل لأكثر من 90%، وكل هذا على عكس ما كانت عليه الفنون التشكيلية في حضاراتنا المتعاقبة بدءاً من المصرية القديمة ثم اليونانية والرومانية ثم الحقبة القبطية، وأخيراً الحضارة الإسلامية، كانت الفنون التشكيلية هي العماد الرئيس في تلك الحضارات، بداية من المعمار مروراً بالزخارف والمنحوتات سواء داخل المبنى أو خارجه، وكانت الفنون التشكيلية شديدة الارتباط بالعقائد الراسخة، فلا يخلو بيت من عمل فني بشكل أو بآخر .
أضيف إلى ذلك نوع آخر من الفنون التشكيلية، كان لا يقل قيمة أو أهمية عن مسار تلك الحضارات، ويتمثل في الحرف التقليدية من أدوات الحياة التقليدية اليومية وأنماط العقائد والتقاليد، هذه الفنون كانت تمثل في ذلك الوقت مستوى رفيعاً يداني مستوى الفنون والعمارة الخالصة، مما أضفى عليها مسحة من الإبداع والقداسة في بعض الأحيان، وبلغت الفنون الإسلامية المصرية حد الإعجاز في الحرف التقليدية، خاصة في زخارف المنسوجات وامتلائها بالوحدات التشخيصية، بعيداً عن تحريم المتزمتين لظهور الشخصيات، الشيء نفسه نجده في الأواني والأطباق التي تتميز بالتكوينات الجمالية والموضوعات الشعبية من لعب التحطيب وجلسات السمر ورسوم العرس، وغيرها من المشاهد في الحياة الاجتماعية التي كانت تزين صحاف الأطعمة والفاكهة .
الآن هناك هجمة شرسة على الفن التشكيلي من خلال بعض الفتاوى التي تروجها التيارات المتشددة كيف ترد عليها؟
هذا أحد الأعراض الجانبية للمرض الفكري، فأصحاب هذا الاتجاه يمثلون هجمة ظلامية تهدد الميزة التنافسية الوحيدة في مصر والعالم، وهي الفنون والثقافة، بجميع أشكالها، فنون السينما والأدب والشعر والتشكيل، هذا ما يجعل لمصر مكانة عظيمة عبر كبار الفنانين، الذين حازوا على أعلى الجوائز العالمية، كل ذلك مهدد برياح الظلام المتذرعة زوراً وبطلاناً بالدين الإسلامي، وهو بريء منها .
وبدأت تظهر ملامحها في موجة تكسير التماثيل وتغطيتها في أماكن عدة، باعتبارها نوعاً من الأوثان وترهيب المواطنين عبر القنوات الفضائية المتشددة وإنذارهم بالعذاب في جهنم إذا اقتنوا لوحة أو تمثالاً .
وهي دعاوى بطل استخدامها وظهر فسادها منذ أكثر من قرن من الزمان، بدءاً من فتاوى الإمام محمد عبده في عام 1905 حيث دافع دفاعاً مجيداً عن فنون التصوير والنحت ونفى عنها شبهة التحريم .
متى نجد الجمهور قارئاً للوحة؟
عندما تتغير الظروف التي أشرت إليها، عندما تؤمن الدولة بأهمية الفنون واكتشاف المواهب الجديدة ودعمها، عن طريق عودة مواد التربية الفنية إلى المدارس، وإنشاء قاعات للعرض ومتاحف للفنون المختلفة واهتمام أجهزة الإعلام بالثقافة التشكيلية ونشرها بالشكل اللائق، وتخصيص الميزانيات اللازمة لدعم الفنانين، وهذا غير موجود حالياً، ويكفي أن نرى تنصل الدستور الجديد من أي مسؤولية للدولة لرعاية الفنون، وكل ما ذكر هو مادة واحدة حول حرية الفكر والإبداع، بمعنى أن الدولة لن تسمح بالعدوان عليها، لكن لا تتضمن توفير الميزانيات والإمكانات المادية والمهنية .
مع الثورات نجد فنوناً تشكيلية مصاحبة تقترب من الجمهور كيف ترى ذلك؟
هي متوافرة من خلال لوحات الفنانين الهواة في وسط المدينة وأطرافها، عبر فن الغرافيتي، وتلك نهضة واضحة بعد الثورات وباتت كقوة تأثير على جميع المواطنين، حتى إنها أصبح لها تأثير على أجهزة الأمن ونظام الحكم الجديد ما دفعها لإزالة ما تم إنجازه منها في شارع محمد محمود منذ أشهر عدة، مما انعكس في غضب الشارع استنكاراً ضد هذا الفن الذي يرفع من قيمة الشهداء وبوعي الثوار وتبشر باستمرار الثورة، وتتميز هذه الرسوم بحس عالٍ، مما يجعلها تنتمي إلى ثقافة المقاومة .
وهذا مثال يدل على أن الشعب مؤهل لاستقبال الفن، الذي يعبر عن قضاياه، بل حتى إن هذه الأعمال تجاوزت المصطلحات الفنية المتفق عليها لتكون من الشعب وللشعب .