دِلشاد كويستانى..

ورحلة إلى الروح!

29 يونيو 2019
لا تزال الطبيعة هى الأم للفنان ، واهبة الحياة والحب، خبيئة الفطرة والفتنة، ملهمة الرؤى والمشاعر، فاتحة الكون لعينيه وقلبه…هكذا رأيتها فى لوحاته تفيض بأسرارها وتزهو بحسنها البدائى وارف الألوان والأضواء والظلال، متمنٌِعة – فى نفس الوقت – كامرأة فاتنة تخفى أكثر مما تبدى، وتعطى بقدر ما يجيش صدر شاعرها بالوجد ظامئا ليرشف من فتنتها الغافية .. عاشقها الذى استطاع كشف أسرار جمالها الوحشى فى لوحات عرضها هذا الاسبوع بقاعة بيكاسو بالزمالك.
فنان بدرجة إنسان، ابن الطبيعة الكونية المجردة من حدود الجغرافيا والتاريخ، وإن كان يحوز جنسية مزدوجة(عراقية/فرنسية)، ويعيش حياة العربى فى منفاه الاختيارى، اسمه الغريب يجعلك تحسبه سليل عرق من كوكب آخر ولغة مجهولة، هو دِلشاد كويستانى، برغم اعتزازه بعرقه الأصلى من أكراد شمال العراق، حتى بعد حصوله على الجنسية الفرنسية.
اقام معارض خاصة فى ١٩ دولة غير فرنسا، ويخطط ليطوف العالم بلوحاته معتمدا على نفسه، منذ عام جاء الى القاهرة بلوحاته لاول مرة فوقع فى هواها، أقيم معرضه بمتحف أحمد شوقى بالجيزة، لم أسمع به لسوء الحظ ، ولأن حلمه بمصر أكبر من ذلك، عاد اليوم ليعرض فى الزمالك، لتكون القاهرة منصة انطلاقه بأعماله الى ست دول خلال هذا العام، بدءا من الاردن واليونان حتى استراليا، وذلك فور انتهاء معرضه بالقاهرة.
لو شئنا التصنيف المدرسى لأعماله لقلنا إنه فنان تأثيرى/تعبيرى، خاصة فى مجال المنظر الطبيعى، ولو حاولنا التعرف على كنه تجربته لقلنا إنه يستقطر العطر الخام للطبيعة البرية، بعد تحريرها من معالمها الواقعية وملامحهاالواقعية المتعارف عليها، بما يجعلها ألحانا تجريدية أقرب الى الحس الصوفى الكونى.
مثل هذا النوع من الفن، العابر للمدارس والأماكن والأزمنة(خاصة بالنسبة لفنان يعيش من فنه فى قلب باريس قرابة ٢٠ عاما)،يحتاج الفنان فيه، من أجل الاعتراف به، أن يمتلك تقنية بالغة النضج والتميز، لقد استوعب مهارات”مونيه”وتلاميذه ورفاقه التأثيريين فى تحليل الضوء الى بقع لونية شعشاعة، كما استوعب جسارة”جوجان” فى استخدام ألوان استوائية حارة، وفى تعبيره عن الطبيعة العذراء فى جزر الكاريبى، وكذلك استوعب اندفاعات الفرشاة المحملة بالالوان القاتمة والمتضادة فى لوحات فنانى المدرسة التعبيرية منذ بدايات القرن الماضى فى أوروبا ، وخرج فى النهاية بمسحة ذاتية ينطبق عليها معنى” الشعور المُذاب”، بوهج نورانى غامض يبزغ من داخل النفس قبل أن يبزغ من مساحات العتمة، ويفيض فوق أسطح جيولوجية تتباين بين الخشونة والرقة، ويمتزج بألوان تتماوج بين البرودة والدفء، وفى كل الحالات نشعر بأن من يرسم ليس يد “دلشاد” بل هى روحه التلقائية الحرة وهى تتماوج بين النسيم والعاصفة، وتترنم بالغناء بين الصولو والنشيد الكورالى، وتتهدج بأنٌات العاشقين وأهازيج الرعاة فى البرارى، ونداءات التائهين وسط غابات أفريقيا أو جبال كردستان، وتتفجر عند الكريشندو بفيضان ضوئى أو شلال من النور.
أرض عذراء لم تطأها قدم إنسان قبله، كيف حوٌل وديانها وهضابها وبحيراتها وتلالها الى حوارات بصرية ملونة أو الى مواجهات درامية أبطالها الأمواج الهائجة والسحب القاتمة التى تشكلها أبخرة البحر وتذروها الرياح، قد يقرأها الفنان بحس أدبى أو رومانسى، ولا جُناح عليه إن فعل، حيث تتجاذبه مواهب تعبيرية مختلفة، فهو شاعر ومغنٍ وممثل سينمائى أيضا، تتملكه انطباعات ومشاعر متباينة، تكوٌن فى النهاية طبيعته الخاصة، وترسم لوحته التى يسميها :”وطنه الحقيقى”.
سألته:كيف تصر على اختيارك الفنى وأنت تعيش فى قلب أوروبا محاطا باتجاهات الفن الجنونية؟ ..ألا ينظرون إليك وكأنك إنسان رجعى لا يزال يؤمن بالطبيعة؟..قال: لا أحد هناك يصنف الفنانين هكذا كرجعى وتقدمى، إنهم فقط يبحثون عما إذا كان الفنان حقيقيا وليس مقلدا لهم، وتزيد قيمته عندهم إذا كان روحانيا.
عندئذ فهمت لماذا أطلق دلشاد على معرضه عنوان “رحلة إلى الروح”!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »