سجناء ناثان دوس!

جولة المعارض(٣)

من الكتل المصمتة فى الفضاء المفتوح لأعماله السابقة ،الى التشكيل الشبكى لكتل مقيدة داخل الإطارات..

ومن الحجر والطين والأخشاب التى كان يشكل بها تلك الاعمال ، الى أقفاص الصلب المطلية بالذهب فى آخر أعماله.

ومن لعبة الاشكال التجريبية المجردة التى كان يمارسها فيما سبق ، الى بلاغة الرؤى التعبيرية والرمزية حول المصير الانسانى فى

تجربته الجديدة.

تلك هى التحولات الأسلوبية والدلالية للنحات ناثان دوس التى تطالعنا فى معرضه الحالى المقام بقاعة الزمالك؛ إنه يتخلى هنا عن كتله السابقة ، الغارقة فى الصمت أو المفرغة بالثقوب لتسمح للنور أن يتخللها ويشع الى الخارج ، وها هو اليوم يعتقل الانسان بداخل مكعبات إيهامية لا يفلح بريق الذهب فى طمس أصلها الحديدى ، يمارس فيها الانسان محاولاته للانعتاق من الحبس الانفرادى الى فضاء الحرية والطيران نحو فضاء بغير حدود.

وقد يحيل الفنان إنسانه الى شبح ممصوص الجسم ، يبدو عاريا نحيلا متطاولا كأشخاص النحات الفرنسى جياكومتى ، سائرا فوق صراط رفيع معلق فى الفضاء ، وكأنه يمر بامتحان يوم الحساب حيث يحسم مصيره بين الجنة والنار ،

وقد يتحول الانسان داخل القفص الى طائر كبير كأنه روح الرأس البشرى المسجى فى القاع مثقوب الجمجمة.( وان كان الفنان يعتبر هذا الطائر رمز التفكير لعقل هذا الرأس الملقى فى القاع).

وقديقف هذا الشخص الشبحى ممصوص الجسد متطاولا داخل قفصه بغير حراك ، غير أن ظله يمتد على الارض خارج القفص وكأنه نبوءة بالخلاص . وتلك هى المرة الأولى التى أرى فيها نحاتا يجسد ظلا لانسان على الأرض..!

وقد نجد هذا الانسان يستمرئ البقاء فى محبسه ، فيستلقى على ظهره واضعا ساقا على ساق ، حالمابالبيت والسرير والمائدة الحافلة بكل ما تشتهى النفس ، وهى عناصر يجسدها النحات واقعيا ونراها سابحة فى فضاء المكعب الذهبى.

وفى تشكيل بالغ الدلالة على أبدية حبس روح الانسان ، نر ى الشخص ينجح فى الانعتاق من بين أضلاع القفص الذهبى حتى يصبح نصفه الأعلى خارجه ، فإذا بقفص آخر يتلقفه من أعلى ويعتقل رأسه وصدره وذراعيه ، فأصبح بنصف حر ونصف سجين!!

وقد نرى هذا الشخص منقسما داخل القفص الى شخصين ؛ أحدهمايستلقى،على ظهره مستسلما لمصيره الأبدى فى القاع ، والآخر يطير محلقا عند سقف القفص محاولا تخليص نفسه من حبال رفيعة مربوطة فى الجدران تشده الى القاع .

هل نحن إزاء رؤية نابعة من الأسطورة اليونانية المحكوم فيها من آلهة جبل الأولمب على الانسان بالعذاب الأبدى..من سيزيف الى برومثيوس..عقابا لهما على مخلفتهما لارادتها ..؟

غير أن ثمة قطع نحتية أخرى تخلى فيها ناثان دوس عن أقفاصه الذهبية ، فهناك أكثر من تمثال كبير يتصدر القاعة ، ويبدو الانسلن فيها بلا أقفاص ،بل يقف ناشرا ذراعيه كطائر طليق ،يريد ان يطير ويشق الفضاء. كما قدم تمثالا من رأسين مفرغين بالثقوب الشبكية وهما يتحاوران ويصغى كل منهما الى الآخر فى محاولة للتفاهم والتواصل الانسانى ، وهو نفس المعنى الذى نستخلصه من تمثال آخر لشبحين متطاولين من نبات الصبار الشوكى ، يحاولان التلاقى والحوار رغم كساء الشوك على ساقيهما …أيكون هذا هو الحنين المؤلم لدى الفنان الى الانعتاق والتواصل مع الآخرين رغم الأشواك ؟!

لكن لدى ثلاث ملاحظات على هذه التجربة كنت أفضل أن يراعيها الفنان وهى فى صالح اكتمال الرؤية البنائية والتعبيرية:

١-علو صوت السرد(الحكى)فوق احتمال الشكل… ٢- طغيان بريق الذهب حتى يخطف البصر عن جميع الشخصيات خصما من الرؤية التعبيرية العميقة… ٣- غلظة سمك القضبان وهى التى تواجه المشاهد قبل المشخصات ، والمفترض أنها قضبان وهمية ، وبذلك يبدو الانسان من ورائها ضئيلا وهامشيا ، رغم كونه البطل الدرامى.

وعلى كل حال فهى ملاحظات لا تضعف من قوة الرسالة المنبعثة من قلب هذا المعرض الجميل..رغم كثرة سجنائه !!

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »