الناقد .. بلا طريق مفروش بالورود

يناير 2019

يدخل المعرض العام الأربعون أسبوعه الثالث مع تجهيز هذا العدد من “قراءات نقدية” ، وتبرز معه بقوة قضية النقد الفني ، وكان من المفترض أن يواكب النقد هذا المعرض بالفرز والتحليل والتقييم والتأصيل لأهم ملامح هذه الدورة ، كحصاد إبداعي لعام مضى ، ومن الطبيعي أن ينتظر كل فنان مشارك كلمة تقدير أو تنوير تكشف ما يتضمنه عمله من جوانب قوة أو ضعف، أو من رؤى واتجاهات ، وأن يرى متابعو المشهد العام كيف يستجمع النقد عشرات الخطوط المتفرقة لتكوَّن ضفائر فنية تشكل اتجاهات وظواهر ، قد تشير إلى تقدم أو تراجع.

غير أن هذا لم يحدث إلا عبر تغطيات صحفية محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع ، باستثناء قله نادرة حاولت القيام بتقييم نقدي ، وهذا يؤكد ما ذهب إليه كتاب المقالات النقدية في العدد الأول ، التي خصصنا لها ملفاً بعنوان “النقد اليوم وما ينبغي أن يكون” ، بعضها تعَّرض لتراجع عدد الموهوبين في النقد ، ووضع شروطا سبعة للناقد كما ينبغي أن يكون (انظر مقال ناصر عراق) ، وبعضها انتقد تجاهل النقاد في تشكيل لجان الفرز والتحكيم ، وطالب بأن تكون الأغلبية لأعضائها –(إن لم يكونوا كل أعضائها)- من النقاد (انظر مقال سامي البلشي)، وبعضها طالب بأن يكون الناقد شريكاً بإنتاجه في المعرض العام ، مع تخصيص جوائز من خلاله لأحسن نقد فني ، ويتم نشر المقالات الفائزة في كتيب ملحق بكتالوج المعرض (انظر مقال إبراهيم وشاحي).

لهذا قمنا – في هذا العدد- بدعوة الأقلام المتواجدة على الساحة لكتابة آرائهم وتحليلاتهم لأعمال هذه الدورة من المعرض العام ، ونحن نُــقُّر بأن ذلك ليس حلاً شافياً لمشكلة غياب النقد، والأدق : غياب العمق النظري والتطبيقي الذي يملأ الفراغ الكبير ، وهو عمق يفترض أن ينبغ من قاعدة معرفية لعلم الجمال ونظريات النقد وتاريخ الفن ومذاهبه ، ومن قدرة على النفاذ إلى لبَّ العمل النفي واكتشاف ما به من تفرد ومن جواهر أو مثالب ، وهذا يتطلب شرطاً أولياً يتعين توافره وهو الموهبة ، شأنها شأن موهبة الفنان المبدع ، وإذا لم تكن لنا حيلة في وجود هذه المواهب بالقدر المطلوب ، قياساً على الأعداد الهائلة من الفنانين ، فإن أضعف الإيمان هو إقامة ورش للتدريب على النقد لمن يجدون في أنفسهم الاستعداد لممارسته ، لكن ينقصهم التزود بالمعرفة والثقافة البصرية والخبرة التحليلية ، وإذا كان ثمة شرط أساسي أخر لا تغني عنه ورش التدريب ، فهو امتلاك اللغة العربية الصحيحة بقواعدها ومخزونها الثري من الألفاظ والسمات الجمالية التي تجعل من النص النقدي عملاً إبداعياً ممتعاً في حد ذاته ، وهذا ما يفتقده كثير من الأقلام النقدية لدينا إلى حد الفقر اللغوي المدقع !

وقد شهدنا مبادرات مختلفة في السنوات الماضية لإقامة ورش التدريب النقدي تلك، في جمعية محبي الفنون الجميلة وقطاع الفنون التشكيلية ، وكشف بعضها عن مواهب واعده ، لكن المؤسف هو عدم إيمانهم الكافي بدور النقد وما يستدعيه ذلك من سعي ونضال لوصول كلمتهم إلى القراء ، وكأنهم ينتظرون أن تأتيهم الفرصة للنشر حتى أبواب بيوتهم ! .. وهو ما يجعلنا نضيف إلى شروط ناصر عراق وغيرها مما ذكر بعاليه ، الإيمان لدى النقاد ، وهذا يتطلب الكثير من الدأب والإصرار والمجاهدة ، فليس هناك طريق مفروش بالورود أمام النقد.

ويبقى أن نطالب قطاع الفنون التشكيلية بتحقيق مطلب النقاد بانضمامهم إلى لجان الفرز والتحكيم في معارضه ومسابقاته بنسب مقننه في لوائحه التنظيمية ، وبذلك نحملهم المسئولية عن مستوى النتائج الفنية لهذه المعارض بناءً على اختياراتهم ، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً لإشاعة التأويلات حول نوايا وتفضيلات شخصيه بغير معايير نقدية .

كلمة أخيرة أرجو بها إزالة التناقض بين ما كتبتهُ بإحدى الصحف معترضاً على إقامة المعرض العام بمتحف الفن الحديث ، وبين تعاوني في إصدار هذه المطبوعة مع قطاع الفنون التشكيلية الذي سجلت اختلافي معه ، أقول أنني قد أختلف معه حتى الصدام – وأنا أحد أبنائه- لكنني أدافع حتى النهاية عن حق الفنانين ، بما في ذلك إصدار هذه المطبوعة ، وهي ضرورية لهم قبل أي طرف آخر.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »