سيدة خليل..

والعبور من دوائر الرعب!

2 ابريل 2019
دوائر وأنصاف دوائر متقاطعة ، واشكال بيضاوية وقوسية ، جميعها من النحاس الصلب ، تربطها ببعضها البعض عوارض معدنية مضلعة أو اسطوانية ، فتشكل الفنانة سيدة خليل بها جميعا .. متتالية غير منتظمةمن الحلقات السميكة تكوٌن ما يشبه الأنفاق ، تنحشر فى وسطها مفكات المسامير المشكٌلة على هيئة اشخاص يضعون خوذات على رؤوسهم كالجنود او عمال المناجم ، يؤلفون صفوفا مستقيمة ، وثمة شكل بيضاوي من نفس المعدن على هيئة قلب إنسانى رمزا لنبض الأشخاص ، وقد انحشر مختنقا بدوره ، تدور الدوائر وتترنح صفوف الجنود او العمال فاقدين توازنهم وسط حركة حلزونية وكأنهم داخل ماكينة حفر هائلة للأنفاق ، والرجال بداخلها يناضلون للخروج من دوائر الرعب التى حسبوها – حين دخلوا فيها – معبرا سوف يخرجون منه سالمين الى عالم آخر..لكن هيهات!
تلك قراءة لأغلب الأعمال النحتية فى معرض الفنانة د. سيدة خليل بقاعة أوبونتو فى دورها العلوى ، انها مجسمات تحسبها عند النظرة الأولى تصميمات تجريدية من الفن الهندسى المعدنى أقرب الى فن التصميم الذهنى الذى شاع فى الغرب بعد الحرب العالمية الثانية دون تحميله هناك بأفكار فلسفية ، وهو فن يتسق مع النزعة الميكانيكية والعلمية للعصر الحديث ، مع استحداث أنماط جمالية بأحجام عملاقة لتوضع فى الميادين والحدائق العامة ، متحررة من اي معنى او مشخصات عضوية ، لا يعني مبدعيها إلا ان تتحاور مع الفضاءات الشاسعة بسطوحها المعدنية ، من خلال علاقات هندسية تؤكد التوازن الدقيق بين الشكل المجسم والفراغ من حوله.
كان وجود المشخصات الانسانية على هيئة مفكات المسامير بداخل الدوائر والأقواس والعوارض هو المفتاح/الشفرة ، الذى فتحتُ أنا به الرؤية التعبيرية للفنانة ؛ فثمة حالة من الصراع بداخل هذا النفق الافتراضى الذى أطلقت الفنانة عليه اسم “المعبر” ، وهؤلاء إذن هم العابرون التعساء ، إذ وجدوا أنفسهم بين فكاك مفترسة ، وكانهم دخلوا مفرمة للبشر وليست معبرا للخلاص !
غير ان الفيصل فى تحقيق القيمة فى الفن ليس قوة الفكرة مهما عظمت ، إنما هو فى كيفية تطبيقها كشكل جمالى مبتكر ، يحيلها الى كيان حى ومتفاعل مع المشاهد فوق ان يكون جذابا لعينيه ، وهذا ما نجحت فى تحقيقه الفنانة “سيدة” الى حد كبير ، بمهارة التصميم ، وبالذكاء فى إيجاد علاقة عضوية نابضة بداخل الأشكال الهندسية المجردة والجافة بطبيعتها ، والغريبة أيضا على ثقافتنا وطبيعتنا ، والأهم من ذلك أنها نجحت بنسبة عالية فى تحقيق التوافق والتوازن بين الاشكال الهندسية المجردة والاشكال العضوية للاشخاص ، إضافة الى تحقيق التوازن الكلى بين الاجسام المعدنية وبين الفراغات الناشئة بداخلها ومن حولها ، ما ساعد فى ترجمة الفكرة المجردة الى عمل تعبيرى رمزى يحرك العقل والوجدان.
وتبقى كلمة أخيرة تتعلق بصعوبة التعامل الفنى بالنسبة لسيدة(ايا كانت) مع معادن صلبة وتطويعها يدويا بدون الاستعانة بفنيين متخصصين ، ولكن الإصرار على التحدى والخبرة المكتسبة ليسا ملكا للرجال وحدهم ، هذا ما تثبته النحاتة د. سيدة بشكل محسوس ، وبغير ادعاء للريادة النسائية فى هذا المجال.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »