حسام سُكٌر ..

التجريد ..السهل الممتنع!

19 ابريل 2019
الفن التجريدى يبدو من الظاهر فنا سهلا يستطيع أى إنسان ان يمارسه بلا قواعد أكاديمية أو قوالب فنية متفق عليها ، سواء كانت له مرجعية من الطبيعة أو من أشكال هندسية مجردة ، أو كان إسقاطا عفويا بالألوان والخطوط على سطح ما ، حسبما تستجيب يد الفنان لتيار وعيه وعقله الباطن ، ويرى البعض أن للصدفة دورا فى تكوين الأشكال التجريدية ، وقد يكون كل ذلك صحيحا ، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فى الحقيقة ، فللتجريد أنواع واتجاهات عدة ، ومعايير وموازين تُدرَك بالعين المدربة ، التى استوعبت الأسس الجمالية فى أمهات المدارس الفنية ، وهناك فى تاريخ الفن العالمى – كما فى الفن الصرى – فنانون كبار بدأوا كلاسيكيين أو واقعيين ثم انتهوا تجريديين
..وأصبحت لهم فيه أساليب ونظريات تتضمن القيم العليا فى الاتجاهين ، وهى عند التجريديين تُعلِى من شأن الابتكار فى لغة الشكل كهدف لذاته بغير موضوع يعالجه أو رسالة يحملها ، لأن “الشكل”هو موضوع الجمال وليس أى شىء آخر ، مثله فى ذلك مثل الموسيقى ، ويتضمن ذلك اعتبار الخامات (بما تتضمنه من حمولات تشكيلية وطرق مدهشة فى استخدامها) عاملا محوريا فى بلاغة اللغة التجريدية ، وفى ازديار الشحنة التعبيرية فيها وانتقالها الى المتلقى.
لكن المشكلة الكبرى أمام هذا الفن هى أن الذائقة الإنسانية للجمال لدى أغلب الناس فى كل مكان (وليس فى مصر وحدها) لاتستطيع تذوق الفن عموما إلا فى إطار موضوع أو مضمون له علاقة بالطبيعة والإنسان ، أو على الأقل يتضمن إيحاءات أو رموز تتصل بهوية الشعوب ، فإذا خلا الفن من كل ذلك ، قام حاجز لدى المتلقى يحول دون تذوق العمل الفنى مهما كانت جمالياته وإثارته ، وهذا موضوع يحتاج الى دراسة مطولة ليس هنا مكانها ، ونظرا لغموض المعايير والأسس التى تحكم هذا الفن – مقارنة بمثيلاتها فى المدارس الفنية المستقرة – فقد أصبح مرتعا لبعض الأدعياء وضعاف الموهبة فى رسم الأشخاص وملامح الواقع ، أو العاجزين عن الإتيان بجديد من خلالهما ، فنراهم يصولون ويجولون فى صالون الشباب أو فى معارض مدفوعة الرسوم مسبقا للاشتراك فيها باسم الفن التجريدى ، بدعم من مؤسسات ثقافية رسمية(فى الحالة الأولى) ومن منظمى مهرجانات سياحية( فى الحالة الثانية) ، معتمدين على غياب النقد الذى يميز بين الغث والثمين ، وربما يجدون بعض النقاد يروجون لهم!
لهذا فإن إقدام أى فنان على إقامة معرض تجريدى يعد مغامرة ، حيث لن يلقَى ترحيبا إلا من بعض زملائه ومحبيه أو بعض دارسى الفن ، وفى أحسن الأحوال من عدد نادر من المقتنين الذين يبحثون عن لوحة للزينة تناسب ألوانها ألوان الأثاث والجدران فى المنزل أو المكتب!
آخر هؤلاء المغامرين هو الفنان المخضرم حسام سُكٌر ، بمعرضه المقام حاليا بقاعة الباب بالأوبرا ؛ ثلاثون لوحة تقريبا رسمت بأسلوب(التاشيزم) أي بإطلاق الألوان عفويا فوق سطح اللوحة ، واستخدام طرق الدفق أوالكشط أوالرش من أعلى ، أو بضربات الفرشاة العريضة أو سكين الألوان بقدر محسوب من العشوائية ، ولا تعتمد لوحاته على وحدات هندسية اوخطوط ذات صلة بالطبيعة او الواقع ، ولا تتبلور عناصرها فى تكوين يربط بين أشكال ملموسة ، فاللوحة عنده مساحة لونية واحدة تمتد بلا نهاية حتى آخر أضلاعها الأربعة ، مشغولةبمجموعة ألوان وملامس متداخلة تشكل مزيجا من التأثيرات البصرية ، تبدو كقطعة نسيج مموهة الألوان ، خالية من وحدات مركزية ذات قوام صلب أو تصميم فنى متماسك ، إلا فيما ندر (كتلك اللوحة التى تحمل تأثير الأقواس المعمارية ويغلب عليها اللون الأحمر).
أغلب اللوحات تبدو ظاهريا كأشكال مجهرية أو ذات تضاريس لكواكب نائية او لجدران مخربشة ، عولجت بألوان سخية وملامس خشنة ، بعض أجزائها توحى بالبروز الناتئ عن السطح إثر ضربات السكين(وقد لا تكون بارزة فى الحقيقة) خاصة فى اللوحات التى يغلب عليها اللون الأزرق ، وثمة “جملة لحنية” واحدة تتردد من لوحة الى اخرى ، وقد تبدو رتيبة مكررة ، لكنها تخلق من الفوضى البصرية نظاما من نوع ما ، فتُحدِث تجانسا لونيا بين الساخن والدافئ والبارد من الألوان ، غير أنها قلما تنجح فى إحداث تنوع إيقاعى بين الحدة والرقة ، مع أن التنوع الذى يتصاعد حتى التباين والتضاد هو سر الدراما المرئية والمسموعة فى كل الفنون ، يشبه التباين بين أصوات السوبرانو والبريتون فى الأوبرا ، وبين مقامَىْ الدو الكبير والددو الصغير فى الموسيقى السيمفونية ، ورغم قلة هذا التنوع فى المعرض ، فإن هناك وميضا ضوئيا يبزغ مرتعشا من وسط كثافةالألوان هنا وهناك فى بعض اللوحات ، فيهدٌئ من حدة اللحن البصرى ، أو يشعل حرارة الألوان الفاترة ، أويؤكد ملامس الأسطح أحيانا ثالثة ، ونادرا ما نجد فى اللوحات خطوطا ذات حركة قوسية أو ذات صراحة هندسية(مثل اللوحة التى أشرنا إليها) ، على غرار ما سبق للفنان ذاته أن رسمه فى مراحل سابقة،من خلال تكوينات معمارية على أرض واقعية.
وإذا كان الفنان يخاصم الطبيعة المرئية بعد أن كان متصالحا معها ، فربما أصبح يفضل التعبير عن الطبيعة الجوانية ، اى عن التفاعلات النفسية بداخله ، والتى تظهر على شكل تماوجات من الألوان الساخنة والباردة ، او على شكل لفائف لولبية كثيفة من الخطوط السوداء مثل الأسلاك الشائكة تحدث توترا على سطح اللوحة ، وفى لوحات أخرى تغلب الدرجات البيضاء والرمادية وتمتد فى مساحات شاسعة تشف عن توترات مكتومة تحت السطح بذبذبات بصرية تومض وتنطفئ ، ومنها ندلف الى لوحات مُلغٌمة بنتوءات وتجاعيد تشبه الصخور بأحد الكواكب المجهولة.
إن اندياح المساحات الحاملة لمثل هذه العناصر على اللوحة حتى منتهاها فى جهاتها الأربعة(بغير تكوين يلم شتاتها) ، يجعلنا بإزاء حالة من السيولة غير محكومة بإطار ، فتبدو كل لوحة وكأنها تفصيلة أُخِذت من شكل ما فى الطبيعة (كجدار قديم أوجذع شجرة عتيقة اوقاع بحر غامض أو صخرة فى عمر الزمن أو حقل من النباتات او الزهور…)، وكأن الفنان قام بتكبير هذه التفصيلة ثم أحاطها ببرواز !
إن ذلك يؤدى بالضرورة الى خمول الحركة البصرية على سطح اللوحة ، لقلة النقلات الإيقاعية الناتجة عن افتقارها الى أشكال صلبة وكتل مصمتة بالألوان ، وفراغات بينية ناعمة ، وروابط تجمع كل ذلك فى تكوين محكم ، وهذا مايعالجه فنانو (التاشيزم)بإيجاد مثل هذه العناصر والنقلات على مسطح اللوحة ، حتى توحى بالتضاد أو التباين بين الألوان والخطوط والفراغات ، ما ينشئ فى النهاية إيقاعا وتكوينا بداخل كل لوحة ، وكان بوسع فنان متمرس مثل حسام سكر أن يفتح مسام لوحاته بمثل ذلك ، فتنال كفايتها من الهواء لتتنفس وتدب الحركة فى أوصالها وتحقق التنوع الذى ينأى بها عن التكرار والملل…
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »