تعويذة اللوتس..هل تحيِى الحب والبراءة؟

فيس بوك 1 اعسطس 2022

 

إجهاض الحب تحت ثقل الغزوة البهيمية ، بذور اليأس لا تخصب أرضا ولا رحما مهما رويتهما بماء النيل ، هو الحب وحده القادر على ريٌِهما وبذر نطفة الخصوبة فيهما ، زهرة اللوتس التى تولد من شعاع الشمس تذبل وتنكفئ على بتلاتها ، ويبقى الانتظار الأخرس لإشراقة النور كى تتفتح من جديد ، من الحب يشع الضياء ويولد الأمل وتتفتح زهرات اللوتس.
حالات شعرية متناقضة بين الحياة والموات ، وبين الازدهار والانكسار ، وبين الشر والبراءة ، وبين الجدب والخصوبة ، وبين اشتعال الرغبة وانطفائها ، وبين الحَمل وميلاد الجنين ميتا ، وتذرف الأم عليه دموعا زرقاء من حجر أو صلصال ، وبين حالات شجنية من الغناء والبكاء ، ومن الفرح والكآبة …
بين ذلك كله تتراوح لوحات الفنانة أمل أحمد مصطفى فى معرضها الحالى بقاعة الهناجر بالأوبرا تحت عنوان “تعويذة اللوتس” ، نراها تحرص على إلحاق اسم والدها كاملا باسمها ، اعتزازا به كمناضل يسارى أعطى للوطن ما فى وسعه وتغرٌَب فى البلاد ورحل فى صمت النبلاء ، لم تستطع أن تكون مناضلة مثله ، فذلك كان يقتضى أن تتخفف من أنثويتها وأََنَوِيٌَتها الهشة، لتعلو فوق ذاتها المحاصرة بالغلظة الذكورية التى تحبط فيها الرومانسية ، ولم يكن ذلك ضمن قدراتها ، فدفعت بطاقتِها الى اللوحة بكل عنفوان التعبير الدرامى ، وقد نراها أقرب إلى المدرسة الحوشية (فوفيزم) التى انطلقت من معرض سماه النقاد “قفص الوحوش” فى باريس أوائل القرن الماضى ، قبل ان يستأنس “ماتيس” وحشيته ويأخذه الى حديقة من الألوان البرية البدائية ، متخليا عن توجهه الأول وهو إطلاق الطاقات النفسية الحبيسة وكأنها تندفع اندفاع الوحوش ، فآثر هو فى النهاية أن تكون لوحته بمثابة كرسى هزٌَاز يسترخى فوقه الإنسان بعد يوم من الإجهاد والتوتر.
لكن حب الحياة لدى “أمل” ينجح فى ان يخفف كثيرا من عنف الطاقة السلبية للمدرسة الحوشية ، بعد أن أحاطت وجوهها بالورود والزخارف الشرقية وعقود اللآلئ وأغصان الجنة ، لكن العين الفاحصة عن قرب تلمس فى اللوحة ما وراء الرقة الظاهرية من أشواك وسنون حادة قد تشبه الفكاك المفترسة !
إن التركيبة الأنثوية الرقيقة للفنانة ، الشغوفة بفنون الرقش والتطريب الخطى واللونى ، بل والقريبة من فنون التطريز والوشى ، ومن الاحتفاء بتماوجات الخطوط كعزف جماعى لآلات الكمان ، تنطوى فى ذات الوقت على حدٌَة قد تصل حد الشراسة فى تصوير وجوه تختزن مشاعر الحزن واليأس والغضب ، تتجلى فى نظرات العيون الجاحظة والملامح المتقلصة فى انتظار ادنى احتكاك لتنفجر ، تلاحقك بنظرات اتهام أو هزيمة أو تحَدٌِى يعاند الاستسلام ، واللون بدوره يحمل نفس الشحنة القوية، خالقا تضادا (كونتراست) بين سخونة الأحمر والبرتقالى والوردى ، وبين برودة الأخضر والرمادى والأزرق ، أما الخطوط ذات الزوايا والشظايا فتجعلك تقف أمامها متحفزا او متوجسا ، فيما تنهمر أمامك من السقف دموع حجرية او بلاستيكية بحجم مزهرية ولون حجر فيروزى ، ومعلقة بخيوط غير مرئية ، فلا تدرى إن كانت دموعا تذرفها شخصياتها أم أنها دموع الفنانة على المصير المأساوى للإنسانية ، وكثيرا ما تتماهى ملامح تلك الشخصيات مع ملامح الفنانة ذاتها، خاصة من خلال العيون الوسيعة الشاخصة كعيون وجوه الفيوم منزوعا منها السلام الأبدى لوجوه التوابيت ، ومنزوعا منها كذلك أكاليل الغار حول رؤوسها ، حيث حلت محلها فى بعض الوجوه أكاليل الشوك ، لتبدو نماذج لضحايا العنف والقسوة والانتهاك ، ولن نرى فى المشهد فعل هذا الانتهاك ، فليس ذلك مهمة اللوحة ، حيث يكفيك أن ترى رد الفعل عبر انعكاس أثره على الوجوه.
وقد علمتُ أن إدارة قاعة الهناجر قد صادرت تسع لوحات لنساء عاريات رسمتهن الفنانة ، بحجة أنها تخدش الحياء ، ولأننى شاهدت صورها الفوتوغرافية ، يمكننى القول أنها أقرب الى تجسيد لحالات الانتهاك الذكورى لجسد المرأة وروحها ، وبعضها تجسيد لحالات التلاحم العاطفى والإنسانى المفقود بين رجل وامرأة، رُسِمت بحِسٌ الأسلوب الضارى للمدرسة الحوشية ، ساهمت فى تجسيده حركة الخطوط واللمسات والألوان العنيفة المتباينة ، أكثر مما بدا فى البورتريهات المعروضة.
اكتظ المعرض بتقنيات وأساليب شتى ، بين تجسيم لبعض الشخصيات والورود بعجائن لونية أو لدائن ورقية ، واستخدم القص واللصق لشرائح ومواد بارزة أو ناعمة ، وتمت الاستعانة بأمشق وموتيفات زخرفية مما تخصصت فيها الفنانة فى دراستها الأكاديمية بقسم الديكور بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية ، بعضها مستعار من زخارف الفن الإسلامى ، وبعضها من المصرى القديم ، بل ولا نعدم وجود تأثيرات من الزخارف الهندية أحيانا ، تزداد كثافتها الى حد الاختناق بها مثلما نختنق بكثافة البخور الهندى الفاغم ، بل نجدها تستعين حتى بالمجسمات المشكلة فى الفراغ ثلاثية الأبعاد أقرب الى “الأنستلليشن”، بل كذلك بأعمال نحتية كاملة بِحِسٍ سريالى ، وكأن المعرض (آخر زادها) فى التجارب الفنية ، فأرادت أن تجرب كل شىء ، وظنى أنهاستتخلى عن الكثير من تلك التجارب فى معارضها القادمة ، حيث ستكون اكثر استقرارا وثقة فى نفسها ، لأن “التعبيرية” التى تنتهجها أسلوبا ، قد تتحقق بأبسط الأشكال والخامات ، طالما احتفظت بالطاقة التعبيرية الجياشة ، ولديها منها الكثير ، وقد تبرر إسرافها فى تلك التقنيات التجريبية إقامتها فى أمريكا طويلا، مما يستدعى منها البحث عن الإثارة بمثل تلك الوسائط كى تلفت أنظار جمهور متخم بكل انواع الأساليب الغرائبية ، فراحت تبحث عن “تفرد ما” وسط الزحام ليكون رهانها على كسب مساحة متفردة تقف عليها ، لكنه فى الحقيقة رهان لا يُعَوٌَل عليه ، ذلك أن ما يصمد فى المنافسة هو الصدق وفيض الإنسانية الذى تنضح به الأعمال..طال الزمن أم قَصُر
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »