فيس بوك 24 ديسمبر 2022
إنه عالم عجيب حقا..!
عالم النفوس المجهضة والمقعدة والمجهدة بشتى أمراضها وأغراضها ، بجنونها وحكمتها ، بفيوضها الروحية وجراحها النفسية ، بخداعها لذواتها قبل خداعها للغير عبر طبقات من الأقنعة ، وتُقابلها فى الناحية الأخرى نفوس صدقت وبادرت بكشف الأقنعة ومواجهة الفساد.
وبقدر ما يحفل فيسبوك بمثل هؤلاء الشرفاء ، وهم يستبسلون فى مواجهة الاستبداد والجريمة والانحطاط والخداع ، كذلك يحفل بمروجى الأكاذيب والنميمة، وبالأباطيل والمطبلين للباطل والمبررين للفساد والمدافعين عنه والمتلونين بشتى الألوان ، وليس أقل منهم العابرون عل الصفحات و”البوستات” مرور الكرام لا يعنيهم حق او باطل او حقيقة من وهم..فهم المتفرجون فى حلبات المصارعة ومدرجات كرة القدم بلا ناد ينتمون اليه او فريق يشجعونه!
إنه عالم النفوس المحبطة أو الميتة والأحلام المجهضة ، وعقد النرجسية وجنون العظمة وجنون الاضطهاد والسادية والماسوخية ، كما أنه عالم اليائسين وكسيرى النفوس او القلوب ، ومشيعى الهزيمة والاكتئاب ، وفى خضم كل هؤلاء هو عالم الشعراء والفنانين، والمبدعين الحالمين بالمجد ، او بالحق والخير والجمال ، والداعين الى الإصلاح والتغيير لصالح الشعوب والإنسانية.
لو عاش ديستويفسكى او جوجول أو كافكا او تشيكوف او همنجواى عصر الفيسبوك كما نعيشه الآن لأثرى مواهبهم وتجاربهم الإنسانية بأضعاف ما تغذت به رواياتهم وقصصهم البديعة فى كشف النفوس البشرية وتناقضاتها العجائبية. بل لو عاش فان جوخ هذا العصر لوجد فيه دوافع لانتحاره أشد مما دفعه إليه عصره ، وربما لو عاش فيه سلفادور دالى لرآه أكثر جنونا وسريالية مما عبر عنه فى لوحاته ، أما صمويل بيكيت وأقرانه من كتٌَاب اللامعقول فى الستينيات ، فربما لو عاشوا عصر الفيسبوك لتحولوا الى ما هو أشد عبثية ويأسا بشأن المصير الإنسانى!!
غير أن أسوأ مافى الفيسبوك هو أن الأكذوبة تعيش وتتضخم وتجد من يصدقها بسرعة الصاروخ ، فيصبح المزيفون نجوما وأبطالا تنفتح امامهم الابواب وتتسع المساحات حتى يصدقوا أنفسهم بانهم فعلا كذلك ، فإذا لم يجدوا ما يشبع غرورهم ونهمهم الى الاضواء والمكاسب التى لا يستحقونها أصلا ، انقلبوا ناقمين على المجتمع ساخطين على مؤسساته ، يدينون ما يعتبرنه ظلما يحيق بهم ، ويملأون صفحات الفيسبوك صراخا وعويلا ويمطرون زمانهم باللعنات ، لكن الأكثر حصافة منهم فى استخدام وسائل الدعاية الديماجوجية ، ولو بتقليد المهرجين فى أزيائهم ، والنصابين فى نصبهم ، ويملأون الصفحات كل يوم بالدعاية لانفسهم عن أعمال يدعون انجازها خارج البلد بلا دليل على حدوثها إلا شهادات وصور يؤتَى بمثلها من مهرجانات ودكاكين الشهرة مدفوعة الثمن ، وبذلك يحصلون على ألقاب الفنان العالمى وما إلى ذلك ، وسرعان ما يتحولون إلى نجوم يلهث وراءهم بسطاء الفهم والفكر – وما أكثرهم – ويمطرونهم بعدد هائل من “اللايكات” .
أما المبدعون الحقيقيون – وهم الأقل عددا على فيسبوك – فصوتهم خافت وينأون بأنفسهم عن أساليب الهجص الشائعة ولو كانت حصيلتهم من “اللايكات” والتعليقات قليلة او نادرة ، وهذا على كل حال مقياس لمستوى الثقافة والوعى فى بلادنا وما يشبهها من بلاد، ليس على صعيد الفن والادب والثقافة فحسب ، بل على مختلف المجالات من الفكر والسياسة ، حتى الإعلام والتعليم.
وقد يقال إن هذا حال العالم كله وليست مصر فيه استثناءا ، وهذا صحيح ، لكنه قول مبتور ، لا يكتمل إلا بحقيقة انه وضع يترسخ ويستفحل لدى الشعوب المتخلفة ، السائرة كالقطعان ، مدفوعة بحاجات نصفها الأسفل وحده ، بغير مشروع يجذبها للنهضة والتقدم لاوطانها ، مهما بدا على سطح مجتمعاتها من مظاهر لإنجازات التنمية الحجرية ، لكنها بعيدة عن التنمية البشرية بعد السماء عن الأرض، وأعمدتها هى العقل والثقافة والذوق والحرية، او بكلمة واحدة..بعيدة عن بناء الإنسان.
ربما تتفقون معى أو لا تتفقون فيما شخٌَصت به حالة الفيسبوك ،لا بأس !..فلتعتبروها فضفضة من فوق فراش المرض ، أردت بها التنفيس عن كرب النفس ، ولو رآها البعض تخاريف ؛ فلتكن كذلك ، فليس على المريض حرج!!!