3 نوفمبر 2019
فى مقالى بالأمس بعنوان”الثقافة قبل الخبز أحيانا” الذى بدأته مما انتهى اليه الشاعر جرجس شكرى، المسئول الأول عن النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة فى مقاله حول سوء أحوال الثقافة فى مصر بوجه عام، وسوء مستوى الأعمال الأدبية والنقدية وغيرها التى تنشر بوجه خاص ، الى حد يسىء الى مكانة مصر، ووصَفَ السماح بنشرها بأنه نتيجة عملية ابتزاز يمارسها أنصاف المواهب على جهات النشر، دون أن يشير الى جهة بعينها تسمح بنشر مثل هذه الأعمال خضوعا للابتزاز.
وقد جعلت ذلك فى مقالى السابق فرعا من موضوع أكبر وهو الخلل فى موقف الدولة من الثقافة ، لكننى اليوم أقترب أكثر من نقطة محددة مما طرحه جرجس شكرى عن النشر والابتزاز ، فلا ينبغى أن يمر الأمر دون إجابة على بعض الأسئلة:
هل ينطبق ذلك الخضوع للابتزاز والموافقة على النشر، على ما تنشره هيئة قصور الثقافة؟
وإذا كان الأمر كذلك..فكيف سمح(وهو المسئول الأول عن النشر بها) بتمرير تلك الأعمال غير الجديرة بالنشر ، ما يجعله شريكا فى مغبٌَة وصولها الى القراء؟
فلو كان الأمر خارج إرادته، فلماذا انتظر طويلا ليعلن اليوم موقفه المُعارض بعد أن وصلت الأعمال الى المطابع ومنها الى القراء؟..أليس من المنطقى أن يرفض نشرها منذ البداية ، فاذا لم يستطع فليتبرأ من مسئوليته عنها قبل نشرها ؟
إننى لا أنتقص من الموقف الشجاع والمحترم الذى اتخذه، بكشفه عن المسكوت عنه فى هذا المجال ، وهو يمثل جريمة إهدار للمال العام وإساءة للذائقة الأدبية والنقدية وللرسالة الثقافية ، قبل الإساءة الى صورة مصر بالخارج..
لكن مع كل التقدير لموقفه، فإن موقف أى مسئول نزيه يقف ضد الفساد لايحسب بعد حدوثه ، بل قبل وقوعه تحت إشرافه ، بإدراك ومنع أسبابه فى مهده ، وإذا كان المسئول يتعرض لضغوط من أعلى لتمرير ما يعترض عليه، فإن واجبه كمثقف ملتزم يتسق مع مبادئه ، أن يعلن كل شىءبوضوح..من الذى يضغط؟..ولماذا؟.. وإلا ارتد السهم الذى أطلقه الى صدره..وهذا ما لا أرتضيه له.
لكنه فى الحقيقة يكشف عن جانب جوهرى من أزمة المثقفين فى مواجهة الفساد ، ليس بالنسبة لهذا المجال وحده ، بل أينما وجد فى شتى المجالات .. فالكثيرون منهم يواجهونه إما عند بلوغه الذروة، قافزا فوق الاسباب الحقيقية المنشئة له ، وإما بالمواءمات الشخصيةبينه وبين “الأجهزة” المسئولة عن الفساد حفاظا على ألا ينقطع خيط معاوية ، وإما بالقفز من المركب فى منتصف الطريق ، تاركا من يخوض المواجهة ليكمله
للنهاية وحده لو أراد ، وعليه ان يدفع الثمن وحده أيضا ، ومنهم من يصمت تماما ويدير وجهه بعيدا جاعلا نفسه ( مش واخد باله)! والأسوأ من هؤلاء جميعا من يخاطب زملاءه فى الجلسات الخاصة بلسان المعارض،بل والمزايد عليهم ، ويخاطب أهل السلطة فى مكاتبهم بلسان معسول مؤيدا أفعالهم ، طلبا لرضاهم واستدرارا لمنافعهم ، وبذلك يحظى بالحسنيين: صفة المعارض وصفة المؤيد، وهو فى حضن السلطة فى الحالتين!!
ولا شك ان شاعرنا ليس من هؤلاء جميعا ، وإلا ما فجر قنبلته التى قد تصيبه قبل غيره ، لهذا أتمنى أن يبادر بتوضيح موقفه وتحديد موضع الخلل وأسبابه حتى يزيل أى لبس حوله، كما أتمنى ممن أعلنوا إعجابهم بما كتبه أن يقفوا الى جانبه وألا يتركوه ضحية لشجاعته.