منذ توقف النبض في جسد اتحاد الفنانين التشكليين العرب، بعد نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، رداً على زيارة الرئيس الراحل أنور السادات لإسرائيل بالقطيعة العربية مع مصر، تقطعت الجسور بين فنانيها وكتابها – بمؤسساتهم الفئوية والنقابية – وبين أشقائهم العرب، وانكسر حلم الوحدة بينهم على صخرة السياسة، إلا من محاولات فردية ومبادرات متباعدة من هنا أو هناك، للمشاركة في بعض المعارض أو المؤتمرات.
ورغم تحولات السياسة والزمن على مدى أربعة عقود بين الأنظمة العربية – ما أدى إلى بعث الحياة في اتحاد الكتاب العرب وبعض المنظمات الثقافية والحقوقية العربية – إلا أن الحديد ظل بارداً تحت طرقات التشكيليين في هذا الاتجاه، وربما نجد ثمة قصور في المبادرات الجادة نحوه، من الجانبين الحكومي والنقابي في الدول العربية، لكن مبادرات الأفراد في المشرق أو المغرب العربي لم تنقطع – وإن كانت قليلة – لاستعادة الحلم، وأغلبها أتى من الأردن الشقيق، في شكل دعوات للفنانين المصرين لمشاركات فنية مميزة.
آخر هذه الدعوات الأردنية جاءت أول سبتمبر الجاري من مركز جلعد الثقافي، على شكل ملتقى (سمبوزيوم) يضم 16 فناناً مصرياً مع 6 فنانين أردنين في ورش عمل وندوات نقدية وحوارية لمدة 10 أيام، اتصالاً بمشروع يتبناه المركز ومؤسسه المهندس سامي هندية، لاستضافة مجموعة من فناني بلد عربي كل عام، حيث يساعد إنتاجهم في تغذية المتحف الكبير لأعمال الفنانين العرب والدوليين المقام بالفعل بأعلى قمة أحد جبال عمان الذي يضم عدة آلاف من المقتنيات، جمعها المركز لكبار الفنانين العرب والمصريين والأجانب على مدى سنوات، وهذه هي الدورة الثانية للسمبوزيوم، حيث كانت الأولى في العام الماضي مع فناني تونس … وكان لي شرف الدعوة إلى الدورة الأخيرة مع مجموعة محترمة من الفنانين من مختلف الأجيال والاتجاهات الفنية في مصر .. بدءاً من الفنانين جورج البهجوري ورضا عبدالسلام ومحمد عرابي، ثم جيل التسعينيات مثل خالد السماحي وأشرف زكي ومحمد دسوقي ومنى عليوة وأماني زهران وهالة رفاعي وعماد إبراهيموهاني راشد، وصولاً إلى جيل الألفية الثالثة: علي حسان ورمضان عبد المعتمد ورامي عطية الذي تولى مسئولية القومسيير (المنسق) للجانب المصري ..
هكذا يبدو التباين في الأعمار والأساليب الفنية؛ بين الواقعية والتعبيرية والتجريدية وما بينها من تنوعات. وفي المقابل شارك عدد من الفنانين الأردنيين يقاربون هذه “التشكيلة” العمرية والأسلوبية، بعضهم بمشاركة فعلية بالإنتاج داخل الورش الفنية مثل كنعان يحيى وأحمد شاويش وحسني أبو كريم وغاندي الجيباوي، أو بمشاركة في المعرض الذي أقيم في اليوم الأخير للملتقى للأعمال التي أنتجت خلاله، مثل شيخ فناني الأردن المعاصرين مهنا الدرة.
لكن هناك قوة سحرية في هذه التجربة عملت على صهر التجارب والرؤى المختلفة والتوجه بها نحو مصب مشترك، قد تكون نابعة من الطبيعة الخلابة للموقع الجغرافي للملتقى الذي يطل على ربى ووديان متماوجة، في حوارية بديعة بين الخضرة والرمال والصخور والبيوت، عبر تشكيلات جيولوجية ومبان معمارية منتظمة في عقود؛ تتلألأ نهاراً بلونها الأبيض الشاهق وسط ضوء قوي ينازع طبقات من السراب المراوغ والضباب الشفيف والغيوم البيضاء وهي تسري بنعومة في الفضاء العريض، مشفوعة بهمهمات غامضة في السكون المطلق لوادٍ تكسوه أشجار الزيتون وينضح بذكريات آلاف السنين، ويتلألأ ليلاً بأنوار آلاف المصابيح الكهربائية كالنجوم وهي تومض كعيون الجن وسط الظلام الدامس موحية بعوالم أسطورية.
وقد تكون هذه القوة السحرية انعكاساً لانبهارنا – إلى حد الهزة الوجدانية – بذلك المزيج الغرائبي من الأثار التاريخية للحضارة النبطية (التي تم تنظيم عدة زيارات إليها في البتراء ووادي رم والبحر الميت) وبين تشكيلات الصخور بفعل الطبيعة والإنسان؛ حيث نحت عمارته في أبدان الجبال عند الأعالي الشاهقة، بدوافع العقيدة والتحدي للجاذبية الأرضية في أزمان غابرة جمعت بين الحضارات الآشورية والنبطية والرومانية والمسيحية .. تدهشك هذه القدرة الفذة للإنسان على السيطرة على جبروت الجبال .. إن مناظرها – بعيدأص عن تدخل الإنسان – تصيبك بخفقان يخلع القلب، إذ تبدو كعمالقة هائلة تنتصب عمودياً مشرئبة نحو فضاء موحش .. فما بالك– وأنت ترى على جوانبها المشطورة بسكين الطبيعة – واجهات معمارية منحوتة بإتقان هندسي مذهل، كمداخل وشرفات لمعابد أو مقابر ملكية ذات أعمدة رومانية باذخة الروعة! … للوهلة الأولى يبدو الإنسان ضئيلاً أمام هذا الكون الخرافي، لكن مرآك للمسات الإنسان الذي استطاع تسلق الجبال العمودية وترويضها لأشباع أغراضه الروحية .. (نازلاً إليها من أعلى وليس صاعداً من أسفل).. يجعلك تكبر حجماً بإحساس غامر بقدرة الإنسان غير المحدودة إذا تشبع بطاقة الإيمان وإرادة التحدي!
لكن ثمة عامل آخر للشحنة المعنوية الكبيرة للفنانين في الملتقى؛ ينبع من طاقة الدفء الإنساني الذي أحاط بنا من جانب القائمين عليه، وفي مقدمتهم المؤسس والراعي للسمبوزيوم سامي هندية، طاقة لا علاقة لها بمجاله المهني كرجل أعمال، بل هي في الحقيقة تأتي على حساب عماله الاقتصادية، نظراً لتفرغه التام وكل أفراد أسرته لتوفير كافة وسائل الراحة والإنتاج للفنانين منذ لحظة وصولهم حتى لحظة رحيلهم .. إنها حالة لا تنبع من مصلحة بل من عشق لا يبتغي غير الفن وإرساء جسور حقيقية بين الفنانين العرب وشحذ طاقات الإبداع لديهمموصلة بجذورهم الحضارية.
هذه الشحنة المعنوية – إلى جانب ما ذكرناه من منابع الإلهام الطبيعية – هيأت لجميع الفنانين حالة إبداعية مشحوذة، لإنجاز أعمال فنية يقام بها معرض في نهاية الملتقى، فبات الجميع على استعداد لمواصلة النهار بالليل في سباق مع الزمن، حتى الفنان جورج البهجوري، والذي كان مدعوا لتكريمه كرمز للمثابرة الإبداعية في مصر وهو غير مطالب بإنتاج أعمال جديدة نظراً لظروفه الصحية الصعبة، تحدى مرضه ورسم عدداً أكثر ممارسه أي فنان شاب من أعمال، بل أن الأزمة الصحية المفاجئة للفنان رضا عبدالسلام لم تمنعه من مواصلة الرسم بغزارة .. هكذا جاءت المحصلة النهائية أكثر من 50 لوحة بأحجام ضخمة وبألوان زيت وأكريلك، غير الأعمال الصغيرة والتجريبية والعجالات الخطية، بل أن لوحة واحدة للفنان أشرف زكي أنجزت كجدارية بعرض أربعة أمتار ونصف المتر، مكتظة بتفاصيل بالغة الدقة والرهافة، كل ذلك تم في أيام لا تتعدى السبعة، وبخبرات تقنية عالية.
وفي المقابل أنتج الفنانون الأردنيون أفضل ما لديهم من خبرة إبداعية ينافسون بها إخوانهم المصريين، وحرصوا دائماً على الاستماع إلى انطباعاتنا عن أعمالهم والأخذ بملاحظاتنا بشأنها دون حساسية مهنية متوقعة في مثل هذه الظروف، وبهذا يمكن القول بأن الهدف الأساسي للسمبوزيوم قد تحقق بامتياز، وتم تدشينه في افتتاح المعرض في اليوم الأخير بحضور مكثف من الفنانين والنقاد والشعراء والمثقفين الأردنيين، وتلته ندوة عن مسار حركة الفنون التشكيلية المصرية وعرض لتجرية الفنان مهنا الدرة بالأردن، وذلك عقب حفل التكريم بمنح تماثيل الأوسكار القيمة والدروع وشهادات التقدير للجميع، حيث قام بتسليمها أحد الوزراء السابقين بالحكومة الأردنية والمستشار الثقافي المصري بعمان، إلى جانب مؤسس السمبوزيوم.
وقد لا تسمح المساحة هنا إلا باستعراض موجز للأعمال الفنية التي أنجزت هناك، ونستطيع القول أن أعمال الفنانين المصريين عكست أساليبهم التي عرفوا بها من قبل، وقد حلت بها مسحة من طبيعة المكان وأجوائه السحرية .. فكانت الرسوم الخطية السريعة وكبيرة الحجم للفنانالهجوري للمغني الأردني الموهوب أيمن تيسير أثناء حفله الغنائي الذي أقامه بالمرسم على شرفنا، تمثل حالة من التماهي التشكيلي مع الإنسياب النغمي لهذا الموسيقار المبدع والموسيقيين المصاحبين له، بحسٍ عفوي جياش بالعاطفة وملئ بالطاقة التعبيرية، بخلاف لوحته الكبيرة التي استدعى فيها أم كلثوم، فجاءت واحدة في سلسلة لوحاته الشهيرة عنها، إلى جانب لوحات زيتية أخرى قام بإنجازها لشخصيات أثارت اهتمامه .. أما الفنان رضا عبد السلام فقد استدعى عناصر عالمة التجريدي الذي تميز به، وأدمج فيه رؤاه الحداثية بتأثيرات وافدة من الطبيعة والمباني والمشخصات الإنسانية. والفنان محمد عرابي استدعى ملامح البيت الصعيدي بما يحمله من علامات تمثل ذاكرة أصحابه ووجوههم الحميمة بهويتها المصرية، وانعكست الطبيعة الجبلية في الخلفية كأصداء تتذبذب في أجواء أسطورية. وجاءت جدارية الفنان أشرف زكي كلحن كورالي عريض يعزف أغامه بقطع الموزاييك الصغيرة عندما يشاهد عن بعد. لكنه عبر الاقتراب منه تتضح فيه وحدات رسم زخرفية منسوجة كخيوط الحرير بملامح مصرية على خلفية الطبيعة الجبلية بالأردن .. واستأنف الفنان كلاي قاسم بحثه التقني الذي عرف به في الأسكندرية من خلال لوحتين عملاقتين تمتلئان بتفاعلات الألوان المتآكلة كتأثير الزمن، على سطوح نابضة بالتوتر برغم البناء التشخيصي السابق لكل شخصية في اللوحتين .. وأطل الفنان محمد دسوقي– عبر لوحتين كبيرتين – على وديان الأردن برؤية تتجاوز آفاق المنظر الطبيعي نحو تشكيل لوني وملمسي بالغ الثراء، يحمل حالة يمكن اعتبارها “ما وراء الطبيعة” .. واستخدم الفنان خالد السماحي مهاراته العالية في الرسم الواقعي لتشكيل مشهد بانورامي للوادي الذ يطل عليه المرسم بحس تأثيري نابض بالنور والظلال، وتقاربت الرؤى الفنية بين الفنانين عماد إبراهيموعلي حسان، بحسها الواقعي الانطباعي عن المكان، خاصة الأشجار العتيقة بظلالها الوارفة على أديم الأرض الجبلية .. وتجلت في لوحات الفنانة أماني زهران تأثيرات البتراء الجبلية وسكانها البدو، مشبعة بسخونة الشمس على الجبال والوجوه النحاسية اللامعة .. واستعادت الفنانة منى عليوة عالمها الرومانسي بواقعية سحرية لشخوصها الساكنة وهي تتراوح بين حالات الحب والحلم والذهول أمام المجهول .. وزاوجت هالة رفاعي بين البناء التجريدي والمضمون المفاهيمي برؤية حداثية تقترب من “البوب أرت” وتنعكس فيها ألوان الصحراء في مساحات لونية مسطحة تعلوها عناصر مصورة فوتوغرافياً كعلامات ذات دلالات خاصة، والفنان هاني راشد ينتمي بدوره إلى التجريدية بحس “البوب أرت” فوق لوحة بانورامية ضخمة، جامعاً عناصر هندسية وتعبيرية للطبيعة في مصر والأردن بإيماءات رمزية، واستحضر الفنانرمضان عبدالمعتمد قصاصات من الصحف وألصقها متجاورة فوق سطوح لوحتين كبيرتين كنوع من “الكولاج” المعالج بتأثيرات السيولة اللونية موحياً بحس القدم والتاريخ، وجاءت لوحتا الفنان رامي عطية لوجوه تمثل المرأة الريفية المصرية، بحس يبدو متأثراً بأسلوب الفنانة تحية حليم وألوانها الدافئة المتآكلة، لكنه جعل الخلفية مساحة صفراء ساطعة تحمل علامات مرورية تحذر من الاقتراب والتحرش.. وهي بداية لمشوار طويل صعب ينبغي أن يتفرغ له كي يأخذ مكانه كفنان.
وإذا جاز لي الإشارة إلى لوحاتي الثلاث خلال الملتقى، فقد جاءت معبرة عن إحساسي منذ أكثر من 35 عاماً عندما التقيت لأول مرة بجبال سيناء بعد تحريرها، وبصخورها المتأنسنة أو المتشيطنة المشبعة بالأسطورة .. لذا جاءت لوحاتي مشبعة بذلك الحس الما ورائي، متجاوزة حدود التاريخ والجغرافيا نحو روى كونية أبطالها عمالقة من الصخور النابضة بمشاعر إنسانية.
أما أعمال الفنانين الأردنين فتحتاج إلى تقديم خاص أرجو أن أكتبه لاحقاً، نظراً لضيق المساحة هنا.
وبعد …
هل تنبئ هذه المبادرة الفنية والثقافية الهامة عن صحوة عربية تستقطب طاقات الفنانين من كافة الأقطار لمد جسور التلاقي واجتياز حدود العزلة والتنائي غير المبرر بينهم؟ .. هذا ما نتطلع إليه.
عناق الحضارة والطبيعة في ملتقى الإبداع بالأردن
عز الدين نجيب
على كثرة الملتقيات التي شاركت فيها عبر مشواري الفني – محلياً ودولياً – فإن سمبوزيوم مصر/الأردن الذي أقيم في الفترة من 1-10 سبتمبر يعد واحداً من أهمها واقواها سواء على مستوى التنظيم أو مستوى الإبداع، فضلاً عن القيمة المضافة. بمد جسر جديد للتواصل والتفاعل الإبداعي والقومي بين فناني الأقطار العربية بعيداً عن الحكومات والأطر البيروقراطية، كونه حدثاً أهلياً واختيارياً بامتياز، بدعوة وتنظيم من مركز جلعد الثقافي بعمان، الذي يملك أكبر متحف أهلي للفنون التشكيلية العربية الحديثة والمعاصرة، وهو يضم أكثر من 2000 عمل فني، منها 400 عمل اقتناها من أعمال رواد الحركة الفنية المصرية وفنانيها المحدثين.
والقيمة الثقافية الآخرى هي التقاء الفنانين بمنابع جديدة للإبداع الفني، بين تجليات الحضارات القديمة في الأردن (نبطية ورومانية ومسيحية وإسلامية، التي تعرفنا عليها في المتاحف القومية بعمان)، وبين تجليات الطبيعة المدهشة في مناطق البتراء ووادي رم والبحر الميت وغيرها، وهي – بحد ذاتها – تمثل عناقاً بين عبقرية المكان وعبقرية الإنسان، الذي استطاع عبر عصور سحيقة خلق أسطورة حية عن تطويع الطبيعة لأغراضه العقائدية وسلامه وحبه للحياة وتطلعه للخلود، فارتقى أعالي الجبال الشاهقة وشق أحشاءها وقام بنحت معابده ورموزه ومقابره بداخلها، بواجهات ذات أعمدة رومانية سامعة وجمالونات هرمية ومدرجات لا نهائية الدرجات وحجرات منحوتة بالأزاميل والأيدي دون استعانة بسقالات صاعدة من أسفل، وصولاً إلى ارتفاعات مخيفة مما يحير العقل ويخطق الألباب، حيث يصعب حتى على آليات البناء الحديثة إنجازها بكل ما تملكه وسائل التكنولوجيا، لكن الإنسان القديم المدفوع بقوة العقيدة وطاقة التحدي للطبيعة لإثبات وجوده، حل هذه المعضلة الهندسية ببساطة شديدة؛ بأن بدأ العمل من أعلى بعد أن تسلق الجبال العمودية، ثم أخذ في النزول درجة درجة بغير تجهيزات معمارية، مدفوعاً فقط بطاقة الإيمان والإرادة البشرية.
ولم يكن ذلك وحده مكمن الأسطورة، فثمة أساطير وقوى روحية أخرى يحملها وادي رم، موحياً بلقاء روحاني بين الإنسان والكون، عبر تأمل لحظات غروب الشمس خلف الجبال، وتوهج عناقيد النجوم كعقود اللؤلؤ. وسطوع القمر بإطلالة ساحرة تدفع للتماهي الروحاني مع الوجود، ثم أسطورة البحر الميت التي تحكي نصه قوم لوط وكيف خسفت بهم الأرض وغاصت مدينتهم تحت أمواج البحر الذي أصبح مستودعاً للملح بقدر الماء الذي نضب منه.
كثيرة هي مصادر الإلهام والرؤى الغرائبية تلقاها بشغف شديد فريق الفنانين المصريين (16 فناناً) من أجيال ومذاهب مختلفة، بدءا من الفنان الكبير جورج البهجورى وكاتب هذه السطور ( اللذان دعيا كضيفى الشرف للملتقى ) والفنانيين الكبيرين رضا عبد السلام ، محمد عرابى ، وامتدادا من الاجيال التالية كان هناك الفنانون كلاى قاسم ، خالد السماحى ، اشرف زكى ، محمد دسوقى ، منى عليوة ، امانى زهران ، هالة رفاعى ، رمضان عبد المعتمد ، هانى راشد ، على حسان ، عماد ابراهيم ، بجوار قومسير الجانب المصرى رامى عطيه … وقد جمعهم التلاقي الحميم مع ستة من أخوانهم الأردنيين، بدعم باذخ الكرم من أسرة راعي الملتقى بجميع أفرادها، حيث تفرغوا تماماً لمصاحبتناً طوال أيام الملتقى ومساعدتنا بكل السبل، وإشعارنا بأننا في بلدنا وبيتنا، كشأن جميع الأردنيين مع أشقائهم المصريين، فقدموا نموذجاً راقياً جديراً بالإقتداء به لدور رجال الأعمال في دعم الثقافة والفنون بغير أغراض مصلحية.
في مثل هذا الجو يطفو من روح الإنسان أجمل ما فيها .. وهو الإبداع .. وتتوارى النزعات الأنانية والسلبية فتتعاظم قيمة العمل ويعلو المشروع الجماعي ويزيد التحدي لإنجازه .. وهكذا تسابق جميع الفنانين – مصرين وأردنيين – لرسم أكثر من 50 عملاً فنياً حلال مدة لا تزيد عن أسبوع واحد، ولم يكن بين هذا العدد إلا القليل من الأعمال التسجيلية، فيما كان أغلبها إجتراراً لخبرات سابقة أو استلهاماً للطبيعة هناك بحس تأملي . والعبرة ليست بعدد الأعمال، بل بالمستوى الفني، وهو ما تحقق في الكثير منها. وقد تجلى انبهار الجمهور الكبير يوم افتتاح المعرض بهذا المستوى، فأعطى إشارة لإمكان استعادة الأمل في بناء حركة فنية عربية ناضجة ومتفاعلة وعابرة للحدود والصراعات، ولم يكن تكريم جميع الفنانين من مصر – شيوخهم وشبابهم – إلا تعبيراً رمزياً عن تبجيل الإبداع والعطاء، وعن الإمتنان لما تحقق من لحمة قوية بين الأشقاء من مصر والأردن.