بانوراما الفن التشكيلى المصرى فى الثمانينيات

مَنْ زرع الهوية..ومَنْ اقتلعها؟ (١ من٢)

 

عزالدين نجيب
——————————
فيس بوك 7 يوليو 2020
عِقد الثمانينيات حمل عدة تناقضات، تتراوح بين خمول الفكر لدى النخبة، بغير إرادة للتغيير، وبين الدفاع عن الهوية كما يراها الرواد والتابعون لهم، وبين الكفر بالانتماء والهروب للأمام لدى المؤمنين “بالقرية الكونية”، وبين الركل لكل ما هو قديم لدى الشباب!…وهى متناقضات طبيعية بالنسبة لفترة تتسم بالبلادة والجمود السياسى باسم الاستقرار، وهو فى الحقيقة استقرار التدجين للمثقفين، كما يرمز إليه الإعلان الشهير (إنسف حمامك القديم)، تعبيرا عن الرغبة فى التخلى عن القيم الراسخة والمتوارثة ، فغابت الأصالة وتراجعت المبادئ وانطفأ وهج الإبداع، وبات بعض المستفيدين من النظام قادة بلا ميادين ، وأصبح شباب الفنانين ثوارا بلا قضية!
وبالنسبة لحركة الفنون التشكيلية وصلت المتناقضات إلى حد المفارقة ، حيث تضاعفت بدرجة مفرطة أعداد ممارسى الفن خلال الثمانينيات ، نتيجة لضخ مئات الخريجين من كليات الفنون فى جسمها كل عام مع تزايد عددها، وهم يعانون من ضحالة ثقافية ملحوظة ومن عدم القدرة على التحصيل او التمييز، لأنهم دخلوا هذه الكليات وفقا لمجموع الدرجات لا لامتلاك الموهبة، ما أدى الى ترهل هذا الجسم…وفى المقابل؛ تزايد انكماش الجمهور المتابع لهذه الحركة إلى حد الندرة، نظرا لتمركز قاعات المعارض فى حى واحد بالقاهرة هو حى الجزيرة وضاحيته بالزمالك، وأغلبها يبقى بغير جمهور إلا فيما ندر ، مع عدم وجود أى قاعات فنية بالمعنى الصحيح خارج القاهرة. وتلك نتيجة طبيعيةلنظام تعليمى طرد من مناهجه أية مواد للتربية الفنية والثقافة الجمالية، ولنظام إعلامى وصحافى لا يعترف أصلا بهذه المواد ، ما جعل من الفن نشاطا زائدا عن حاجة المجتمع أو نخبويا بامتياز ولا يهم إلا أصحابه ، لأن السياسة الثقافية للدولة لم تعتبر الفن وتنمية المتاحف الفنية ، بل الثقافة عامة ، ضرورة فى خططها ، لأنها لم تكن معنية ببناء الإنسان أساسا، فسقطت الثقافة خارج دائرة اهتمامها، بالإضافة إلى وقوع الإدارات المختصة بهذه الأنشطة فى قبضة قيادات بيروقراطية وانتهازية كان بعضها بعيدا تماما عن تخصص منصبه ، إنما قَبِل التعيين فيه كمحطة مؤقتة انتظارا للترقى الى منصب أعلى، ومن ثم لا يعنيه إحداث أى تغيير، ويرى من الأفضل بقاء الحال على ما هو عليه.
فإذا انتقلنا إلى المستوى الإبداعى، فإن الفنون التشكيلية بمصر خلال ذلك العقد مرت بثلاث دوائر متباينة المرامى والنتائج، وإن تفاعلت وتداخلت بوشائج تحت السطح وعبر المسار ، فلا تبدو بينها حدود قاطعة، بل كان ثمة تبادل للتأثير والتأثر فيما بينها، تبعا لمتغيرات الخريطة الطبقية والثقافية وللمواءمات السياسية آنذاك، ولتأثير الاقتصاد الحر ومن ورائه العولمة التى تهب رياحها من الغرب على سطح الظواهر…وفى هذا المقال نحاول تشريح وتفكيك المكونات المتداخلة لتلك الظواهر.
* أولى هذه الدوائر يمكن تسميتها(الدائرة القومية)، وأعتبرها ميراثا لمرحلتى الستينيات والسبعينيات واستمرت بقوة القصور الذاتى إلى الثمانينيات، بقيادة رموزها الكبار المتبقين ، معبرين عن روح الهوية المصرية ، فى تحدٍ للمتغيرات التى فجرتها سياسة الانفتاح الاقتصادى وغزو التطرف الدينى وانهيار حلم القومية العربية تحت زلزال اتفاقية كامب ديفيد ، لكنهم مارسوا إبداعهم الجديد باستلهام جماليات البيئةوالتراث الحضارى المصرى، او بالتحليق فى فضاءات الحلم، او باستيحاء ملامح الفطرة الشعبية وموتيفاتها التراثية، كنوع من الدفاع الذاتى فى مواجهة غزو العولمة والجائحة الاستهلاكية، متفاعلين فى ذات الوقت مع اتجاهات الفن العالمى الحديث بقدر متفاوت من التأثر، علما بأن بعضهم كان من فرسان الجماعات الثورية فى الأربعينيات أمثال المصورين: حامد ندا ، حامد عويس ، جاذبية سرى ، زينب عبد الحميد ، وقد امتد بهم العمر والعطاء حتى الثمانينيات ، بجانب آخرين لم ينضموا إلى الجماعات الفنية القديمة لكنهم عايشوا عصرها الذهبى ثم أضافوا إليها من عبقرياتهم ، وامتد عطاؤهم أيضا إلى الثمانينيات حتى وهم فى خريف العمر ، من أمثال المصورين: حامد عبد الله ، عفت ناجى ، تحية حليم ، إنجى أفلاطون ، صلاح طاهر ، حسين بيكار ، راتب صديق…ومن النحاتين: محمود موسى ، محمد هجرس ، كامل جاويش ، أمين عاصم ، حسن صادق ، صلاح عبد الكريم ، آدم حنين ، أحمد عبد الوهاب..(على اختلاف توجهاتهم الفنية وتحولاتهم اللاحقة)..وقد ظل لواءالحداثة والأصالة معا معقودا لهم خلال تلك الفترة من الثمانينيات ، كرجع الصدى لإبداعهم الثورى حتى من قبل ثورة ٥٢ وما بعدها ، بمشاركتهم بفنهم فى قضاياها الوطنية وتبيرهم عن مشروعاتها ومبادئها ، متخذين من اتجاهات الفن الحديث فى الغرب أساليب فنية بمذاق مصرى.
* وقد لحق بهم وتماهى معهم فى نفس الدائرة القومية – زمنيا وإبداعيا – فصيل اكثر تنوعا فى اجتهاداته الفنية ، تألق بعضهم منذ الخمسينيات وظهر بعضهم الآخر فى الستينيات والسبعينيات واستمر عطاؤهم فى الثمانينيات ربما بمذاق مختلف ، فأعطوا مزيدا من الزخم الإبداعى لتأسيس مدرسة مصرية جديدة متحررة من التعبير المباشر ، وعازفة، فى نفس الوقت ، عن التبعية المطلقة للفن الغربى ، وتعددت نزعاتها الفنية؛ بين استلهام الفن المصرى القديم وخصائص البيئة، وبين التعبير عن قضايا إنسانية بأساليب عصرية تنتمى لمدارس شتى ، بدءا من الواقعية التى ترصد ملامح البيئة والحياة الشغبية ، حتى مدرستىْ التعبيرية والوحشية ، وما بينهما من ألوان قوس قزح للمدارس الفنية الحديثة ، على خلفية عريضة من اللهجات الأسلوبية المتفردة، من المصورين: محمود عفيفى، حسن سليمان، سيد عبد الرسول، غالب خاطر، عبد الغنى أبو العينين، عمر النجدى، فاطمة عرارجى، مريم عبد العليم، زينب السجينى، ممدوح عمار، على دسوقى، إيهاب شاكر، بخيت فراج، زكريا الزينى، إسماعيل طه، فاروق شحاته، سعيد حداية، جورج البهجورى، عبد الرحمن النشار، شاكر المعداوى، محمود بقشيش، فتحى أحمد، وفيق المنذر، احمد شيحا، عبد المنعم مطاوع، عصمت داوستاشى، نبيل وهبة، مصطفى الرزاز، فرغلى عبد الحفيظ، حمدى عبد الله، فاروق وهبة، حلمى التونى، نازلى مدكور، محمود ابراهيم، مصطفى مشعل، صلاح عنانى، سغد زغلول، محمد عبلة، فتحى عفيفى، شوقى زغلول، عزالدين نجيب….ومن النحاتين: عايدة عبد الكريم، عبد الهادى الوشاحى، فاروق إبراهيم، محمد مصطفى، عبد الحميد الدواخلى، صبرى ناشد، حمدى جبر، الغول أحمد، عبد المجيد الفقى، أحمد جاد، محفوظ صليب، محمد العلاوى، محمد عبد الحميد، محمد جاهين، على حبيش، محمد عثمان، السيد عبده سليم، محمد رزق….ومن الخزافين: نبيل درويش، محمد مندور، جمال عبود، سمير الحندى، سلوى رشدى…وفى النحت الخزفى: زينات عبد الجواد، زينب سالم، حسن عثمان، مرفت السويفى، محمد الفيومى.
* وتزامن مع هؤلاء فى نفس الدائرة اتجاه(الحروفيين) الذين استخدموا حروف الخط العربى ، واتجاه آخر ممن استخدمواالموتيفات الزخرفية المجردة(الأرابيسك) او الموضوعات ذات الطابع الفطرى والشعبى لبناء رؤى جمالية تعايش ذوق العصر، وتتراوح بين التجريد والتشخيص، وبين التعبير الزخرفى والإثنولوجى، وكان لهذين الاتجاهين امتداد فى كثير من الدول العربية لقيا رواجا بين المقتنين فى زمن الانفتاح الاقتصادى وواكبا المد السلفى من ناحية، والحاجة الى الزينة لدى محدثى الثروة النفطية من ناحية أخرى، حتى ولو لم يكن مبدعو تلك الأعمال يهدفون إلى ذلك، ومن نجوم هذين الاتجاهين الفنانون: خميس شحاتة، أحمد مصطفى، يوسف سيده، عمر النجدى، طه حسين، صالح رضا، كمال السراج، حسنين على، عبد الوهاب مرسى، سعد كامل، مصطفى عبد المعطى، حسين الجبالى، سامى رافع، على دسوقى، مكرم حنين، حسن غنيم، فتحى جودة، عبد المنعم معوض، كمال يكنور، عطية مصطفى، محمود عبد العاطى، عوض الشيمى، مجدى عبد العزيز، سهير عثمان…وفى النحت الخزفى: محمد الشعراوى، حسن عبد الحميد.
* الدائرة الثانية -أواسط الثمانينيات- كانت من شقين متوازيين، ميزت بينهما فوارق فكرية وتشكيلية كبيرة ؛ الشق الأول أسميه(الشكلانيين)، وهو يتجرد من السمات التراثية والقومية، ومن المضامين الاجتماعية أو الفلسفية، ويسعى لتحقيق الحداثة الشكلية بالتركيز على تقنيات التشكيل والخامة، وينتمى أصحابه إلى اجيال مختلفة يصب إنتاجها فى عقد الثمانينيات، ورغم انه كان موجودا منذ الخمسينيات فقد انتعش فى الثمانينيات مع تصاعد حلم العالمية فى الفن والأدب واجتياح العولمة فى الاقتصاد والسياسة، وتتراوح أعماله بين التجريدية البحتة والتجريدية التشخيصية والتجريدية التعبيرية والتجريب الشكلانى، ومع ذلك لم يخل القليل من أعمال هذا الاتجاه من بعض المشخصات او الرؤى الرمزية او من الاستلهام من عناصر زخرفية محلية، دون أن يتخلى أصحابها عن قناعتهم الأساسية بابتعاد الفن عن أى أهداف أخرى غير ذاته. ومن قادته فى الثمانينيات المصورون: منير كنعان، محمود البسيونى، أبو خليل لطفى، أحمد فؤاد سليم، عبد الرحمن النشار، فاروق حسنى، حامد الشيخ، نعيمة الشيشينى،
كل التفاعلات:

Abir Abdulrazzak Hleihel، وMohamed Foad El Shazly و٢١ شخصًا آخر

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »