حسن عبد الفتاح..تجليات المنابع.. والحداثة

 

فيس بوك 15/5/2023
(مقدمة لكتاب عن الفنان تحت الطبع)
هو ظاهرة إنسانية وإبداعية متفردة ومركٌَبة من حالات متباينة ؛ فثمة حالة من السلام والهدوء والسكينة، تقابلها حالة من التفجر الإبداعى الصاخب لا تعرف الهدوء والسكينة أو التمازج الناعم للألوان والخطوط، وثمة حالة من الالتزام بالقواعد الأكاديمية الرصينة والتغنى بالطبيعة من ناحية ، تقابلها حالة أخرى من القوة الجياشة المتمردة على القواعد والمعايير الأكاديمية ، وثمة حالة ثالثة من الفرح والبهجة الطفولية ومن الغنائية الطروب فى بعض اللوحات، وفى مقابلها حالة روحانية أقرب إلى التسبيح والتماهى مع ملكوت الخالق ، بحروف الخط الثلث الكلاسيكى ، وشموخ العمائر الإسلامية، ودندنة الزخارف العربية كترديدات الصوفية.
إنه العالم الذى يَسبح في فضائه العريض الفنان الكبير حسن عبد الفتاح ، الذى لم تُوهِن من طاقته الطفولية الخلاقة عوامل الزمن ووهن الشيخوخة، وظل – وقد تخطى الثمانين – نفس الطفل الشقى المغامر الذى لا يكف عن إدهاشك وكأنه يلعب بالخطوط والألوان ليستمتع بها قبل أى إنسان آخر، وحين يجلس أمام لوحته أو مساحته البيضاء، تخاله يترك لأصابعه وحواسه العنان لتنساب على سجيتها بدون تصميم مسبق أو خطة مهندسة، فتقوده بسلاسة وتلقائية إلى إحدى الحالات السابق ذكرها، شأنه شأن الطفل الموهوب حين ينكبٌُ على كراسة الرسم. لقد حقق المقولة المنسوبة إلى بيكاسو : “أنا لا أبحث بل أجد!” ..نعم..وكأنى به يصيح فرحا بعد انتهائه من أى رسم قائلا : وجدتها!..وليس من الصعب العثور على وشائج قربى بين شخصيته الفنية وشخصية الفنان الفرنسى هنرى ماتيس، الذى حقق ما يساوى بلغة التشكيل تأثير عازف العود ؛ فهو متيم بالألوان الصدٌَاحة وزحام الخطوط والزخارف العربية، بعد أن تعرف عليها عن قرب فى بلادها العربية فى غرب أفريقيا وانبهر بسجاجيدها وطنافسها وضوئها الساطع، وتأثر بها وصاغها مسطحة فى بعدين، فبدت لوحاته مقطوعات غنائية تهدهد المشاعر، حتى قال كلمته الشهيرة ان لوحاته مثل كرسى هزاز يسترخى فوقه المتلقى بعد يوم عمل شاق ، ومع ذلك كان بعض هذه اللوحات على رأس معرض وصفه احد النقاد الفرنسيين ب “قفص الوحوش”، فأصبح ذلك عنوانا للمدرسة الحوشية، من فرط قوة الألوان والخطوط وضراوة التعبير فى لوحاته، حتى ولو كان تعبيرا مبهجا، وهكذا جمع فيها بين النقيضين.
وبقدر ما نثق ان هذه التجليات التعبيرية/التلقائية والمتعارضةجزء أصيل من شخصية حسن وموهبته الفطرية، فإن ذلك تبلور أيضا عبر اشتغاله الدؤوب على هذه الموهبة، فلم يركن إلى مهاراته الأكاديمية الأولى التى أهلته للتعيين كمعيد فمدرس فأستاذ فمؤسس وعميد لكلية فنون الأقصر ، بل جعل مشواره الفنى الطويل حقل تجارب بلا نهاية، حتى أننا نستطيع وصفه بالمجرب الدائم والدارس دون توقف، فيده لا تترك دفتر الاسكتش والقلم والفرشاة وتوال اللوحة فى أى يوم، وربما لهذا اتخذت لوحاته طابع الاسكتش أو المعالجة الطازجة التى تبدو فيها اللوحة وكأنها لم تكتمل ، أو أنها أُنزلت لتوها من فوق حامل الرسم، او كما يقال: من اليد إلى الفم!..وقد أراه هنا أقرب إلى الفنان الرائد راغب عياد ، كما تبدو وكأنها دفقات حرة وتلقائية من الخطوط والألوان، والخطوط هنا تتراوح بين الاندفاع والليونة، وتمثل عمود الارتكاز الاول فى أعماله، ونراها صريحة واضحة سوداء حينا، او رشيقة منسابةبيضاء حينا آخر، وهى تشق المساحات القاتمة، وتحدد الأبعاد الخارجيةللقوارب والمبانى وجسم المرأة والحصان واشكال الطيور والزهور والحروف والزخارف . وتختص المرأة فيها بالنصيب الأكبر، بإيقاعاتها الرشيقة الناعمة المنسابة كانسياب خطوط الجداريات الفرعونية بأوضاعها الجانبية التى يبدو تأثره بها شديد الوضوح . وتأتى الالوان كعمود الارتكاز الثانى : قوية ناصعة ، لا تعرف الخلط بين لونين كى ينتج عنهما لون مركب…فثمة الأحمر القرمزى الكريمزون، والأحمر النارى الفيرميليون ، والأصفر الليمون والاصفر الكروم والأزرق الكوبالت والأسود الفاحم والبنى العنبرى ، حتى البرتقالى الدافئ، وهى جميعا تضفى درجة من الدفء على مجمل اللوحات وكثيرا ما تشع وهجا.
وبالرغم من أن مشاهد الطبيعة – كالبحر والشواطئ والقوارب والصحراء والبيوت والأشجار تحتل مساحة واسعة من عالمه، فإنه لا يعالجها بمنطق المنظر الطبيعى (اللانسكيب) ،مستخدما المنظور الهندسى والوان الطبيعة النهارية المشمسة وتدرج الظلال والأضواء، بل بمنطق الحالة التعبيرية النفسية ، حيث يختلط فيها الليل والنهار، والواقع والحلم، ما يجعلها تبدو فى إهاب رومانسى أو أسطورى، وهذا الحس التعبيرى – رومانسيا كان ام أسطوريا – يبدو أكثر وضوحا وقوة فى لوحاته عن المرأة والحصان، فهما دالٌَتان رمزيتان وطاقتان متلازمتان تعبران عن الحياة والحب والتحرر من كل الكوابح ، إنهما يصنعان معا حالة عشق متبادل تستمد من الأسطورة والحلم دلالاتها.
ولا يوجد اهتمام يذكر بالتجسيم الاسطوانى للأشكال عند حسن عبد الفتاح، ومن ثم لا نعثر عنده على تدرج الظلال فوق الأجسام انعكاسا للضوء الموجه من مصدر معروف، بل نجده دائما أقرب إلى لوحة البعدين الاثنين (طول وعرض) أى إلى تسطيح الأشكال على غرار الفن المصرى القديم ، ونراه يملأ الفراغ عن آخره حتى يزدحم بالعناصر الخطية واللونية على غرار الفن الشرقى عامة، وهو الفن نفسه الذى تأثر به كل من الفنانين بيكاسو وماتيس، ولعل ذلك ما جذب حسن إلى الطابع التجريدى الذى يستغنى عن وجود المشخصات الإنسانية والحيوانية فى كثير من أعماله ، واستعاض عنها بالعناصر المعمارية والأشكال الهندسية والنباتية والحروفية، ما أعطاه مزيدا من الطلاقة اللونية فوق مسطحات ممتدة ، بل لعل ذلك ما اغتواه إلى الشغف بالزهور وعشق الحروف العربية، ليكوٌِن من هذه وتلك عالما من البهجة والفرح والجسارة فى استخدام أقصى ما تملكه الخطوط والألوان من طاقة وموسيقى وغناء، أو من حوشية وتجاوز وانتشاء، وقد يأخذه ذلك إلى تأثيرات جرافيكية بصرية تمتاز بالتباين والتضاد الإيقاعى بين الفاتح والغامق، والناصع والغائم ، والزخرفى والتجريدى، بعبارة أخرى ؛ بين الإفصاح والغموض، وبين الصخب والهمس…وفى كل الأحوال فإن هذه الأعمال ذات النزعةالتجريدية، تأخذنا فى حالة إيقاعية موسيقية ذات حس قوى التأثير ، تشبه دوِىٌَ الطبل وأصداء الدٌُف وأنغام الناى والأرغول.
هكذا تجمع تجليات حسن عبد الفتاح بين أصالة الجذور والمنابع البيئية والتراثية، وبين لغة الحداثة العالمية بغير تكلف أو ادعاء.
قد يكون فنًا
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »