بيكار..جسر الجمال لبنى وطنه

فيس بوك يناير 2022

كان بيكار هو الأب الروحى للفنانين المصريين طوال النصف الأخير من القرن الماضى ، فوق رهافة إحساسه النقدى بغير تنظير او حذلقة ، مع حرصه فى كتاباته عن الفن على أن يضفى عليه لمسة أدبية وإنسانية تجعله وجبة مشوقة للقراء حتى غير المتخصصين او المهتمين ، فكسب بذلك قاعدة عريضة من المتذوقين الى مجال الفن ببساطة ونعومة كشخصيته تماما.

وبالرغم من اضطهاد السلطات له فى عقيدته الخاصة ، فلم يسمح للحقد ان يجد طريقه الى نفسه ، او ان يمس شعوره القوي بالانتماء الى وطنه ، بل كان دائما سباقا الى التغنى به والمشاركة فى أفراحه وانتصاراته وانكساراته بقلبه الحانى الذى يهدهد الجرح ولا يلهبه ، ودائما كان يتقصى فى الفنان الذى يكتب عنه جانبه الإيجابى ، وينفر من التلميح الى الجوانب السلبية ، لعدم رغبته فى كسر خاطره ، ولحبه الفطرى الصادق لكل ما هو جميل ، خاصة فى اختياره لوجوه الجميلات الأرستقراطيات فقط ليرسم بورتريهات لهن ، وقد سالته منتقدا لذلك يوما وانا اجرى حوارا معه لإحدى المجلات ، وهل يحاول بذلك تجميل صورة الواقع بملامح مصطنعة؟.. فتغاضى عما وراء سؤالى من تلميح طبقى او إشارة إلى المقابل المالى لرسمهن ، و قال بسماحة ما معناه ،ان الفنان يختار ما يحبب المتلقى فى الفن، والجانب الجميل من كل شىء هو أكثر ما يقرب الفنان من الناس ، وهم لديهم من الهموم والكآبة ما يكفيهم وزيادة ، أما بورتريهاته للجميلات فهو يأخذ حقه اولا بالاستمتاع برسمهن ، ولا يشترط عليهن مبلغا معينا مقابل ذلك ، وكثيرا ما أعاد الى بعضهن جانبا مما أعطينه إياه من المال مكتفيا بما يحتاج إليه فقط ، كما يحصل على سعادته – قبل المال – من إسعادهن عندما يرين انفسهن فى اللوحات.

غير اننى بعد تأمل عميق لكثير من هذه البورتريهات ، ومن اللوحات خاصة التى رسمها عن النوبة اثناء بناء السد العالى ، بما تشمله من ملامح باذخة الجمال حتى تقترب الفتيات النوبيات احيانا فى لوحاته من جمال عارضات الأزياء الرشيقات الفارعات ، وجدته من اكثر الفنانين اهتماما بالبناء والتصميم و البحث عن الحلول الجمالية ، مجتهدا قدر استطاعته فى الخروج من القالب الاكاديمى أو الوصفى ، ومحاولا التجريب الهادئ والرصين فى تحليل الفورم ، وإيجاد علاقات خطية ولونية ، وإيقاعات نغمية وهارمونية بين عناصره ، مما يكسب أعماله ملامح محببة الى الذائقة الجمالية العامة ، كالشاعر الذى يتغزل فى جميلاته ويضفى عليهن من الصفات النابعة من خياله أكثر مما يوجد فى طبيعتهن.

وعلى نفس الدرب كانت مسيرته طوال رحلته مع الفن ، منذ سخٌَر كل موهبته للرسم للأطفال بمجلة سندباد ، تلك الرسوم التى انطبعت فى ذاكرة وقلوب الاطفال والشباب على مدار عدة عقود و اجيال ، حتى توقفت المجلة عن الصدور ، وكم من مواهب فنية لمعت لدى الكثيرين – وأنا أحدهم – تأثرا بهذه الرسوم ، ودفعتهم الى الالتحاق ، عندما كبروا ، بكلية الفنون الجميلة ، ويكاد هو أن يكون أستاذ الفن الوحيد فى مصر الذى استقال من عمله كأستاذ ورئيس قسم التصوير بالكلية العريقة ، ليعمل رساما بالصحافة ، حتى تصبح دائرة تأثيره الجمالى اوسع كثيرا بالجمهور الذى يخاطبه ، وكان ذلك من حسن حظ الفنانين والقراء معا ، إذ خصصت له جريدة الأخبار بابا أسبوعيا كل يوم جمعة يلتقى فيه برسومه مع مئات الألوف من القراء ، فحوٌَل ثلثى المساحة المخصصة له الى مقال نقدى يقدم فيه كل اسبوع فنانا جديدا اومعرضا جماعيا مميزا أو مدرسة فنية عالمية ، وتفتحت بذلك موهبته النقدية النابهة ، فكانت المقالة بمثابة اكاديمية يتعلم فيها عشرات الآلاف من المواطنين كيف يتذوقون الفن ويصبحون من عشاقه..الم يكن ذلك أجدى على الحركة الفنية والذوق العام من الانطواء خلف أسوار الكلية بالزمالك ، بقواعدها الاكاديميةالجامدة وأعداد طلبتها الذين كانوا يعدون آنذاك بالعشرات لا أكثر؟!

هو ذاك بيكار ..مؤلف القلوب والأذواق حول الجمال ، وخيط العقد بين أجيال الفنانين ، وجواهرجى المواهب ، ينتقيها من بين اكوام الصفيح والخردة حتى تصل الى الناس عبر كلماته وهاجة كالذهب ، او نفيسة كالأحجار الكريمة !

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »