المدارس الفنية.. ومستقبل الفن

أخبار الادب يوليو 2018

       تقييم الفنان نقدياً لا يتم بسؤال “ماذا يقول؟”.. بل بسؤال “كيف يقول؟”..

       ذلك ينطبق على مختلف تجليات الإبداع.. أدبا وتشكيلاً وغيرهما.. حاضراً وماضياً ومستقبلاً.. قد تسمو المعانى والمضامين فى العمل الفنى وتحقق الإثارة والفضول، فإذا لم تحملها لغة فنية عالية ومبهرة ومبتكرة سقطت فى العادى والمألوف والمستهلك.. ففقدت بلاغتها.. وقد تعلو اللغة وتبهر العين من أول نظرة.. لكن سرعان ما تتلاشى إثارتها.. لأنها لا تجد ما يسندها من شحنة شعورية تجد صداها فى وجدان المشاهد، أو لأنها تخلو من الطزاجة والجدة.. كونها بنت المحاكاة لأساليب مبدعين آخرين.. لا بنت التجربة الذاتية والعاطفة الحية والخيال المغامر.. وهذه هى شرارات الابتكار والدهشة.. إن افتقار العمل الفنى إلى تلك الشرارات الثلاث يشبه نظم قصيدة تلتزم بالوزن والقافية وبحور الشعر وتموج بكلمات طنانة.. مستهلكة بالاستعمال فتبدو باردة جوفاء.. لذلك تتبخر سريعاً من ذاكرة السامعين أو تنزلق عليها بلا أثر.

  • الفنان بصمة:

ماذا إذن عن المدارس الفنية التى يكرسها تاريخ الفن عبر العصور؟.. ألا تنظم فى إطار كل مدرسة مجموعة كبيرة من الفنانين مارسوا نفس الاتجاه؟

       رأيى أن المدارس الفنية ليست إلا قوالب وهمية صنعها معلمو الأكاديمية الفنية ومؤرخو الفن وبعض النقاد لمجرد التصنيف والتبسيط للدارسين.. والحقيقة أن ما يفرق بين أتباع كل مدرسة أكثر مما يجمع بينهم، فلكل منهم أسلوبه الخاص الذى يشبه بصمة الإصبع، والفنان الحق هو من يمتلك هذه البصمة، وسعيد الحظ من تساعده الصدفة أو المغامرة أو المهارة فى تطويع الخامة على اكتشاف أسلوبى جديد.

       من هنا لا نجد ناقداً أصيلاً يقع فى  غواية أو فخّ التصنيف المدرسي للفنانين ولو كانوا أصحاب منهج واحد وجيل واحد.. لكن الأكاديميين والمؤرخين فعلوها.. ألم يقولوا عن فان جوخ أنه أول التأثييريين؟.. فما علاقته مثلاً بإمام الباثرية “كلود مونيه”؟.. وما علاقة الأخير ب “سوراه” رائد التبقيعية؟.. وكيف تجمع التكعيبية بين “بيكاسو” و “براك” اللذين ربطوا بينهما؟.. أو كيف تجمع التجريدية بين “كاندينسكى” و “موندريان”؟.. وهل تجمع السريالية حقاً – كما ذكر نقادنا ومؤرخونا – بين “الجزار” و “ندا” فى مصر فى الفترة بين الأربعينيات والستينيات؟.. بل هل صحيح أنهما أساساً ينتسبان إلى السريالية؟.. ما أشرت إليه مجرد افتراضات واهية وقولبة تبسيطية.. والحقيقة أن لكل منهم رؤية واتجاه يباعدان بينه وبين الآخر.

وهم المدارس الفنية:

       بل إن المسميات التى أطلقت على أغلب المدارس الفنية كالتأثيرية والتكعيبية والحوشية والدادية … إلخ.. جاءت بمحض الصدف، أو كشرح من فنان لرؤيته الخاصة، أو كتعليق عابر لناقد على أحد المعارض .. أو أحياناً كنوع من السخرية، أو من التعميم السهل من جانب من غير الممارسين للفن كما عبرت عنه تجربة فنان ما أو مجموعة فنانين .. ثم يأتى من يقوم بالتنظير فيجعل من كل تجربة من تلك التجارب نمطاً أو قالباً، ويقوم بإدخال من يراهم متشابهين فيه، وإن لم يكونوا كذلك فى الحقيقة.. فإذا كان الأمر هكذا فى الماضى.. فهل نتوقع أن يشهد المستقبل مرة أخرى ما يسمى بالمدارس الفنية؟.. أو أن تدب صحوة جديدة فى المدارس القديمة؟.

       لا أعتقد ذلك.. فالمستقبل ينبئ بمزيد من ارتداد الفنان إلى الجوَّانية داخل الذات ومن الخروج إلى البَرَّانية الاستعراضية معاً (على تعارضهما).. وفقاً لما يبشَّر به المستقبل من تزايد حالات الاغتراب من ناحية.. ومن هوس التواصل الاجتماعى عبر الوسائل الرقمية من ناحية أخرى.. بخواصها التى يؤدى أحد وجوهها إلى التشيؤ الآلى والتبعية الكاسحة لوسائط الميديا.. فعلى الرغم مما تتيحه من حرية مطلقة فإنها تستبيح ذاتية الشخص وفردانية الخيال عند الفنان.. وتستثير شغفه بالخروج على المألوف ومخاطبة الملايين فورياً بأدوات التكنولوجيا.. بعد تهميش دور اليد والأصابع والملامسة البشرية الحية للخامة.. واستبدال ذلك بميكنة التعبير والعيش فى عالم إفتراضى فيما ينبغى أن تظل اليد البشرية والتجريب بالخامة والخيال المغامر الموصول بالطبيعة والواقع والأسطورة وأغوار النفس؛ هى أوتار الإبداع التى يعزف عليها الفنان فى أى زمان.

       المشكلة أن ذلك يمضى فى مسار عكسى مع ازدياد نمو المزاج الاستهلاكى للفنون السطحية بين مستخدمى تلك الوسائل الرقمية. فليسوا على استعداد لتقبل الفنون الجميلة المشَّكلة بالأيدى بشقيها التقليدى والحديث معاً.. ما ينذر بانكماش القاعدة الجماهيرية لهذه الفنون فى المستقبل.. لصالح فنون التسلية والزينة وأيقونات التواصل الاجتماعى الفورى على شاشات الكمبيوتر والمحمول.. برموز فنية جاهزة للتعبير عن المشاعر.. ومقاطع فيديو حركية تعكس أسلوباً مختلفاً للتذوق والإشباع الجمالى.. خاصة لدى أبناء العالم الثالث الذين لم يتربُّوا على تذوق الفنون قديمها وحديثها.. فما بالنا بهم فى المستقبل !

  • الفن والنخبة:

بالنسبة للنخبة المتذوقة.. فربما تكون وسائط الإنترنيت عاملاً إيجابياً فى إشباع حاجتها للفنون الرفيعة.. حيث تمنحها إمكانية دخول المتاحف الفنية فى أى مكان بالعالم والشخص جالس فى مكانه يشاهد مقتنياتها منذ عصر الكلاسيكية حتى العصر الحديث.. فضلاً عن متابعة المعارض بقاعات الفن وانجازات رواده فى أى مكان.. أما عن نخبة النخبة الضيقة للغاية.. فربما لن تعنيها فى المستقبل كل المدارس الفنية. وربما كذلك: الأفكار الفلسفية والمعانى الانسانية والمضامين الفكرية.. وقد ترى أنها “ثيمات” أو موضوعات استهلكت فى الفنون والآداب عبر العصور وعفا عليها الزمن ولم يعد ثمة جديد يقال.. فهل هذا مؤشر لاستغناء الأعمال الفنية عن كل ذلك فى المستقبل؟.. أم تصبح الأهمية الأولى لقدرة اللغة الفنية على إحداث الصدمة وإثارة الأحاسيس وإنتاج الدهشة بغرائب الأساليب والخامات والتقنيات بعيداً عن أية مضامين؟.. بل ربما تتعرض اللوحة والتمثال أساساً لتحل محلها التشكيلات الضوئية والتصميمات الافتراضية بالكمبيوتر والهيلوجين؟

قد يقال إن (الشكل) وحده فى نظر هذه النخبة هو جوهر الفن.. هو مبتدأه ومنتهاه.. لهذا لا يفنى ولا يندثر.. وظنى أنه قد تغيب مدارس الفن الحديث التى انتشرت طوال طوال القرن الأخير إلى حين.. لكنها تُستحدث وتتوالد بأشكال وصيغ أخرى بأيدى الفنانين.. مثلما شهدنا عودة الداديَّة بقوة فى الثلث الأخير من القرن العشرين.. ضمن ما يسمى (آرت بوفيرا) فى الستينيات ثم بعد ذلك فى عصر ما بعد الحداثة.. وكانت أغلب الاتجاهات التى شهدها الربع الأول من القرن.. قد عادت قبل منتصفه وقد تبناها وروّج لها صانعو أذواق العصر الحديث من مؤسسات رأسمالية أو نقاد مستخدمين لهذا الغرض بترشيحها للاقتناء فى أكبر المتاحف الدولية.

النصف الثانى من الحقيقة:

هل ما ذكرناه هو كل الحقيقة؟.. لا.. بل هو نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فيعود إلى ما شهده العالم بعد الحرب العاليمة الثانية من هيمنة ثقافية غربية – مركزها الولايات المتحدة الأمريكية – على العالم.. لقد نصبت نفسها عاصمة للثقافة والفكر والنفوذ والقيادة للعالم.. وعملت على تسيير نمطها القيمى والثقافى، وما يخدم أغراضها فى الهيمنة التى نجحت فى تحقيقها وانتهت إلى العولمة.. وكى يتم لها ذلك قامت المخابرات المركزية الأمريكية CIA باستقطاب واحتواء أهم أعلام الحداثة فى الفن الأوروبى – خاصة من تعرضوا لاضطهاد النازية – إلى الولايات المتحدة، بإغراءات هائلة للإقامة والعمل واقتناء أعمالهم للمتاحث الكبرى والاستعانة بهم فى التدريس بمعاهدها، حتى أصبحت نيويورك أهم مركز للفن الحديث فى العام يتبنى الاتجاهات المتطرقة للحداثة حتى الفوضوية فى العالم اجمع. (أنظر كتاب الحرب الباردة الثقافية –من الذى دفع للزمار ؟الصادر عن المركز القومى للترجمة – 2005– ف.س. سوندرز).

هكذا نرى أن الفن ليس بعيداً عن السياسة، وإن اتسعت بينهما المسافات.

ورثة الحضارات لا يفقدون الجذور:

 وإذا كان هذا المخطط قد نجح فى اجتياز الحدود إلى أغلب دول العالم واستطاع أن يطمس – إلى حين – الخصائص الابداعية لهوية بعض الشعوب وأن يجرفها إلى العولمة بوجهيها الأقتصادى والثقافى، فإنه فشل فى طمس الجذور الحضارية ومحركات الابداع الذاتية فى كثير من الدول ذات التاريخ الحضارى.. هذا ما نجد نماذج له فى أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وفى منطقتنا العربية نجد اتجاهات الحداثة متحققة فى بلدان الشرق العربى (العراق وسوريا نموذجاً)، وقد أثمرت نتائج مهمة على أيدى أجيال من الفنانين استوعبوا جيداً فنون الحداثة الغربية وزاوجوا بينها وبين موروثهم الحضارى وواقعهم الخاص، قبل أن تغتال أمريكا كلاً من البلدين وتدمر حضارتها وتقضى على جيوشهما الوطنية، ثم تنهب تراثهما، تحقيقاً لمخطط قديم للمنطقة طال انتظاره والتحضير له، واستخدمت لذلك ترسانتها العسكرية، واستعانت بعملائها من الجماهير الارهابية لاشعال حروب وفتن أهلية وفتن طائفية قضت على الأخضر واليابس ومهدت لتقسيم البلدين .. وكان الفنانون ضمن من دفعوا الثمن وضاقت بهم الأوطان فهاجروا وتشتتوا فى بقاع الأرض، بعد أن استحال بقاؤهم وممارسة إبداعهم بل استرارحياتهم وسط جحين الحروب.

وقد لا تكون حركات الفن فى بلدان المغرب العربى قد حققت نفس النجاح الذى حققته العراق وسورياً قبل العصف الاستعمارى بهما، كون هذه البلدان قد استُلِبت وتغربت ثقافياً – بل ولغويا – طوال اجيال، فضلاً عن قربها الجغرافى من شواطئ أوروبا، الذى شجع الكثير من فنانيها على الإقامة فى عواصمها.. إلا أن مصر استعصت على التذويب أو (العويم الثقافى) بلغة الاقتصاد، حتى فى أتون فترات الاحتلال والتبعية السياسية والثقافية لأمريكا طوال 40 عاماً قبل 2011.. وبالرغم من أن فنانيها الرواد خاضوا (طريق الغرب الطويل). وتأثروا بشدة بإنجازاته، ووقع بعضهم فى عثراته.. فإن عصب الحركة الفنية المصرية الحديثة وجوهرها ظل مصرياً صميماً وقادراً على الوقوف بِنديَّه أمام إبداع “الآخر”، وقد استمر ذلك حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضى على الأقل.

الشباب وسؤال المستقبل:

هذا يقودنا إلى التأكيد على أن ما حمى الفن المصرى من الاستلاب والتبعية فى الماضى هو نفسه قارب النجاة له فى المستقبل؛ أعنى أغنى به الاغتصام بعوامل الزمان والمكان الاعتصام والميراث الثقافى الشعبى والحضارى، فهى العوامل القادرة – أولاً – على صون الذات فى مواجهة متغيرات السياسة ومخططات الهيمنة ورياح العولمة، والقادرة – ثانياً – على وضع صياغة جديدة للمعادلة الضرورية بين الأصالة والحداثة، والقادرة – ثالثاً – على ابتكار إجابتنا الخاصة على سؤال المستقبل وما سوف تكون عليه صورة الفن ودوره فى الحياة.. وقادرة – أخيراً – على كسب جمهور عريض تمتد الجسور بينه وبين لغة الفن بعد اغتراب طويل عنها.. وهذا هو التحدى الأكبر.

إلا أن ذلك يتوقف على درجة اقتناع أجيال الشباب من الدارسين اليوم فى كليات الفنون وتشبعهم بهذه القيم والعوامل فهم الذين سيحملون مسؤولية الفن فى المستقبل ويقودون مسيرته.. لكن غالبيتهم اليوم اسرى لثقافة الميديا.والعولمة التى لا تُنتج تفرداً ولا تلامس جذوراً، ومنجذبون إما للإتجاهات الأكاديمية المستهلكة بحكم التوجيه المؤسسى لتعليم الفنون، وإما منجذبون لاتجاهات الإثارة البصرية الجوفاء، بحكم التاثير القوى لشبكة الانترنت وما تتضمنه من نماذج فنية سابقة التجهيز، وما يجعلهم مشغولين بالسباق اللاهث – قبل أن ينضجوا – للفوز السريع بالجوائز وشهادات التقدير وجذب الانتباه من خلال الفيسبوك والمهرجانات السياحية على الشواطئ، وتسمى بالدولية خداعاً، والحقيقة أنها مدفوعة المقابل مالياً ممن يشاء ولو بغير موهبة، فى غياب الرؤى العميقة والأهداف الكبيرة.

فعلى ماذا يمكن الرهان فى المستقبل؟.. هل يكفى الرهان على أفراد معدودين من الفنانين الشباب ممن نرى أعمالهم اليوم تثير الانتباه هنا أو هناك فى بعض المعارض الجماعية، وقد امتلكوا مواهب لامعة وأفصحوا عن رؤى حداثية تمتد جذورها فى هويتنا الثقافية؟.. لم لا؟.. إن التحولات الكبرى فى الفنون كثيراً ما يصنعها أفراد معدودون.. هكذا يثبت لنا التاريخ فى العالم وفى مصر.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »