الفن المصرى الحديث

واستلهام البيئة والفنون الشعبية سبتمبر 2018

التراث الشعبى هو الذخيرة الحية للجماهير للدفاع عن وجودها ضد التذويب والقهر والاستلاب، وللتعبير عن احتفالها بالحياة، وعن طريقتها الخاصة فى فهم هذه الحياة واستمرارها.

والفن التشكيلى من أهم منتجات هذا التراث، ولعله أولها تاريخياً، ويعرف علماء الأنثروبولوجيا جيداً أن هذا المنتج التشكيلى قد صاحب الانسان منذ حياة الكهوف والصيد والرعى واكتشاف الزراعة، عبر وسائل الاستعمال فى الحياة اليومية أو طقوس السحر والأقنعة، ومظاهر العبادات، وأنماط الملابس والزينة والرسوم الجدارية لأغراض الحياة والموت، حتى أصبح هو اللغة الأساسية فى الكتابة والعقيدة الدينية عبر الأديان المتعاقبة عند المصريين.

ولا شك أن لمصر النصيب الأكبر والأسبق للإنجاز التشكيلى فى العالم، وأن فنونها التشكيلية ارتبطت دائماً بالصورة رسماً ونحتاً، حتى حروف الكتابة الهيروغليفية، على عكس اللغة المسمارية مثلاً. ولعل هذا ما جعل الذوق التشكيلى للمصريين قديماً وحديثاً – ينفر من التجريد ويرتبط بالمشخصات، وإن تجردت من تفاصيلها وواقعيتها، كما جعل هذا الذوق المتأصل فينا نحو التجسيد، جعل فنانينا المحدثين منذ فجر النهضة الحديثة فى بدايات القرن العشرين، يستلهمون فنهم من التراث والبيئة الشعبية دون توقف، عبر أجيالهم المتعاقبة.

وتتراوح درجات هذا الاستلهام من التراث والبيئة الشعبية: بين النقل المباشر منهما، وبين انتخاب بعض المفردات والعناصر الفنية منهما وتشكيلها وفق رؤية أوروبية، وقد يصل الأمر فى كثير من الأحيان إلى استخدامها استخداماً سياحياً، بمعنى أن الفنان يرصِّع أعماله بموتيفات فلكلورية ترويجاً لها بين السياح المغرمين بهذا الطراز.

ولعلنا نجد بدايات الاتجاه نحو البيئة والتراث عند فنانى الجيل الأول من الحركة الفنية بعد تخرجهم فى مدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز عام 1911، منذ محمود مختار ويوسف كامل وراغب عياد، ومن انضم إلى حركتهم من غير خريجى تلك المدرسة، مثل محمود سعيد ومحمد ناجى، بنزوعهم جميعاً إلى التراث الفرعونى والقبطى والاسلامى، يستوحون منه كثيراً من خصائصه، وغنى عن الذكر أن ذلك كان مرتبطاً بمرحلة بعث وطنى شامل فى زخم ثورة 19 واستنهاض الروح القومية والثقافة العربية والمصرية فى مواجهة الغزو الاستعمارى، وكان يقابل هذه الحركة فى مجالات الفنون الأخرى حركات تأصيلية مناظرة، مثل الموسيقى والمسرح والشعر والقصة، فضلاً عن الفكر والسياسة.

كان منظور فنانى هذا الجيل يتجه نحو تأكيد الهوية المصرية، واتخاذها عماداً ثقافياً فى مسيرتها الثورية نحو الحرية والنهضة، وكان للنحات محمود مختار (1891 – 1934) فضل الريادة فى وضع الأساس التشكيلى لهذا التحول الفنى، باستلهام التراث المصرى القديم ورموزه الممتدة فى الحياة الشعبية، التى جسدها فى رمز الفلاحة تعبيراً عن الهوية المصرية ونضال الشعب لامتلاح إرادته فى التحرر من الاستعمار والانطلاق للمستقبل، وظهرت تجليات رؤيته الجديدة فى تمثاله الخالد نهضة مصر وتماثيله العديدة عن الفلاحة وعلاقتها بنهر النيل وأساطيره، وعلاقة الشعب به فى كفاحه المتواصل عبر التاريخ من أجل البناء والعطاء والحفاظ على القيم العليا.

وبالتوازى مع مختار جاء المشروع الإبداعى للمصور السكندرى الرائد محمد ناجى (1888 – 1956) وأول عميد مصرى لمدرسة الفنون الجميلة، متقدماً خطوة أبعد، بكشف النقاب عن جماليات الفنون الشعبية وما تحتويه من قيم إيجابية حفظت للشعب أصالته وروحه المبدعة، من خلال دراسته النظرية عام 1928 عن هذه الفنون الشعبية المتمثلة فى الحرف التقليدية المتوارثة. ودعوته لاتخاذها قاعدة انطلاق للفنانين نحو نهضة تشكيلية حديثة، ليس فى مصر وحدها، بل فى الأقطار الأفريقية التى أمدت الفن العالمى أوائل القرن العشرين بمنابع عميقة دفعت بحركة الحداثة دفعات ثورية للأمام، وقام ناجى بمبادرته التاريخية لتطبيق هذه الرؤية، من خلال رحلته الشهيرة إلى الحبشة عام 1930، لاستلهام الطبيعة وأنماط الثقافة الشعبية عند منابع النيل فى إبداعاته المعاصرة، وأقام بها لمدة تتجاوز العام، وكانت ثمارها نقطة تحول فى مساره الفنى، انعكست على الحركة الفنية بطاقة ايجابية تحمل روح القارة السمراء، وتلتحم فى الوقت ذاته بحركة التجديد فى الفن العالمى، متماهياً فى تجربته تلك مع رحلة الفنان الفرنسى بول جوجان إلى جزر تاهيتى بالبحر الكاريبى أواخر القرن التاسع عشر.

وتعد تجربة الفنان الرائد المصور محمود سعيد (1897 – 1964) عزفاً من نوع آخر على أوتار التراث الشعبى والهوية المصرية، فبالرغم من أصوله الأرستقراطية وانتمائه إلى الطبقة العليا بالسلم الطبقى فى الاسكندرية، فقد كان ولاؤه وانتماؤه كفنان للطبقات الشعبية بالأحياء التاريخية بالثغر، فجعل من فتياتها ونسائها بطلات كُتبَ لهن الخلود بأزيائهن البلدية واعتدادهن بدورهن الصاعد فى المجتمع ومشاركتهن للرجل فى العمل وأعباء الحياة، ولم يكتف بتقصِّى حركتهن بما تحملْنَهُ من فتنة وغواية بريئة فى مشاهد الشارع والحارة والكورنيش والبحر، بل تتبعهن فى جلساتهن وساعات راحتهن وسمرهن وأمومتهن داخل البيوت الشعبية، مبرزاً مكامن الفتنة فى أجسادهن ومشاعر الرقة والحنان والعطاء للأسرة، ولم يقتصر عالمه على المرأة، بل امتد إلى الصيادين والفلاحين والكادحين بين عالم النيل وعالم البحر، فكانت ملامح وجوهه المصورة أقرب إلى منحوتات تخرج من التاريخ المصرى القديم، جامعة بين مجد الماضى وامتداده الأنثروبولوجى عبر العادات والتقاليد فى الحياة المصرية فى الربع الأول من القرن العشرين.

وعلى مسار تأكيد الهوية المصرية فى الفن كانت تجربة المصور الرائد راغب عياد (1892 – 1983) لتأسيس طريق جديد للإبداع يستمد معطياته الأساسية من التراث الشعبى المصرى، بما يكتنزه من عادات وتقاليد وطقوس سحرية واحتفالات ريفية بالعمل والحصاد والزواج والرؤية الوجودية للحياة وما بعد الحياة، متماهياً بقوة مع الحضارة المصرية القديمة أسلوباً وموضوعاً، فأسس بذلك توجهاً جديداً “للتعبيرية المصرية”، انطلقت منها أعمال كثير من فنانين الجيل الثانى والثالث فى الحركة الفنية.

لقد تجلت مظاهر البيئة الشعبية وموروثها الجمالى بوضوح فى أعمال الفنانين من الجيلين الأول والثانى للحركة الفنية، من خلال اتجاههم للتعبير عن الحارة الشعبية والقرية وحياة الفطرة بعاداتها وطقوسها التى لم تكد تتغير كثيراً منذ مئات السنين.. وربما آلاف من أمثال “الحسين فوزى وكامل مصطفى وحسنى البنَّانى وجمال السجينى وعبد العزيز درويش وأحمد عثمان وغيرهم.. جاء تعبيرهم متسما بالواقعية التى تخلو من مبالغة وحسّ من الطرافة والفكاهة أحياناً، فى تسجيل طابع القاهرة المملوكية وأبناء البلد البسطاء، وروح التضامن والنظرة الغيبية للمجهول، واتساع مساحة الأسرار فى حياة الانسان والكون.. وإن تنوعت مذاهبهم وأمزجتهم واتجاهاتهم الفنية، بتنوع الروافد الأسلوبية الأوروبية التى نهلوا منها، والتى كانت سائدة فى أوروبا فى نهايات القرن الـ19. لكن ينبغى أن نقول إن عمق انتمائهم إلى جذور ثقافتهم المحلية قد طبع أعمالهم بأصالة مصرية غلبت التأثير الأوروبى عليها.

وكأمثلة على ذلك؛ فإن واقعية يوسف كامل (1891 – 1971) وهو ثانى عميد مصرى لكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، بتصويرها لحوارى حى الحسين وبيت القاضى والمغربلين وغيرها، ذات مسحة انطباعية “تأثرية” بألوانها الطازجة ولمسات الفرشاة العفوية، وعالمه عالم خارجى بسطوح مضيئة وشمس ساطعة، دون تعبير عن النفس ودخائلها، لكنه مشعشع بجو مصر مكتنز بأسراره، ويعد أول فنان عربى يدخل الاتجاه التأثرى إلى الفن العربى بعد عودته من روما فى العشرينات، ولعل ألمع تلاميذه فى هذا الاتجاه هو الفنان حسنى البنَّانى.

وواقعية محمود سعيد فى تصويرها لبنات البلد بالملاءة اللف وللدراويش والمصلين وباعة العرقسوس والصيادين.. إلخ تتراوح بين الكلاسيكية الجديدة وبين بورتريهات “مدرسة الفيوم” فى مصر الرومانية والقبطية، وتتميز بقوة المعمار واستقراره. وعلى عكس يوسف كامل فإن محمود سعيد كان يعتنى بالأبعاد الداخلية لشخوصه فى نزواتها الحسية وصبواتها الروحية على السواء، وإن كان المرأة تحتل مكان الصدارة فى عالمه، فإنه مثل مختار كان يعتبرها رمزاً للروح المصرية وكاتمة أسرارها.

أما واقعية راغب عياد فهى من نوع التعبيرية الشعبية، ذات أسلوب عامى يميل إلى المبالغة والسخرية، فى تصوير مظاهر الحياة اليومية والعادات والطقوس الشعبية.. لقد وضع يده على كنز لا ينضب من التقاليد الشعبية، ممثلة فى الأعياد وحلقات الزار ذات الرقصات الزنجية العنيفة، ورواد المقاهى الشعبية.. بنبرة تتقنَّع بالسذاجة والارتجال، وإن استعارت كثيراً من خصائص فن التصوير الفرعونى.

وإذا كان راغب عياد قد “عبر” عن الحياة الشعبية دون تنظير أو حذلقة، فإن محمد ناجى إبن الطبقة الأرستقراطية وربيب السلك الدبلوماسى، قد “حاول” أن يعبر وينظر بعقله لاستلهام الفن الشعبى والحياة الشعبية، بينما هو مستغرق فى أبحاثه التقنية الخارجة من المعطف الأوروبى، فبدا بها قدر من التصنع، إلا أن رسومه الصغيرة بالألوان المائية والحبر الأسود والقلم الرصاص التى تصور الحياة والعمل والحيوانات فى القرية، قد حققت كثيراً من الصراحة والعفوية والانطلاق، وتخلصت من البنائية الجبرية والترديد الهندسى واقتربت أكثر من الوجدان الشعبى، مع تأثرها بتقاليد التصوير الفرعونى، خاصة فى إيقاع الحركة السريعة بالخط واللون الشفيف.

على حين تتخذ واقعية الفنان الحسين فوزى (19 – 19) مُنشئ قسم الحفر بكلية الفنون الجميلة فى الثلاثينات، طابعاً تسجيلياً أميناً مع مظاهر البيئة الشعبية فى الأحياء القديمة وأنماطها البشرية المميزة، فى جو أقرب إلى جوب “رمبرانت” بضوئه الغامض الشاحب وسط الظلال الكثيفة، مثل لوحاته عن السقا والمجذوب “والدلالة”، وهى بائعة وخاطبة وكاتمة أسرار البيوت – ومذيعتها أيضاً – فى الأحياء الشعبية، وذلك قبل أن يكرس فنه للرسم الجرافيكى بأسلوب تعبير رمزى.

وبالرغم من أن الاخوين “سيف وأدهم وانلى” كانا أكثر انتماءاً إلى الأساليب الأوروبية وثقافة حوض البحر الأبيض المتوسط، بحكم نشأتهما وحياتهما ووفاتهما بالاسكندرية (حيث توفى أدهم 1962 وتوفى سيف 1978)، فإن موضوعاتهما المفضلة مستمدة من الحياة اليومية للشارع المصرى، رواد المقاهى، والمهرجون الشعبيون، والمهرجانات المرتجلة، وعازفو الموسيقى البلدية، هذا بالإضافة إلى عالمهما الذى تميزا به وهو راقصات الباليه وسباق الخيل وشاطئ البحر.. ومع التسليم بعمق تأثرهما بالمدارس الأوروبية الحديثة مثل التأثرية والتعبيرية والتجريدية والتكعيبية، فإن طابع الروح المصرية يبدو جلياً فى كثير من أعمالهما، خاصة فى بساطتها وصراحتها التى تعكسها الألوان البهيجة والمساحات الصافية.

إن الرافد الشعبى فى أعمال المصورين من الجيل الأول، كان عنصراً جوهرياً فى تشكيل قناعة الجيل الثانى من الحركة الفنية.. جيل الجماعات الفنية التى نشأت فى الأربعينيات واستمرت حتى أوائل الخمسينيات.. خاصة فى أعمال “جماعة الفن المعاصر” التى أسسها الفنان حسين يوسف أمين عام 1947 مع مجموعة من تلاميذه فى المدرسة الخديوية الثانوية، نبغ منهم عبد الهادى الجزار وحامد ندا وسمير رافع.. وقد أعطت هذه الجماعة اهتمامها الكبر لرصد العالم الميثولوجى فى حياة الطبقات الشعبية الفقيرة، من منظور ناقد لتخلفهم، حيث امتلأت لوحاتهم بطقوس السحر والشعوذة والزار وهستيريا الذكر وغرائب حياة الموالد وهواجس أضرحة الأولياء وأشباح مجاذيبهم الهائمين.

كان أعضاء هذه الجماعة شباباً صغاراً بالمدرسة الثانوية ثم بكلية الفنون الجميلة بتشجيع ومتابعة من أستاذهم الفنان حسين يوسف أمين، وبالرغم من ذلك فقد سبقوا زمنهم باكتشاف أساليب فنية تميل إلى الضراوة التعبيرية، بالمبالغة فى نسب الأجسام بل تشويهها إلى مدى يخرجها من سياقها الواقعى ويأخذها نحو عالم غرائبى أقرب إلى السريالية، ليس من منظور العقل الباطن للإنسان الفرد بغرائزه المكبوته وأحلامه وكوابيسه، تلك التى تتسم بها نظرية فرويد فى التحليل النفسى وتعد أساس المدرسة السريالية فى الغرب، بل من منظور المخزون الجمعى للشعب المصرى بكل ما فيه من خرافة وسحر وأسطورة وعوامل تخلف اجتماعى وفكرى، عبروا عن كل ذلك بتلقائية وحسّ غرائبى يتجاوز الأسلوب الأوروبى بالبحث عن المسكوت عنه والمكبوت فى وجدان الشعب، ولعل هذا ما يفسر ما تشهده صالات التسويق العالمية للفن من تسابق على اقتناء أعمالهم بأسعار قياسية، كونهم حققوا مستوى من العالمية فى الفن انطلاقاً من خصوصيتهم المحلية.. وأساسها التراث الشعبى.

ولحقت بهذه الجماعة جماعة أخرى فى أواخر الأربعينيات، هى “جماعة الفن الحديث”، تعرضت لعالم البيئة الشعبية وموروثها، ولكن من منظور مختلف، حيث أصبحت النماذج البشرية لديهم أقرب إلى الايجابية والسعى إلى حياة أفضل، وقد حدث ذلك متزامناً مع صعود المد الثورى للطلبة والعمال.. وهذا ما رأيناه فى أعمال كل من يوسف سيده وحامد عويس والسجينى وداود عزيز ونبيه عثمان، ولحقت بهم جاذبية سرى فيما بعد، رأينا ملامح من حياة الأسر الكادحة والمطحونة، لكنها تقاوم انسحاقها، كما رأينا فيها توظيفا جديداً “للموتيفات” الشعبية، يجعلها دالة على أصالة الانسان المصرى واعتداده بذاته…

ولا ننسى هنا أن ننوه بدور الفنانة المصرية فى تعميق جذور هذا التيار الشعبى فى الفن التشكيلى.. فمنذ مطلع الأربعينات كانت الفنانات إنجى أفلاطون وتحية حليم وجاذبية سرى ومارجريت نخله، وزينب عبد الحميد يشاركن زملاءهن من الفنانين فى ارتياد هذه المنطقة.. حيث توجهت كل من إنجى وجاذبية إلى الحارة وداخل بيوت الطبقات الشعبية وعبَّرتا عن ثراء هذا العالم ومأساويته فى نفس الوقت، بينما توجهت كل من تحية حليم ومارجريت نخله إلى القرية والمناطق الفطرية، واتسم أسلوب كل منهما بالبساطة والطزاجة والخشونة العفوية القريبة من الروح الشعبية… وهو ما يتناسب تماماً مع التعبير عن الشوارع الخلفية للمجتمع المصرى، دون اهتمام بالجمال السطحى البرجوازى، من هنا رأينا لوحات “إنجى” الأولى مليئة بغسالات وخياطات وعاملات أجيرات وسجينات محكوم عليهن بالأشغال الشاقة، ورأينا فى لوحات “جاذبية” الأولى شخصيات مثل “أم رتيبة” وفتيات الحوارى حافيات الأقدام لا يعرفن اللعب أو مرح الطفولة، وقد أصبَحْن أمهات وهن فى عمر الزهور، وفى أعمال “تحية” تبهرنا مشاهد العمل فى الحقول تحت وهج الشمس، بضربات عفوية وألوان ساخنة تجعل الأشخاص على وشك الانفجار خارج إطار اللوحة أما مارجريت نخلة فتغلب عليها سمة البراءة الطفلية خاصة فى لوحاتها المليئة بتجمعات جماهيرية واسعة فى الميادين والشوارع، بحس أقرب إلى الفنان الفطرى، وانشغلت زينب عبد الحميد بالتعبير عن زحام الحارة والشارع فى المناطق الشعبية بأسلوب أقرب إلى نسيج السجاد مستخدمة الخطوط الملونة المتجاورة بحسِ تعبيرى.

لكن ثمة فنانه أخرى غير هؤلاء كرست حياتها لدراسة الفن الشعبى والابداع على نسقه، وهى الفنانة عفت ناجى، وهى تختلف جذرياً عن زميلاتها، فهى لا تستوحى الحياة الشعبية، بل تستوحى العلامة فى “المأثور” الشعبى التشكيلى وتعيد صياغتها بنفس قوانين الفطرية، مستفيدة من مدارس الفن الغربى الحديث. لذا فهى تستعيد أنماطاً من هذا المأثور فى “دوالٍ” رمزية للحياة الشعبية، مثل “سحارة العروسة” ومرآة الفرح.. وزخارف الهودج، وعرائس القطن أو الخشب، ونماذج الوشم، مثل السمكة والأسد.. وصفحات من كتب السحر الشعبى.. إلخ. وتشكل من بين هذه العناصر أشكالاً أقرب إلى الطواطم السحرية، مستفيدة من قوة التعبير فيها الناجمة عن وحشية الألوان وبدائية الأشكال لإقامة نسق جديد ملئ بالرموز الدالة على الخصوبة واتقاء الشر، وطقوس الزهو الأنثوى كما عرفتها المجتمعات البدائية.

ومنذ ذلك الوقت توالت موجات الفنانين الذين وجدوا فى التراث الشعبى كنزاً إبداعياً متجدداً، فراحوا يستلهمون منه أعمالهم برؤية عصرية.. منهم من استمر فى اتجاهه هذا حتى اليوم، ومنهم من تحول عنه إلى اتجاهات وأساليب أخرى موضوعية وتعبيرية، بعضهم اختار “الموضوع الشعبى”، سواء من الملاحم والقصص التقليدية المعروفة، أو من واقع البيئة الشعبية فى المدينة والريف، والبعض الآخر اقتصر على استنباط عناصر تشكيلية أو موتيفات شعبية.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »