ظهور “الفنار القديم” ..دليل براءة أم دليل اتهام؟ دعوة لإنشاء هيئة قومية للمتاحف الفنية

عز الدين نجيب

فيس بوك 15 يونيو 2022

هذه قصةلشهامة ووطنيةشاب مصرى رفض الحصول عل مليونى جنيه دثمنا للوحة الفنان عبد الهادى الجزار المسماة “من وحى فنارات البحر الأحمر” ، التى كانت فى حوزته طوال سنوات عديدة دون أن يعرف قيمتها وحقيقتها ، وعندما عرف..فضٌَل أن يعيدها الى الدولة ممثلة فى وزارة الثقافة ، بعد أن أدرك قصتها التى تداولتها منصات التواصل الاجتماعى ، مضحيا بالحصول على اى مبلغ ، إنما فعل ذلك بدافع وطنى وأخلاقى لم يتوافر لدى من ضيعوها من متحف الفن الحديث قبل أكثر من نصف قرن..
هذا هو المعدن الأصيل للمصرى “ابن البلد” عند الامتحان ، مهما تكالبت عليةعوادى الزمن وضيق الرزق والانهيار الأخلاقى ، ومهما نالت هذه المتغيرات من ضمائر وأخلاقيات بعض المكلفين بحماية تراث الوطن.
هذا يذكرنى بما فعله الأستاذ هشام قنديل مدير مركز أتيليه العرب للثقافة والفنون وقاعة ضى قبل أكثر من ١٢ سنة حين سلم اللوحات المسروقة الخاصة بالفنان حامد ندا الى وزير الثقافة فاروق حسنى، حيث كان قد عرضها عليه من قام بسرقتها من دار الأوبرا دون إعلامه بالحقيقة ، لكنه شك فى ذلك حتى عرف بها ، وكان بإمكانه ان يتربح الكثير من ورائها ، لكنه أبى إلا أن يعيدها الى الوزارة ، فاستحق عن ذلك التكريم والإشادة.
وبالمثل أقيم الاحتفال والتكريم بمكتب وزيرة الثقافة د. إيناس عبد الدايم لمن أعاد اللوحة الضالةللجزار الى بيتها ، وهلل الجميع وكبروا لظهور صك البراءة للمسؤولين عن المتحف، بعد أن تعالت أصوات تتهمهم بالتفريط فى التراث الفنى للدولة والشعب ، وكنت أحد موجهى الاتهام ، مما استدعى استحضار سوابق عديدة لهذا التفريط الذى بلغ درجة الجريمة المنظمة فى بعض الحالات كما أوضحتها فى مقالى. واليوم يشعرون بالسعادة ويلهجون بالحمد لله الذى أبرأ ذمتهم ورد كيد أعدائهم، ولسان حالهم يقول للشامتين : موتوا بغيظكم!
وفى خضم الفرحة الغامرة لم يسأل أحد هذا السؤال البسيط : كيف خرجت لوحة الجزار من وزارة الثقافة حتى وصلت الى المكان الذى وجدت به؟ (ودعونى أسمى اللوحة اختصارا “الفنار القديم” مع احتفاظها باسمها الموثق فى الدفاتر) ، وكانت آنذاك فى عهدة متحف الفن الحديث فى مقره القديم بقصر هدى شعراوى بشارع قصر النيل قبل هدمه، على إثر خروج ثروت عكاشة من الوزارة وتولى عبد القادر حاتم شؤونها الى جانب السياحة والإعلام، ليقام مكانه فندق سياحى، لكن أرضه ظلت خالية عشرات السنين، غارقة فى طفح المياه الجوفية ، بعد أن خسرنا المتحف والقصر التاريخى العظيم ، ومنذ ذلك الوقت خرج من المتحف العديد من أعمال الرواد لتعرض فى مكاتب الوزراء والمصالح الحكومية والسفارات فى دول العالم ولم تعد واحدة منها ، بل عرف بعضها طريقه الى بيوت الأشخاص و إلى صالات البيع فى مصر وخارجها ، وهناك قائمة طويلةبمثل هذه الأعمال لكبار الفنانين والرواد ، وعلى نفس الطريق ساربعض وزراء الثقافة فى كل العهود ، لتجميل جدران مكاتبهم بما شاءوا أو بما شاء لهم سدنتهم من مقتنيات المتاحف جميعا ، بلا ضمانات بإعادتها أو إجراءات قانونية أو مراعاة لحرمة التراث ، ولم يكن بوسع أحد أن يعترض او يتحفظ.
وأذكر فى الثمانينيات أن كان النحات الكبير الراحل صبرى ناشد يشغل منصب مدير المتاحف الفنية بالمركز القومى للفنون التشكيلية ، فأمر وزير الثقافة آنذاك بنقل سجادتين أثريتين من مقتنيات متحف الجزيرة – فيما أذكر – الى مكتبه ، وعندما أصر صبرى على الاعتراض على خروجهما نظرا لأهميتهما الأثرية ، أو على الأقل على تحرير الضمانات القانونية التى تخلى مسؤوليته عن خروجهما ، تم إبعاده عن منصبه إلى منصب وهمى بلا مكتب ولا عمل بل لا يوجد له مسمى فى الهيكل الوظيفى ، ، فما كان منه إلا أن أحضر كرسيا وجلس عليه فى الشارع عند مدخل المركز القومى للفنون التشكيلية ، ليُشهِد كل داخل أو خارج على ما آل إليه مصيره ، أما السجاجيد الأثرية فقد ذهبت الى مكتب الوزير ، ولا ندرى مصيرها بعد ذهابه.
إذن فإن ما يراه الآن مسؤولو الوزارة بشأن ظهور لوحة الفنار القديم ليس دليل براءة من وِزر تبديد التراث ، بل هو فى الحقيقة دليل اتهام حتى ولو كان لأسلافهم من وزراء ومسؤولين سابقين ، إن اللوحة بمثابة كشاف يكشف عن المئات من أمثالها التى خرجت من المتحف فى كل العهود بلا مساءلة أو عقاب ، بل بتواطؤ مشين لا يمكن إنكاره ، ونراه اليوم يتكرر فى واقعة أخرى خطيرة ، بمباركة من وزيرة الثقافة وبعض المسؤولين الكبار ، والواقعة هى نقل عشرات الأعمال الفنية من مقتنيات المتاحف لعرضها فى قصر عائشة فهمى بالزمالك تحت عنوان “فن العشرينيات” ، والمدهش أن القصر يقع فى نفس أرض الجزيرة التى توجد بها تلك المتاحف ، اى على بعد خطوات من القصر الذى كانت له مهمة تاريخية منذ السبعينيات وتخلى عنها ، وهى أن يكون مجمعا لقاعات العرض لمعارض الفنانين ،وهى مهمة بالغة الحيوية فى ظل انكماش قاعات العرض التابعة للدولة فى الوقت الذى تضاعف عدد الفنانين الباحثين عن قاعات لإقامة معارضهم فلا يجدون غير القاعات الخاصة بشروط أصحابها ، فما معنى إفراغ المتاحف من أهم مقتنياتها وعرضها فى مكان قريب منها ؟!..هذا بالإضافة إلى مخاطر التزوير للأعمال المنقولة وعدم التعاقد مع شركات تأمين لضمان سلامتها ، وما معنى أن توضع مقتنيات هذه المتاحف جميعا تحت تصرف موظف وحيد أصبح بمثابة حامل مفاتيح جميع المخازن ، فانفرد بالقرارات وبتنفيذها على هواه بلا حسيب أو رقيب وكأنه فوق كل السلطات والقوانين ، وقد حدث ذلك مرارا من قبل ، سواء بنقل أعمال المستشرقين من متحف الجزيرة أو أعمال الرواد من متحف الفن الحديث ، والمدهش انه يتلقى التهنئةوالإعجاب من بعض كتاب الأعمدة الصحفية ، باعتبار أنه ينتقل بِدُرَر الفن الى الناس ، وكأن أعمال الفنان محمود مختار مثلا اكتشاف لنحات مجهول يسعى سيادته لتعريف الناس به ، مما يستدعى إخلاء متحفه من نصف مقتنياته ليراها الناس على بعد كيلومترين من متحفه التاريخى ، لكن الحقيقة ان فكرة الاستنساخ لاعمال الرواد تظل هاجسا يفرض نفسه على المراقب لحالات شبيهة حدث فيها مثل ذلك بمجرد خروج الأعمال من مقارها أو فى طريق عودتها إليها ، هذا فضلا عن تكريس معنى قلةالأهميةوالاعتبارللمتاحف ذات التاريخ العريق ، فنقوم باختزالهافى عروض مجتزأةبشكل مُخِلٌ بعيدا عن سياقها. إن نقل لوحة من أى متحف عالمى الى متحف آخر يعد حدثا دوليا يتم التحضير له عبر الحكومات والمؤسسات الثقافية والقانونية والتأمينيةقبل موعده بأعوام ، ويترك مكان اللوحة أو التمثال خاليا فى متحفه إلا من بطاقة اعتذار للزوار لخروجه إلى دولة أخرى لفترة محددة ،فذلك حق أصيل لزائر المعرض فى أن يجد أعمال الفنانين فى أماكنها بالمتاحف…هذا يحدث فى الدول المتحضرة ، فأين هذا مما يحدث عندنا من فتح أبواب المتاحف ومخازنها على مصاريعها لكبار صغار الموظفين ، فتخرج ثرواتها بلا ضابط ولا رابط ، وبعد ذلك نتساءل ببراءة : كيف سرقت أو تم تزويرها؟
*ما الحل إذن ؟
– قولا واحدا : هو إبعاد المتاحف الفنية عن ولاية وزارة الثقافة ، لأنهاأثبتت فشلها عبر ٧٠ عاما فى الحفاظ على مقتنيات متاحفها واستثمارها ثقافيا وسياحيا، وحتى علميا ، بتوثيقها ونشرها ودعوة محبى الفن فى العالم لمشاهدتها ، كما أثبتت فشلها فى استكمال مبانى المتاحف الناقصةمثل متحف الجزيرة بأعماله العالمية التى تبلغ ٤٠٠٠ عمل، وفى تطويرالمتاحف القائمة وصيانة مقتنياتها مثل متحف الفن الحديث ومتاحف الرواد بالقاهرة والجيزة والإسكندرية.
*حسنا..وإلى من نعهد بها؟
– أقترح إنشاء هيئة قومية تابعة لرئاسة الجمهوريةلهذاالغرض ، بميزانيةمستقلةوخبرات إدارية دولية تهتدى بما يجرى العمل عليه فى المتاحف العالمية ، ويُضَم إليها قصر عابدين بكل مقتنياته النادرة من الفن الكلاسيكى العالمى ، ويكون من اختصاصهاإنشاء متاحف فرعية فى عواصم المحافظات ، تلبية لحق أبنائها فى التمتع بالفنون الجميلة وثمار الثقافة كما ينص الدستور ، فضلا عن إتاحة الفرصة لإقامة أجنحة خاصةبرواد الفن فى كل محافظة ، لتكون محلا لاعتزاز أبنائها برموزهم الحضارية والإبداعية..كل ذلك يتم على أساس استراتيجية علمية تضمن تحقيق التنمية الذاتية من عائد الاستثمار فى الفن اقتصاديا ، وزرع الاحتياج إليه اجتماعيا وسلوكيا.
* السيد المهندس مصطفى مدبولى رئيس الوزراء…
نأمل فى أن تولى هذا المشروع اهتمامكم ورعايتكم ، إنقاذا لمجال عظيم من قوة مصر الناعمة من الإهدار والضياع.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »