فيس بوك 30 مايو 2022
أيهما أسبق فى رؤية الفنان..الواقع أم الخيال؟
الواقع بالطبع هو الأصل فى هذه الرؤية ، والخيال هو مصدر الإلهام ، ولا مفر من اجتماعهما معا بداخلها ، وحتى لو كان العمل الفنى واقعيا بحتا ، فبمجرد أن ينتقل الفنان من حيز الطبيعة الى مسطح اللوحة ، تدب الحياة فى العمل الفنى بقانون الفن لا بقانون الواقع ، أى بعلاقات الشكل الجمالى ، ويصبح على الفنان الحقيقى أن يعيد صياغة الواقع برؤية ابتكارية خاصة ، فإذا وقع فى فخ المحاكاة الفوتوغرافية له بغير اختزال أوحذف أو إضافة أو تحوير أو تغيير ، خرج من محيط الإبداع ودخل فى محيط الصنعة والتقليد السطحى مهما كانت مهاراته وحرفيته فى نقل الواقع ، وفى نفس الوقت لو خلا العمل الفنى المغرق فى الخيال من إيماءات وإيحاءات بواقع ما ، ومن مرجعيات الطبيعة والإنسان ، فإن خطوط الاتصال بينه وبين العين والذاكرة البصرية للمشاهد سوف تنقطع ، وسوف تعجز ذائقة هذا المشاهد عن التفاعل مع العمل الفنى ، فلا يستطيع أن يشارك بخياله فى استخراج الرؤية الفنية للفنان وأن يستقرئ عالمه ، وأن يستكمل بالخيال ما يخفيه الرسام أو النحات ، وتلك هى المشكلة الرئيسية التى تواجه الفن التجريدى البحت ، إذ يفتقر إلى مرجعية من الواقع ، فيبقى العمل الفنى مغلقا أمام المشاهد مهما تضمن من عناصر الإبهار الجمالى ، سواء فى التكوين أوالخطوط او الألوان ، وسواء فى الأشكال أو الكتل أو الملامس أو التوازنات ، ويبقى العمل مجرد أعمال للديكور أو للزينة فحسب.
هذه المعادلة الصعبة نراها متحققة الى حد كبير فى المعرض الاول للفنان طلبة عبد الغنى بقاعة النهضة بمتحف مختار ، والحقيقة أن المعرض كان مفاجأة سارة ومدهشة بالنسبة لى ، لأننى أعرف “طلبة” منذ ٣٠ عاما كنساج ماهر للفن المعروف باسم “الجوبلان” ، أو النسجيات المُرَسٌَمة ، يقوم فيه بتحويل لوحات الفنانين الى معلقات نسيجية بخيوط الصوف التى يصبغها بيديه بمختلف الألوان والدرجات البينية فى اللوحة الأصلية ، وذلك على النول اليدوى بتقنيةبساط الكليم ذات أسطر النسيج المتعرجة وليست المنتظمة بنظام “العُقَد” فى تقنية السجاد ، وهو نسق فنى تراثى فى حضاراتنا منذ العصر القبطى، استُخدِم فى الأزياء الفاخرة للسلاطين والأمراء والأميرات ورجال الدين وبعض المشاهد الدينية والأيقونات، فيما كان يسمى بفن القباطى نسبة للأقباط الذين برعوا فيه ، وحدث التوسع فى استخدامه وتميز بمستوى رفيع فى الحقب الإسلامية ، ثم انتقل من مصر إلى أوروبا بين إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمجر ، وجاءت تسميته بكلمة جوبلان نسبة إلى اسم صاحب المصنع الذى أقامه فى فرنسا ، ومن خلال هذه التقنية أبدع بعض رواد الفن الكلاسيكى الأوروبى أعمالا جداريةضخمة زينت قصور الملوك ، وهى الآن تزين جدران بعض المتاحف العالمية خاصة متحف “البرادو” فى مدريد ، وفى الستينيات أنشأ وزير الثقافة ثروت عكاشة مركزا متخصصا فى هذا الفن بحلوان تحت اسم “دار النسجيات المرسمة” قام بتأسيسه ورئاسته أحد أساتذة النسيج بكلية الفنون التطبيقية ، وأوفد الوزير عددا من خريجى الفنون التطبيقية لدراسته فى فرنسا والمجر ، وحين توليت رئاسة الإدارة العامة للحرف التقليدية عام ١٩٩٢ كانت دار النسجيات المرسمة تعانى من أمراض القلب ومن سكرات الموت السريرى، بعد أن تم إهمال إنجازات ثروت عكاشة فقمت – بمساعدة الدكتور أحمد نوار رئيس الإدارة المركزية للفنون التشكيلية آنذاك – بإعادة بناء الدار ، بدءا من المبنى حتى الأنوال الضخمة ومعدات الإنتاج والتدريب ، هى وشقيقاتها الخمس الأخرى لمراكز الحرف والفنون المرتبطة بالتراث لإحيائه واستلهامه ، وبدلا من إيفاد البعثات للتدريب فى الخارج كما فعل عكاشة ، قمت بالاستعانة بكبار الحرفيين فى مختلف التخصصات لتدريب أجيال جديدة مع الاحتفاظ بالعاملين القدامى الدارسين فى أوروبا ، وكان “طلبة” أحدهم ولكن فى مجال النسجيات المرسمة ، نظرا لمهاراته العالية واعتماده على تقاليد هذا الفن فى مصر عبر العصور ، كما دعوته للمشاركة فى تأسيس “جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة” حتى صار أحد أعمدتها فيما بعد ، وعن طريقهاحاز العديد من الجوائز المحلية والدولية وقام بمشروعات مهمة بالداخل والخارج فى مجاله المهنى الذى تفرد فيه وأبهر به الجميع.
حكيت ذلك الجانب المهنى بكل هذا التفصيل عامدا ، لما يمثله من مفارقة ومزاوجة فى نفس الوقت مع ما قدمه فى معرضه الاول ، بعد أن بلغ سن التقاعد من عمله الوظيفى بوزارة الثقافة الذى تدرج فيه حتى حصوله على درجة مدير عام بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، فبدلا من أن يعرض فى هذا المعرض مجموعة من النسجيات المرسمة التى اشتهر بها ، إذا به يفاجئنا بعرض عدد كبير من لوحات التصوير الزيتى ومن أعمال الرسم باللون الأسود وحده، وليست هذه هى المفاجاة الوحيدة ، بل الأهم هو المستوى الاحترافى لهذه اللوحات ، متجاوزا نقاط الضعف المعتادة فى جميع البدايات، وكانه ولد فنانا ناضجا فى الستين من عمره ، وما أدهشنى ليس فقط مهارته العالية فى استخدام الألوان وإيجاد الملامس الناعمة والخشنة والنافرة والسائلة فوق السطح والمتداخلة بغموض او المتقابلة بصدمة لونية لكنها متجانسة وفق سلم الالوان ، بل كذلك لامتلاكه رؤية تعبيرية شديدة الخصوصية والتميز، خلق من خلالها عالما أسطوريا غرائبيا ، أستطيع وصفه بعالم المدن المندثرة عقب زلزال مدمر او سيول مثل “تسونامى” أو براكين تطلق الحمم ، وبقيت أطلالها شاهدة على حضارة مجهولة، إنها مدن نرى فيها انصهار البيوت بطوابقها الشاهقة ، والجبال بصخورها العملاقة التى تنهمر انهمار هشيم تذروه الرياح ، والأشجار الطائرةبغصون جافة وأحيانا لا تزال تحتفظ بأوراقها النضرة ، وتتراوح ألوان كل هذة المشاهد بين ألوان النار والرماد والثلوج ، وكيف أصبحت أشبه بجبال الجليد البيضاء وقد تمثلت آثارا لمدن ابتلعها الطوفان العظيم.
لكننا نفاجأ مرة أخرى بوجود شخصيات أغلبها نسائية حية فاتنة بأزياء عصور غابرة وأحيانا تبدو عارية تماما ، وهى تسعى وتتحرك بطمأنينة غريبة وسط هذه الخرائب ،ونرى بعضها بما يشبه “الملاية اللف” فى الأحياء الشعبية العتيقة .
هكذا يمزج “طلبة” بين المحسوس والمبهم ، وبين الواقع والأسطورة ، وإمعانا فى المفارقة الساخرة يضفى على مشاهده مسحة من الحياة المعاصرة ، ولا يفعل ذلك بالتزام بأية قواعد للتشريح او المنظور الهندسى ثلاثى الأبعاد، او بمنطقية النسب الطبيعية والأبعاد فى عمق اللوحة فى اختلافها بين القريب والبعيد داخل اللوحة ، ولا حتى بالالتزام بين وحدة الإضاءة فى الليل او فى النهار ، بل إنه يقوم بخلط كل ذلك ، فلا نعرف أين نحن وفى أى زمان او مكان او ليل او نهار أو شمس او قمر ، ولا تنتابنا أسئلة بشأن كل ذلك ، بل تطل أسئلة وجودية عن فناء العالم وخلقه من جديد ، وعن جبروت الظواهر الطبيعية التى يواجهها الإنسان الأعزل إلا من إرادة الحياة وغرائز البقاء والحب والتناسل ، لكننا لا تستغرقنا الأسئلة كثيرا ، إذ يحتوينا هذا العالم الخرافى حتى نصبح جزءا منه ، تبهرنا ألوانه وانشطارات جباله وتشققات جدرانه وهياج قذائف حممه البركانية وأمواج بحاره الغاضبة ، وقد نشعر فى خضم هذا كله أحيانا بأننا فى حلم أو كابوس ، أو أننا فى داخل عالم افتراضى من الخيال العلمى ، كما تبهرنا نمنمات رسوم الفنان لتفاصيل شديدة الدقة وهى تتسلل داخل تشققات الصخور وتجاويفها المدهشة ، أو رسومه لوجوه وأشخاص يتماهون وسط حنايا الجبال والأشجار بألوان تنسال فى ليونة كتجاعيد وجوه لمخلوقات غرائبية.
هل ثمة علاقة بين ذلك كله وبين خبراته السابقة فى نسج الخيوط الدقيقة الملونة بشتى الألوان وخلق مساحات من الدهشة والغموض من خلالها وهو يمرر أصابعه المدربة على اللعب بين خيوط السدة واللحمة فوق النول الخشبى ، كالعزف بالتونات اللونية على أصابع البيانو؟..أعتقد ذلك ، ولعله سر هذه الخلطة السحرية فى تقنيات “طلبة” ، وكأن مهارات الحرفة اليدوية التى استخدم فيها عشرات الخيوط المصبوغة بألوانه الأشبه بألوان قوس قزح ، امتزجت بعشرات الألوان والدرجات ، عبر خيال خصب يتجاوز قوانين الطبيعة والواقع.
وإن كنت أرى أن التوفيق قد خانه حين قام بإبراز بعض مشخصاته بصراحة مجانية ، ففرضت وجودها غير الضرورى ، وأحيانا غير المتقن ، على مجمل العمل الفنى ، فأدت إلى ارتباك السياق الأسطورى وعدم اتساق الرؤية الجمالية فى بعض اللوحات، إن لم يكن فى الكثير منها.

