المسافر خانة: ذاكرة المقاومة والأنكسارت

كتب : محمد رفاعى

مسيرة عز الدين نجيب 1940، جمعت أربع جوانب متباينة هى، الفنان التشكيلى صاحب البصمة فى التصوير، معارضه الكثيرة والمتنوعة داخل وخارج مصر، دراسته فى كلية الفنون الجميلة وتخرج فيها فى مطلع الستينيات، وقدمه الكاتب “يحيى حقى” قاصاً متميزاً، أنتج خلال مسيرته السردية أربع مجموعات قصصية وروايتين، ودوره كباحث وناقد ومؤرخ تشكيلى عبر المقالات والدراسات والكتب التى نشرها، والجانب الأخير هو إطلاعه بالعمل الثقافى العام من خلال عمله فى تأسيس قصورالثقافة فى أقاليم مصر، مطلع الستينيات وإهتمامه بالحرف التراثية واليدوية وتنميتها فى وكالة الغورى، وعمله مؤسوعة للحرف بلغت ست مجلدات وتأسيسه لجمعية أصالة التى جمعت طوائف الحرفيين. رواية “المسافر خانة”، الصادرة حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب، خير تعبير عن مسيرة عز الدين نجيب، بطلها “شوقى نعمان” يهرع لحظة سماعه صوت عربات المطافى وتعثرها فى الوصول إلى القصر المسافر خانة، مركز تلاقى الأضداد والتناقضات، ليس مجرد بناء من حجر وخشب، وإنه حياة حقيقية عاشها الفنان فى مسيرة تحدّيه للصعاب، وهى رحلة الإنسان الفنان المرهف المنتمى، الذى وقع فى بوتقة الصراع الوجودى، صراعه من أجل الحق والعدل فى مواجهة الزيف والكذب. الإسلامية فى القرن التاسع عشر، قُبّلة عشاق الحضارة والتراث والعمارة، سكنه إبراهيم باشا ابن محمد على، فيه وُلّد الخديو إسماعيل، قضى عليه الحريق فى 18 أكتوبر ا998 . تنشغل الرواية بالصراع بين الخير والشر، بين المنتمى ولا المنتمى، بين القادر على العمل من أجل الناس ومعهم، ومن لا يملكون شيئا الا البلطجة والزيف، الرواية تخدعك ببساطة سردها، تُوهمّك إلى ما يشبه السيرة الذاتية أو المكانية بذكرها أسماءً وأماكن حقيقية، لكنها يغوص فى قيم إنسانية ووجودية، ورواية تمزج بين الخيال وقدر ما من الحقيقة. بطل الرواية “شوقى نعمان” فنان له ماضى سياسى، أعتقل مرتين وحُوّكم وقاوم وأضرب عن الطعام، وله تجارب فى العمل العام من خلال الوظائف التى تقلدها. يعتمد الكاتب على ذاكرة واعية ويقظة، صدمة حريق القصر دفعته إلى الحدث الأهم فى حياة “شوقى”،وقمة مأساته، تاريخ خروجه من القصر وتحطيم مرسمه، وتأجير البلطجية لضربه والنيل من كرامته، فأصبح بلا مرسم أو لوحات أو وظيفة، لكسره كسراً مضاغفاً وحاسماً.، عانى الفنان الحصار والأختناق والوحدة، على كافة المستويات، والوضع السياسى العام الخانق وسيطرة سياسات الإنفتاح العشوائى، وتبخر حلمه بالعدالة، تحدّيه للعوز المادى والمعنوى، وضعه الإجتماعى والآسرى، خلافه المستمر مع زوجته ثم طلاقهما، وسفرها للعمل فى الخليج وحرمانه من أبنته. منذ شبابه البكر حدّد إنحيازه للفقراء والمهمشين، أسلوبه الفنى يستلهم حياة الشعب وتقاليده والحنو على آلامهم، لم يلتفت إلى كلمات مثبطة مثل: لا تبدد طاقتك فى أمور السياسة وصراعات المثقفين، لم يبقٍ غير لوحاتك وكلمتك، أكسب نفسك وإبداعك، معاركك مجانية بلا جدوى، وستظل تحارب وحدك طواحين الهواء مثل دون كيشوت. إنتمائه الحقيقى، فلم يغير الطريق الذى أختاره عن قناعة، لذا صمد وتحمل وقاوم. المسافر خانة القصر ذاته صار لـ “شوقى” البيت والملاذ، بعد أن فقد السكن والزوجة والأبنة، سبع سنوات كاملة قضاها فى رحابه، صارمصدر شفائه وشقائه، قضى فيه أوقاتاً طويلة وأستانس المكان وصار جزءاً منه، وإستعاد موهبته وثقته كفنان، فيه ولدت لوحاته، وكل لوحة ولادة حقيقية له، وثمثل كل أسرته وأولاده وغزوته فى الحياة، وفى أحد أركان القصر المظلمة أخفى وصية وأوراق صديقه وأستاذه محمد جاد الرب . الحريق الذى تسبب فى ضياع وتدمير الآثر، فتح على الفنان الواعى ذكريات وأحداث، أمتزج فيها الذاتى بالعام، فى عقل الموظف المثقف، سلمه وزير الثقافة ثروت عكاشة العمل مديراً للقصر عام 1969، ترضية له وجبراً لخاطره من الصعوبات التى واجهها فى العمل بجهازالثقافة الجماهيرية.وتُذّكره وصية الوزير يوم قابله لأول مرة عام 1968: “أرجوا أن تصمد، أنت على رأس قلعة أمامية لو سقطت ستسقط بعدها القلاع تباعاً”. أخذه الحنين والذاكرة الواعية بإستعادة القصر وبنائه بالرسم والكلمات، وربط بين محنته الخاصة وبين القصر، الذى كان بلسم روحه، وفيه شهد طعنات الخيانة فى الظهر والوجه، وكبوّات الفشل ومطاردات عملاء المباحث وأرهاب البلطجية وتواطىء الزملاء، رغم ذلك لا ينسى ساعات أشتعال الروح بالإبداع والأفكار، بإكتمال لوحة أومقال، وشهد القصر صداقات العمر وحميمية التلاقى بين نفوس مخلصة للوطن ووهج أكتشاف لمعانى جديدة. واجه شوقى نعمان، سطوة المؤسسة ومفردات قهرها، ورئيس هيئة الفنون بكل أليات البطش والقمع، وأتصالاته المشبوهة برجال الأمن والبلطجية، دور الموظف العام فى المهام القذرة، بدءاً من جلب المخدرات والمقويات الجنسية وتلفيق أوراق المشتريات الوهمية والتستر على العلاقات النسائية. التهم دائما جاهزة، أشعال الحرائق، تكوين خلية شيوعية لقلب النظام، تحويل المثقف الوطنى الأعزل إلى متهم، تحويل الضحية إلى جلاد، وتشوهه أبواق أعلامية سمعته الوطنية، فيلجأ الفنان إلى المحاكم والرأى العام والجماعة المثقفة الوطنية والصحفية والأقلام الشريفة. حُسّم الأمر الإدارى بنقل “شوقى نعمان” إلى الإدارة التنظيم والإدارة لتوزيعه لمن يطلبه، وكأنه موظف جديد بلا خبرات أو مهارات. فى عمله فوجىء بالقرار وبالبلطجية يعتدّون عليه بالهراوات والعصى ويحطمون مرسمه وأثاثه ولوحاته، إرادوا كسر ما لديه من الإرادة والثقة، وهم يعرفون أن كسر ما فى داخله أصعب علاجه بالدواء أو يُجّبر بجبيرة، وهو الذى خاض السجن مرات، وأتهم بقضية سياسية لم ينكسر أو ينحنٍ أو يفاوض أو يساوم. فصله من وظيفته بعد عمل دام ثلاثة عشرعاماً، أعتمد فيها على ذاته، صارت مصدر قُوّته، كيف يصّرف على ضروراته وعلى القضايا المرفوعة فى المحاكم؟، يلجأ شوقى إلى والده فى القرية، يعيش مستور الحال، معتمداً على معاش ضئيل، ومن إيجار فدانين ومحلين، دخله يكاد يكفى ضرورات من يعولهم، الأم المريضة والشقيقتين، أحدهما مطلقة والآخرى مقدمة على الزواج، فيعرض على والده بيع نصيبه من الميراث. واجه الفنان معركة تكسيرالعظام، بالإعتماد على أرادته القوية وعزيمته الصلبة، فدبر ضرورياته المعيشية وإتهمك يرسم بما تملكه يداه، وأشترك فى معرض الخريف. منذ تسلم شوقى نعمان العمل بالقصر نهاية الستينيات، ظلت الدعامات الخشبية وشركات المقاولات والصيانة ومقاولوا الباطن يعبثون داخل الآثر الجميل، فى غياب الشفافية، كثرة آراء الناس عن سبب الحريق الذى قضى على القصر، منهم من يرى السبب: الأهمال، عزلة المثقفين عن الناس، وأهمال الثقافة عموما والتراث، مع إنشغال النظام بمشاريع الحزب الوطنى والتمهيد للتوريث والمصالحة مع الأخوان. مع تداعيات الحريق قادت أقدام “نعمان” إلى حوارى الغورية، يتذكر شخصيتين من طراز نادر فريد، ومنتمين إلى قيم ومبادىء إنسانية وسط الركام لا أنسانى، يلتقى بصديقه الفنان الموهوب “محمود اللبان”، صانع التماثيل الجصية، يصنع منهاعالماً طفولياًعجيباً، مليئا بحيوانات طيبة وشريرة، وأشحاص كالسحرة أو المسحورين، كأنهم أساطير. هذا الفنان الفطرى والشعبى، أتاح له “نعمان” مرسماً فى القصر، وقدم له دعماً معنوياً وجعله فى مصاف الفنانين الكبار، اللبان شهد وقائع الإعتداء على الفنان ودافع عن “نعمان” بإستماتة وشهامة، وتلقى الضربات بدلاً عنه، والوحيد الذى ترك مرسمه ورجع إلى الحارة، ولأنه فنان وطنى منتمى، وتعلم بحق من الحارة وفنونها. الشخصية الآخرى “فريدة” دفعت حياتها نتيجة غياب الضمير، حاضرة طوال الرواية رغم غيابها بالإنتجار، كانت مجنونة بالعمارة الإسلامية، تقرأ كل ما يصل إليها من كتب، أحبت الفنان بصدق ورأت فيه الرجولة والشهامة، كانت مخطوبة إلى شاعر لا يملك ضميراً أو شرفاً، أثمرت العلاقة عن حمل وتهرب منها وأوصلها إلى الإكتئاب والأنتحار، وكانت بمثابة الداعم والأمل الذى قاد شوقى إلى التحدى والمقاومة. على النفيض تمام شخصية أحلام الفنانة الإنتهازية، كانت راغبة فى إقامة علاقة عاطفية مع شوقى، رغم إنها متزوجة، حين رفض هذا السلوك ونصحها بالبقاء بجانب زوجها فى مرضه الأخير، حاولت بكل الوسائل كسّره، وصفته بإنه يتصرف كحصان جامح، أفلت لجامه، ويجب أيقافه بأى شكل، دخلت لعبة المساومات بين ترع التفرغ وتسلمها القصر، ووقعت بإستلام اللوحات على إنها سليمة، دافعها داخلى ذاتى، وهو كسر إرادته الجواد الجامح وثقته المفرضة، وزيادة فى الأنتقام وضعت لوحاته فى حجرة مظلمة رطبة، لتقسد ما تبقى من اللوحات، ومن نفسه، وراود الفنان فكرة الأنتقام منها. التفرع للمصالح الشخصية وخراب العمل النقابى وخلطه بالعمل الوظيفى،وغياب أستراتيجية العمل العام وعدم وجود أخلاق أو معايير أو ضوابط ملزمة، أثناء إدرته القصر عمل فى إعداد مشروع لائحة للمراسم مسافر خانة، للائحة ملزمة، يستفيد منها الفنان الجاد وتحميه من بطش أو تلاعب المسئول، رغم الإحتمالات ضرورة التماسك الفنانين، حفاظاًعلى مسافرخانة، الخلافات والصراعات بين الفنانين، لأن الآثار لايرضيها أن يخرج القصر من حوزتها، وعجزوا الفنانين أن يكونوا واجهة مشرفة لهيئة الفنون، أمام العالم، لأن تجربة رعاية الدولة للفنانين وتزويدهم بالمراسم ومنحهم تفرغ للفن تعد صورة حضارية لم يتحقق فى كثيرمن دول المتحضرة،وكأنهم ينتمون الى قبائل متفرقة. ولعب كذب وإنتهازية والنفاق الإجتماعى مصائرأغلب الفنانين، منهم الفنان “فؤاد عرابى” أدعى حريق أعماله، مما دفع زملائه عمل معرض تضامنى، يخصصه عائده له، وهذا فعل جيد،ولكنهم للأسف يعرفون يقيناً أن لوحاته لم تمس، وقام بإخراجها قبل حريق القصر، زوجته الأوربية أعترفت بذلك، لكنه مضى فى كذبه معتمداً على نفاق زملائه. لم يحرق مسافر خانة فى أكتوبر 1998، بل سقط وتصدع من الداخل منذ ربع قرن نتيجة الصراعات والفساد وإستبعاد الكفاءات المؤمنة العمل الميدانى. ينوه الكاتب أن نصه الأدبى ليس سيرة ذاتية، يكفى وصف الكتاب بالرواية، ليتلقاها القارى من هذه الزاوية، حيث تتداخل الواقع مع الحياة والحلم مع الحقيقة، ليكشف عن ذلك الرؤية العابرة للزمان والمكان والأحداث الحقيقية، وكذلك بعض الشخصيات التى لها دورإيجابى داعم، مثل: المحامى القديس نبيل الهلالى والصحفى صلاح حافظ، والفنان الناقد: حسين بيكار، الكاتب سعد الدين وهبة وغيرهم. الرواية تنهل من الواقع وتناقضاته وقسوته، ليصل إلى المتعة والإدهاش والتأمل والصدمة.أليس هذا هو جوهر الفن وجمالياته؟.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »