ثروت عكاشة.. كيف غير مسار حياتى!

كيف غير مسار حياتى!

فيس بوك

21 يوليو 2020

كتب :عز الدين نجيب

هو الرجل الوحيد الذى لا أملٌ الكتابة عنه مرارا ؛ ففوق أنه باعث نهضة ثقافية لا تزال مصر تحيا على إنجازاتها وعلى ما شيده من أعمدة لبنيانها منذ أكثر من٦٠ عاما ، فقد كان سببا فى توجيه مسار حياتى الشخصية وأنا فى مطلع شبابى ، ولم يكن ذلك بالنسبة لى وحدى ، بل لجيل كامل تحول حلمه الشخصى الى حلم للوطن والارتقاء به عبر الثقافة والفن ، أى إلى باب سحرى لتغيير وعى الإنسان والمجتمع ، لامجرد إشباع متعته بغذاء الفنون والآداب.

ذلك هو ثروت عكاشة ، الرقم الصعب فى صف الضباط الأحرار عشية قيام ثورة ٢٣ يولية ١٩٥٢، وأول وزير حقيقى لثقافة مصر فى تاريخها ، وتحديدا منذ عام ١٩٥٨ … وبالرغم من تنشئته العسكرية الصارمة – كأحد الضباط الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم ليلة الثورة ، بما يعنى امتلاكه بداخله جهازا نفسيا قاسيا للضبط والربط والحسابات الدقيقة على أرض الواقع، وللثبات الانفعالى أمام التحديات ، إلا أن تكوينه النفسى كان عكس كل ذلك ، إنه تكوين فنان حالم رقيق المشاعر سريع الانفعال والغضب ، سريع الصفو كطفل ، بجانب انه عاشق للاطلاع على كل انواع المعرفة بعدة لغات..فى الادب ، والفن ، والمسرح، والسينما ، والفنون التشكيلية ، والموسيقى ، والتاريخ ، حتى أن له ترجمات لبعض الكتب فى هذه المجالات ، وفى عالم المتاحف أعدٌُه أحد أهم العارفين الثقات بمحتوياتها ، وصديقا لأهم مديرى متاحف الفن الكبرى فى العالم حقيقة لا مجازا ، فمن يقرأ أجزاء موسوعته الفنية المبهرة “الأذن تقرأ والعين تسمع” يجد أن أغلب الصور الملونة المطبوعة التى أوردها بين صفحاتها والمأخوذة من أرشيفات متاحف اللوفر بباريس وناشيونال جاليرى وتيت جاليرى بلندن ومتروبوليتان وجوجنهايم بنيويورك….الخ..استعارها بموافقات كتابية على استخدامها من مديرى هذه المتاحف بناء على علاقته الشخصية بهم ، ويأخذنا ذلك إلى براعته المشهودة ككاتب يملك أسلوبا مميزا وقادرا على شرح وتحليل أدق مسائل التذوق الفنى التى تتطلب متخصصين فى الموسيقى والفنون التشكيليية بمدارسها واتجاهاتها الفنية وأعلامها والمؤثرات التاريخية لعصورهم ، والظروف الشخصية لكل منهم ، ورغم انحداره من عائلة برجوازية، وتلقٌِيه ثقافة نخبوية على أسس غربية بحتة ، فقد كان مؤمنا بثقافة الشعب للشعب ، وبدور المثقف فى ترقية وتنوير الطبقات الشعبية حتى فى أقاصى القرى وصغريات المدن والأحياء الشعبية الفقيرة ، ولقد عايشته فى ذلك كله من خلال عملى معه وعلاقتى به عبر كثير من المواقف فى الثقافة الجماهيرية عند اختيارى لتأسيس وإدارةقصر الثقافة بكفر الشيخ بين ١٩٦٦- ١٩٦٨، ثم عند تكليفى بإدارة قصر المسافرخانة بالجمالية والإشراف على مراسم الفنانين التشكيليين به ١٩٦٩.

والغريب أنه يعترف فى مذكراته بأنه كان زاهدا بشدة فى تولى وزارة الثقافة حين طلب منه صديقه الرئيس جمال عبد الناصر وألح فى طلبه منه قبولها ، وكان رفضه نابعا من خوفه من هيمنة الطابع العسكرى والسلطوى والتعبوى على العمل الثقافى ، وهو فى رأيه ينبغى أن يكون متمتعا بالحرية المطلقة للمثقفين والمبدعين ، فلم يشأ أن يكون تطويعهم لدواعى العمل الموجه بأسباب سياسية على يده ، إلى جانب حرصه على حريته الشخصية فى الكتابة والبحث والاستمتاع بالفنون المختلفة ، لذلك كان يفضل وظيفة السفير التى قبلها بترحاب فى أكثر من دولة أوروبية ، حيث يوفر له المنصب كل ما يهواه بجانب عمله الدبلوماسى والسياسى من أجل وطنه ، وعندما رضخ فى النهاية لرغبة صديقه ورفيق رحلة كفاحه عبد الناصر بعد أكثر من مقابلة لإقناعه ، حرص على ان يقدم له مشروعا يحمل الحد الأقصى من أحلامه للثقافة ، متوقعا أن يحاول الرئيس تخفيض سقف طموحه ، فإذا به يجد الرئيس يوافق عليه بالكامل ، بل ويقترح عليه إضافة مشروع “الثقافة الجماهيرية” كمؤسسة مركزية للنهوض بوعى وثقافة المصريين(حسبما ذكر فى مذكراته) ، بل المفاجأة الأكبر أنه وافق كذلك على طلبه الشجاع فى ذلك الوقت الاستعانة بقادة من اليسار المصرى وبرموز الاستنارة ليتولوا قيادة عدد من هيئات الوزارة ومناصبها، لإيمانه بأنهم الأجدر بتحقيق مشروعه، بالرغم من أنه لم يكن يساريا فى اى يوم من الأيام.

هنا كانت الطفرةالكبرى فى مشروعه الثقافى الشامل ، الى جانب مشروعاته الأخرى فى وضع البنية الأساسية للنهوض بالمتاحف وإنشاء أكاديمية الفنون بكل معاهدها الفنية ، وإقامة وتطوير المسارح ودور السينما ومؤسسات الإنتاج السينمائى وإحياء التراث وإنقاذ آثار النوبة ونقل معبد رمسيس الثانى الى أبو سنبل مع قرار بناء السد العالى ، وتأسيس الفرق الموسيقية الشرقية والأوركسترالية وفرق الباليه والفنون الشعبية وإرسال البعثات الى الخارج لدراسة هذا كله بل كذلك لدراسة فن النسجيات المُرسٌَمة التى أنشأ لها دارا فى حلوان ، وإقامة الهيئة العامة للكتاب ونشر المكتبات العامة وقاعات الموسيقى ومكتباتها…الخ…لكن يظل مشروع الثقافة الجماهيرية هو التحدى الأصعب فى مشروعه الكبير، لأنه يتعامل مباشرة مع المساحات الأشد إظلاما بامتداد أرض الوطن ، فى قراه ومدنه وحواريه ومناطقه النائية والمعزولة عن مسيرة التقدم، والمحرومة حرمانا مطلقا من أى زاد ثقافى أو شعاع للوعى والمعرفة ، لدرجة أننى لما تسلمت مهمتى فى كفر الشيخ فى ديسمبر ١٩٦٦ وجدت عددا من أحيائها بلا كهرباء ، وأغلب طرقها المؤدية الى مدنها وقراها ترابية غير مرصوفة ، وبلا وسائل مواصلات ميسرة ، فضلا عن ندرة وجود جهاز تليفزيون، أما دور السينما والمسرح والمكتبات العامة فمنعدمة تماما ، وكان الفلاحون فى كثير من القرى يهربون فى البداية من سيارة قافلة الثقافة التابعة للقصر بعاصمة الإقليم حين تأتى إليهم ببعض الأنشطة الثقافية، ظنا منهم أنها آتية لتأخذ منهم شيئا كما اعتادوا من أى سيارة حكومية تأتى إليهم ، فهى عادة تأتى إما للقبض على بعض المطلوبين ، او للجباية من الفلاحين ، أو للدعاية لانتخاب مرشح للدائرة بمجلس الشعب او للاتحاد الاشتراكى، الذى لم يكن فى نظرهم إلا ناديا للعائلات الإقطاعية القديمة التى استعبدتهم واستغلتهم بل وقتلت المعارضين منهم ودفنتهم بدم بارد على مر الأجيال ، هذا بجانب الحلف الذى أقامه كبار قادة الاتحاد الاشتراكى مع جميع الأجهزة التنفيذية ، بدءا من المحافظ حتى مدير الجمعية التعاونية الزراعية ، وتسخيرها لمصالحهم التى تتعارض -نظريا – مع أهداف وأسباب قيام الثورة ، وكان علىٌَ ، من أجل الاستمرار فى عملى ، أن أنضم الى هذه الرابطة التى تجمع سلطات الأجهزة السياسية والتنفيذية والأمنية الرهيبة

..أو..فلأنسحب!…وقد حاولت ذلك فى البداية، وتقدمت رسميا بطلب إعفائى إلى سعد كامل رئيس الثقافة الجماهيرية، لولا مساندته ووقوفه إلى جانبى ، ثم مساندة ثروت عكاشة شخصيا حين طلب لقائى بمكتبه مع نخبة من مثقفى كفر الشيخ ودسوق المؤمنين بالاشتراكية، منهم د. على النويجى ، د. جلال رجب ، الى جانب د.فتحى خليل ، بترتيب وحضور الطبيب الشاب آنذاك أحمد عكاشة شقيق الوزير المتعاطف مع الاتجاهات التقدمية.

لقد غيٌَر ثروت عكاشةمنذ أول جلسة جمعتنى به ، مجرى حياتى وقناعاتى ، وهو يقول لى: أنت تشكو من أن محافظ كفر الشيخ وقادة الاتحاد الاشتراكى يهاجمونك؟..فماذا لو قلت لك أن الجميع هنا فى القاهرة يحاربنى من أعلى السلطة ويتهموننى بالشيوعية؟..انت تريد أن تنسحب وانت تقف على رأس قلعة أمامية..

أرجوك إصمد..!..فلو سقطت قلعتك سيتوالى سقوط القلاع تباعا !!

يا للهول!..أنا ؟!..ذلك الفنان الشاب ضعيف البنية ابن السابعة والعشرين..عليه أن يحمى قلعة أمامية للوطن؟!!…يومها خرجت صامتا كالأخرس وأنا أرتعش ، وذهبت مع رفاق اجتماع الوزير الى بيت صديقى الشاعر عبد الرحمن الأبنودى قرب ميدان التحرير، وظللت أرتجف كالمحموم لأكثر من ساعة وأنا أشعر ببرد شديد ،رغم دفء الجو ، وهم يهدئوننى ويباركون لى على ثقة الوزير ، لكنهم لا يدركون ما بداخلى من هلع المسؤولية!

لن أطيل، احتراما للمساحة المخصصة لى ، لكن حياتى الحقيقية بدأت بعد ذلك التاريخ ، وبدأت معها ملحمة نضال استثنائية أكبر من قدرات أى مثقف فرد ، ودفعت الكثير بسببها ، لكننى كسبت أكثر بكثير مما دفعت ، واول مكاسبى هو الإيمان بالفلاحين وكسبى لثقتهم، حتى صاروا – بعد بدايتهم الحذرة والمتعثرة معى – أصدقاء مصير واحد للقصر والقافلة ، وأصبحوا يأتون إلىٌَ وفودا من شتى القرى طالبين حقهم فى زيارةالقافلة لقراهم ، وفى آخر ليلة لى معهم ألقوا أجسامهم أمام حافلات الأمن المركزى المحملة بكتيبة كاملة من الجنود ، وجعلوا من أجسامهم حائط صد لحمايتى وحماية القافلةوهم يهتفون: ناصر..

ناصر..نريد العرض..نريد المؤتمر..وتنهال عليهم الهراوات لفض المؤتمر الذى جاءت القافلة من أجله ، فيما تلاحقهم الشتائم بأنهم بهائم ، وتنهال على سيارة القافلة المتهالكة قذائف الطوب ، وأجد نفسى أصرخ بغير وعى فى الميكروفون : يا فلاحين..يا جعانين..يا عرايا..عبد الناصر يديكم السلطة فى ايديكم وانتم مش قادرين تاخدوها..دى فرصة حياتكم..يا تاخدوها وتبقوا بنى آدمين..ياتفضلوا طول عمركم بهايم وتنضربوا بالشوم..لإمتى حتفضلوا ساكتين؟..لإمتى؟..لإمتى؟..

وكان ارتعاشى وانا أصرخ يختلف تماما عن ارتعاشى يوم حمٌَلنى ثروت عكاشة أمانة الدفاع عن القلعة..إذ كانت بداخلى هذه المرة قوة بركان لا طاقة لسلطة على إخماده..

وبعد ١٧ سنة من هذا الحدث قال لى ثروت عكاشة وأنا فى منزله بالمعادى لأهديه نسخة من كتابى “الصامتون “الذى أسرد فيه تفاصيل تلك الأحداث : إنك لم تخيب ظنى فيك أبدا..

وكان هذا وسيظل أعظم وسام حملته طوال عمرى.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »