29سبتمبر2022
أثارت الكاتبة كريمة كمال فى مقالها اليوم/٢٩/٩/٢٢ بجريدة المصرى اليوم قضية السائق المتهور على طريق السويس، وانقسام الرأى العام حول رد الفعل على وسائل التواصل الاجتماعى ، خاصة بعد إقدام بعض المواطنين الذين تصادف وجودهم على الطريق وقت الحادث على الاعتداء على السائق المخمور اولا بصدم سيارته لإيقافها ، ثم بالانهيال عليه بالضرب بعد إيقافه ، حيث راى البعض فى ذلك شهامة وبطولة ، بينما رآى فيه آخرون تجاوزا لحق المعتدين على السائق بإعطاء أنفسهم دور الشرطة والقانون..وهى مشكلة ملتبسة بالفعل ، والأمر على أرض الواقع يختلف تماما عن التنظير الهادئ ونحن نشاهد التليفزيون.
ولا أكتب هذا التعليق الآن لأدلو بدلوى بالرأى فى هذا الخلاف ، بل لأحكى واقعة حقيقية شبيهة بها كنت أنا الضحية فيها ذات ليلة من ليالى شتاءعام ١٩٨٧ بشارع النزهة بمصر الجديدة ، وكدت ألقى حتفى لكنى نجوت بفضل العناية الإلهية ومساعدة الناس الطيبين.
فى تلك الليلة كنت عائدا بسيارتى إلى بيتى بعد العاشرة مساء فى شارع النزهة وهو شبه مظلم وخال تماما من حركة السيارات والمشاة ، لكنى كنت أقود بسرعة متوسطة ، وفجأة انبثق أمامى فى الظلام شبح مرعب فى حجم بيت وهو يندفع نحوى من الاتجاه المعاكس ، تتقدمه مغرفة حديدية بعرض هذا الشىء لها حافة كحد السيف ، سرعان ما حشٌَت الزجاج الأمامى للسيارة وشجٌَت جبهتى، وكنت بين الإغماء والإدراك قادرا على رؤية قائد هذا الشىء الذى تبين أنه “لودر” خاص بالعمل فى الإنشاءات الضخمة ، وهو يحاول الاستدارة بعيدا عن السيارة والتحرك للهروب ،ولا يوجد فى الظلام إنسان ان سيارة تقف لإنقاذى وأنا غارق فى دمى داخل السيارة ، وفجأة انشق الظلام عن سيارة تاكسى وقفت بجوارى ونزل منها شخص وزوجته الحامل ، (علمت فيما بعد أنهما كانا ذاهبين للطبيب لمتابعة الحمل)، وما أن رأى ماحدث ولاحظ محاولة هروب السائق حتى طلب من زوجته الاتجاه وحدها إلى الطبيب وركب نفس التاكسى وأمره باللحاق بسائق اللودر الذى اندفع بأقصى سرعته تتقدمه السكينة المرعبة للمغرفة الحديدية وهى تتأرجح فى الهواء ، حتى دخل فى المنطقة العامرة بالحركة والأضواء ، وأصبح فى حالة جنون تهدد بسحق كل من يقف فى طريقه ، مما جعل سائق التاكسى يحجم عن الاستمرار فى المطاردة ، ناهيك عن تنفيذ طلب زوج السيدة منه أن يعترض طريق اللودر بالسيارة ، وإذا بهذا المواطن الشهم يفتح باب التاكسى ويقوم بقفزة هائلة جعلته ينقض على سائق اللودر وينهال عليه ضربا عنيفا أفقده توازنه وأسال دمه وادى إلى توقف اللودر ، وحمل السائق الى التاكسى الذى كان لا يزال واقفا وأمره بالعودة إلى حيث تركنى داخل سيارتى ، وكان بعض المارة قد أخرجونى منها وذهبوا بى إلى أحد المستشفيات القريبة حيث جرى إسعافى وتم خياطة الجرح ب١٢ غرزة ، وعندما أفقت من البنج وجدت فى السرير المجاور لى سائق اللودر وقد ربط رأسه بعمامة من الضمادات مثلى ولكن من أثر الضرب ،وبجوارنا معا يقف الشخص الذى طارده وضربه وأتى به ، فحكى لى مالم أكن واعيا به مما حكيته الآن..، وعلمت انه ضابط بالصاعقة وفعل ما فعله لأنه واجب طبيعى ، بل أصر على أن يأتى لى بحقى من المقاول الذى يشغٌِل هذا السائق ، خاصة وقد تبين أنه يقضى الخدمة العسكرية الإجبارية فى التجنيد ، ودفعته الحاجة المادية له ولعائلته إلى العمل بالأجر مساء مع المقاول وبدون تصريح من رئاسة وحدته ، مما يعرضه للسجن فى المعسكر لو نما ذلك إلى علم رؤسائه ، وتلك هى النقطة التى استغلها الكابتن عبد الرحمن (وهذا هو اسم الضابط الشهم) للضغط على الجندى بعد أن أخذ منه كارنيه انتسابه الى المعسكر ، ليدله على بيت المقاول ، وكان مشهدا طريفا وهو يصطحب معه رجلين معممين بعمامتين هائلتين من شرائط الشاش بتاكسى إلى منزل المقاول بحى الكوربة بمصر الجديدة ، ويضعه أمام مسؤوليته لتعويضى عن تلف سيارتى أو الالتزام بإصلاحها ، ونجح فى ذلك بالفعل ، بعد ان شرح للرجل تبعات ما فعله باسخدام مجند لأغراضه الشخصية.
القصة أقرب إلى الخيال ، وبها من التفاصيل ماهو أكثر إثارة ، لكنى قصدت من سردها طرح السؤال التالى (اتصالا بما طرحته الكاتبة كريمة كمال) : هل كان ذلك الضابط على حق فيما فعله بديلا عن الشرطة والجهات المسؤولة أم انه تجاوز واجبه وحدوده بضرب هذا الجندى المقهور الغريب فى القاهرة ، والذى كان يسعى للقمة عيشه فى ظروف قاهرة؟
ليتنى أسمع آراءكم تماما كما تساءلت كاتبة المقال فى المصرى اليوم