14 نوفمبر 2022
منعتنى أزمة صحية من زيارة معرض الفنان تيسير حامد الذى انتهى منذ أيام ، لكن ألبوم اللوحات الذى نشره كان من الوضوح والنصاعة اللونية إلى حد جعلنى أعيش داخل معرضه وأتذوقه باستمتاع كما لو كنت أتجول فيه ، فحرضنى ذلك على كتابة انطباعات عفوية عنه ، مستحضرا بالذاكرة لوحات كثيرة سبق ان شاهدتها من أعماله فى معارض سابقة بنفس الأسلوب.
إن لوحاته أشبه بجداريات معمارية توحى بالصرحية ، تقوم على أنغام تجريدية مصرية تتخللها شرائط ترشح بزخارف شعبية وتعكس خربشات الزمن التى توحى بتاريخ وأحداث غامضة ، يصبح المشاهد شريكا فى استخلاصها.
هذه الجداريات تتماوج عليها موجات خطية ولونية أشبه بدندنات إيقاعية تتكون أصواتها بالخط واللون والتجريح ، وتتذبذب علوا وهبوطا وسط الأشكال الهندسية الجامدة.
ألوانه تأتى احيانا من فصيلة الألوان الساخنة، تتوهج بالضوء النهارى المشع بوهج الشمس ، وتأتى احيانا أخرى من فصيلة الالوان الباردة كالأزرق والرمادى والبنفسجى وكانها انعكاس لضوء القمر ، وفى الحالتين تشكل هذه الألوان أشكالا هندسية أساسها المربع والمستطيل والدائرة ، وتتداعى بتراتبية نغمية ، لكنها تتجلى فى أحيان ثالثة بمذاق قديم معتق ، أو تَشغِى بالحركة من تأثير ما يشبه خيوط النسيج المرهفة التى يوجدها الفنان بواسطة التهشير ، الذى يلعب دورا أساسيا فى خلق
الحركة الداخلية بين المربعات والمستطيلات المنتظمة الساكنة .
ويبدو واضحا تأثره بالفنان التجريدى العالمى موندريان فى تكويناته الهندسية ذات الخطوط المستقيمة والمتقاطعة ، لكن يمكننا القول أن تيسير كساها لحما وفجر المشاعر الإنسانية فى أشكالها الساكنة بتركيبها العقلانى الصارم ، فأضفى عليها روحا شرقية فياضة بالمشاعر والحس الغنائى والفيوضات الروحية ، رغم غياب الإنسان بجسمه وملامحه ، وكانت شحنته التعبيرية تتكون من أشكال توحى بالنباتات المتماوجة او بالحروف العربية المتداخلة او بالخيوط النسجية المتحركة ، وأطلق كل هذه الكائنات ترعى وتتداخل بين المساحات والخطوط المستقيمة رأسيا وأفقيا ، فكسرت إيقاعها الرتيب وصرامتها الهندسية ، وسمحت للخيال ان يسرى فى مفاصلها فيخلق رؤى وأنغاما بصرية ومعنوية تبعا لخيال كل مشاهد.
هكذا تستطيع الموهبة الناضجة أن تهضم التراث العالمى حتى ذروة الحداثة فيه ، وحين تضفره بملامح خصوصيتنا الحضارية والتراثية يتم التزاوج الإبداعى بين المحلية والعالمية.

