18/9/2022
استغاثة عاجلة تلقيتها من السيدة الفاضلة رجاء راشد أرملة الخزاف الكبير الراحل نبيل درويش تقول :” إنهم سيهدمون متحف نبيل درويش من أجل بناء محور المريوطية”، وأخبرتنى أن مهندسى الهيئة العامة للمساحة التابعة لوزارة الموارد المائية والرى قد قاموا بالرفع المساحى للمتحف من كافة جهاته وأبعاده حتى الداخلية ، وأخبروها شفويا بان هذا تمهيد لبدء إجراءات مشروع المحور الذى قد يمر من منطقة المتحف.
ولعلم القارئ ؛ فإن المتحف على خريطة السياحة بمحافظة الجيزة منذ تأسيسه عام ١٩٨٧ على نفقة صاحبه ، وقد خطط قبل وفاته عام٢٠٠٢ ان يقدمه كهبة لوزارة الثقافة لإدارته فتعثرت جهوده فى سبيل ذلك ، وكذلك حاولت أسرته من بعده دون جدوى ، ومن المعروف أن طريق المريوطية كان حافلابمتاحف أخرى عديدة ، مثل متحف رمسيس ويصا واصف للنسجيات المرسمة ، ومتاحف الفنانين محيى الدين حسين وعايدة عبد الكريم وزوجها زكريا الخنانى للنحت البللورى، ومتحف النحات آدم حنين، وفيما عدا هذا الأخير فإن أغلب تلك المتاحف متعثر ويعانى صعوبات جمة تَحُول دون استمرارها حتى تم تصفية بعضها كمتحف محيى الدين حسين ، وأهم أسباب التعثر هو الإدارة التى كانت وزارة الثقافة قد وعدت بالقيام بها ثم تراجعت عنها ، رغم أنها قد عُرِضت عليها كهبة من أصحابها.
ها هو الفنان يبادر بتقديم أغلى ما يملك للدولة لإتاحة وصول فنه إلى الجماهير بعد أن بنى متحفه من حر ماله ، والدولة تتجاهل يده الممدودة بالعطاء بل تسعى لهدم ما أعطى ، وهو ما يذكرنا بمأساة أعمال الفنانة الخالدة إنجى أفلاطون حين وهبت أسرتها بعد رحيلها عام ١٩٩٠ كل تراثها (١٠٠٠لوحة) لوزارة الثقافة لتقيم نها متحفا خاصا بمنطقة الفسطاط تم بالفعل تخصيصها لذلك ، لكن الوزارة تقاعست عن البناء قرابة ٢٠ عاما ، وظلت اللوحات مخزٌَنة بطريقة مزرية بمتحف الفن الحديث ، ولما يئست الأسرة من بناء المتحف أو حتى من استرداد اللوحات اضطرت للجوء الى القضاء ،وبعد سنوات حكم برد الهبة إلى أصحابها لنكوص الوزارة بعهدها ببناء المتحف ، لكنها سلمتها إلى الورثة ناقصة ١٣٠ لوحة ، منها ٧١ اختفت وقيدت ضد مجهول والبقية احتفظت بها للعرض فى متحف الأمير طاز بشارع المغربلين ، وهو آخر مكان يصلح كمتحف لمثل هذه اللوحات !
واليوم يبدو انه قد آن أوان الهدم المادى المباشر بالبلدوزر لمتاحف الفنانين ، استكمالا لسياسة المحاور العابرة للأحياء والأموات ، وكأن الدولة تطور من أساليبها الهجومية على تراث الرواد والمبدعين، دون ذرة خجل أو تردد أو مبالاة بالتراث ، بالرغم من تدخل رئيس الجمهورية شخصيا بإيقاف كارثة هدم مقبرة عميد الأدب العربى طه حسين معلنا أننا دوله تحترم التراث والرواد والقانون ، لكن “دولة أخرى” فيما يبدو تمارس فعلها الهمجى بعيدا عن دولة ” الجمهورية الجديدة”وعن رئيس الجمهورية ، مستخدمة البلدوزر بدلا من الحكمة والتحضر ، وتواصل مسيرتها “المظفرة” فى الهدم العشوائى بقانون الأمر الواقع ليس إلا ، طالما لم تدفع مليما واحدا لبناء ما تهدمه ، وطالما هى فى مأمن من المحاسبة والعقاب ،وطالما هى لا تعرف لمتاحف الفن قيمة ، ولمقتنياته ثمنا أو قيمة !
إن نبيل درويش أكبر من مجرد خزاف عظيم ، بل هو رائد ثورة فى فن الخزف المصرى ، بل أصبح علما من أعلامه فى العالم ، وكشوفه التقنية الضاربة فى جذور الحضارة المصرية تعد مدرسة للخزافين المصريين والدوليين أيضا ، واحتلت أعماله المقتناة أماكنها فى أكبر المتاحف الدولية ، وأضحت نظرياته العلمية حول تقنيات الحريق بالدخان والاختزال تدرس فى بعض أكاديميات الفن ، فضلا عن قيامه بتدريسها بنفسه كأستاذ بكلية الفنون التطبيقية بالجيزة منذ تعيينه عام ١٩٦٥ كمعيد ثم أستاذ بها حتى رحيله وتخرجت على يديه أجيال وراء أجيال.
إنهم قادمون إذن للهدم ، فلنقم جميعا ببناء حائط صد للمعارضة الحضارية ضد البلدوزر قبل أن يأتى ، ذلك أن المستهدف اليوم هو نبيل درويش ، وغدا لا ندرى من يكون!