صدٌق او لا تصدق : إعلان فى شكل مقال بجريدة يومية شهيرة ، لشغل وظيفة خالية هى “حاكم سيناء ” لمدة ست سنوات، يتمتع بسلطات مستقلة تماما عن الدولة المصرية أعلى من سلطات المحافظ ، ويتحصن بقوانين خاصة لحكم إقليم بنظام أقرب الى الحكم الذاتى، على غرار هونج كونج ، بهدف استقطاب رؤوس اموال ومشروعات أجنبية لتنمية سيناء!
سيناء..التى ارتوت – جيلا بعد جيل – بدماء عشرات الألوف من المصريين، كانت ثمنا للحفاظ علي أرضها كخط دفاع اول عن حدود مصر، وعلى مر التاريخ منذ العصور الفرعونية حتى ١٩٦٧ كانت هى بوابة العبور لكل الغزاة والطامعين فى مصر ، كما كانت مسرحا للفداء ولملاحم البطولة وعنوانا للنصر ، وآخر نصر كان عند تحريرها من الاحتلال الاسرائيلى ١٩٧٣ ، جاء الوقت لنجد البعض يطالب بجعلها “كعب أخيل” أو نقطة الضعف غير المحصنة أمام أى غزو جديد ، وبأن تزرع بدويلات الاستثمار الحر كمحميات لرجال المال و الأعمال من أنحاء العولمة الكونية ، محصنة بقوانين “نيوليبرالية” ، وهو اسم التدليل للرأسمالية المتوحشة ، ومصب هذه القوانين عبارة عن مبدأ حاكم من كلمتين؛ دعه يمر !..يحدث هذا اليوم ولم تمض غير سنوات قليلة على إحباط محاولة الإخوان المسلمين لاختطاف سيناء لتكون دولة لحماس الإخوانية بادعاء ان تكون أرضا بديلة للدولة الفلسطينية..اليوم يختلف العنوان.. لكن المشروع لا يختلف كثيرا !
ترى من هو اول من يمر إلا مستثمرو إسرائيل ومن وراء إسرائيل؟ ..وهل يختلف ذلك عن مشروع حفر قناة السويس فى القرن ١٩ الذى كان مقدمة لاحتلال مصر الذى دام ٧٠ عاما؟..أليست هذه دعوة صريحة لاختراق أمننا القومى ، وأسلوبا بديلا عن خوض المعارك وأنهار الدماء لفرض الهيمنة الامبريالية فى حلة عصرية أنيقة اسمها التنمية الاقتصادية والحضارية؟!
من هو كاتب المقال؟..
إنه نيوتن..وهو اسم مستعار لشخص مهم اسمه صلاح دياب ، وهذا أمر معروف للقاصى والدانى ، ومعروف أيضا انه مالك جريدة المصرى اليوم ، وقد نجح على مدار عمر الجريد ة التى صدرت أوائل الألفية الثالثة ، فى تأصيل تيار يتلفح بالديمقراطية السياسية وبالليبرالية الاقتصادية ، ويهاجم القطاع العام بضراوة ، ويدافع عن مصالح كبار رجال الاعمال وهو أحدهم ، ويؤصل بداب شديد للعداء لثورة يوليو ٥٢، ولا يفوٌِت فرصة لإثبات دكتاتورية زعيمها وإجهاضه للازدهار الذى كان حاصلا فى عهد الملكية فى مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة وغيرها، وضربه للديمقراطية ، ومسؤوليته عن انهيار مصر خاصة بعد التأميمات والقطاع العام و هزيمة ٦٧ ، لكن نيوتن- والحق يقال – يملك أسلوبا صحفيا جذابا للقارئ العادى يتميز بالذكاء والاختزال والمناورة والمواربة والمبادرة بطرح موضوعات مسكوت عنها بمهارة أكروباتية تجنبه السقوط فى خصومة مع الدولة، وربما خانه ذكاؤه ومهاراته ورشاقة أسلوبه المشَفٌَى من الزوائد هذه المرة ، فدخل – عبر مقاله المنشور يوم ١١ ابريل الماضى تحت عنوان “استحداث وظيفة” – فى منطقة محظورة تعد من محظورات الامن القومى ، متحدثا بفجاجة صادمة للمشاعر الوطنية.
ولم يكن غريبا – برغم هذه الفجاجة – أن يجد من يهلل لاقتراحه من بعض الذين اعتادوا من القراء التعليق على مقالاته بإعجاب كثيرا ما يصل الى حد النفاق، و من بينهم عشاق لعبدالناصر وثورة يوليو ، ومن بينهم اليوم أيضا كاتب كبير لعمود يومى فى نفس الجريدة تجاوز فى مديحه وتهليله للمقال كل الحدود ، رغم انه وفدى متعصب، بما يفترض معه الاخلاص لتراث الوفد الوطنى..وان كان يمكن تفهم موقفه على أنه حريص على استمرار كتاباته فى الجريدة بأى ثمن…لكن الغريب حقا هو ان المقال مر مرور الكرام أمام جهابذة الكتاب والأصوات العالية بالمصرى اليوم وخارجها ، وبعضهم ممن اعتادوا المزايدة الوطنية على النظام القائم ، ودعونا نلتمس العذر لصمتهم ، بوقوعهم تحت تخدير جائحة كورونا..عافاهم الله!!