عبدالله..العازف بالكاميرا والريشة

فيس بوك 25 مارس 2023

هو نجل الفنان الكبير عصمت داوستاشى ، فى الأصل هو مصور فوتوغرافى موهوب، تُختار أعماله للجوائز المرموقة بالنسبة لعمره الشاب، وآخرها جائزة الدولة التشجيعية فى هذا الفرع العام الماضى، وعمله كمصور بمكتبة الإسكندرية يكفى لإشباع طموحه، لكنه – وهو وليد بيت يتنفس الفن محاطا بمتحف كبير من أعمال التصوير والنحت والأعمال المركٌَبة من إبداع والديه – دائم التمرد منذ طفولته، حتى التمرد على اسمه الذى اختاره له والده عند مولده وهو “آتون” ، تيمٌُناً بنبى التوحيد والتصوف إخناتون، فقرر، وهو تلميذ فى المدرسة الابتدائية ، تغيير اسمه إلى عبد الله (وهو لم يبتعد كثيرا عن معنى اسم اخناتون)، وأصر على اختياره حتى قام والده بالتغيير المطلوب فى الوثائق الرسمية.
مؤخرا، وهو فى ذروة تحققه وزهوه بتقديره كفنان فوتوغرافى، وبعد إقامة أكثر من معرض فى هذا المجال، قرر خوض تجربة إبداعية مختلفة يقوم حاليا بعرضها فى معرض بقاعة آرت كورنر بالزمالك، وهى مزج الفوتوغرافيا بالرسم، ولا يتبع فى ذلك قواعد الرسم التقليدية من نسب الأشخاص والحيوانات والنباتات والأماكن وغيرها، بل صنع لنفسه قواعده الخاصة، باستخراج أشكال وتكوينات من الصورة الفوتوغرافية، يشتغل عليها بأدوات الرسام الملوٌِن، ليس بغرض تحويل الصورة الفوتوغرافية ذاتها إلى لوحة painting أو بألوان الجواش أو غيرها، بل بغرض إعادة بناء الصورة بتقنيات الحذف والإضافة والتحريف الفنى ، واختيار ” “الموتيف” المتفرد من عناصر الطبيعة، والتلاعب به فى إيقاعات بصرية أخاذة تقود نحو التجريد، أو اللجوء إلى تفكيك عناصر الصورة الفوتوغرافية وإعادة تركيبهابشكل جمالى خاص، لا يعنيه التعبير عن “الموضوع” الواقعى الذى كان دا فعا لالتقاط “اللقطة” البصريةفى البداية، بل يعنيه تحقيق “رؤية”جديدة توحى بمفهوم مختلف للواقع الخارجى وتجعله أقرب إلى لوحة تعبيرية عن حالة ما ، بالعلو الشاهق للمبانى مثلا، أو بالعمق فى المنظور ثلاثى الأبعاد “كحالة مجردة” لا كمكان معلوم، إنه بحث عن الطاقة المعنوية لا عن الواقع الفيزيائى الذى يخفى أصله المكانى ليبقى مجرد إيحاء بالواقع أو بالمكان، سواء كانت اللقطة تبدأ من منظور عين الطائر (من فوق مستوى النظر) لتطل على مشهد أفقى ممتد فوق الأرض، أو من منظور عين النملة إلى الأدوار العليا (من تحت مستوى النظر) ، أو كانت العناصر المجتزأة من الطبيعة أو من اللقطة الفوتوغرافية عبارة عن مساحات لونية مليئة بالتفاصيل الدقيقة التى توهم بأشكال واقعية لعمارات وبيوت ونوافذ وأبواب وأعمدة وشرفات. (وقد تذكرنا على نحو ما بلوحات الفنان السريالى كليمت)، لكنها تتحول على سطح اللوحةإلى كائنات أسطوريةعملاقة تتحاور أو تتصارع أو تتشابك أو تتهامس، لا تبدو كذلك من منظور العين التى اعتادت رؤية أيقونات الواقع العينى، بل من منظور التجريد الحر القائم على التوازن بين الكتل والهارمونى بين الألوان والتلاعب بالنور والظل والحركة الإيقاعية المجردة، حتى لو تعرفنا من خلال اللوحات على معالم معينة مقتطعة من مبانٍ لعمارات أو لناطحات سحاب أو لقصاصات ورق أو أخشاب، أو مجتزأة لنوافذ وأبواب، أو أعمدة للبرق أو شاطئا بعيدا يتكون من شريط من المبانى الممتدة بحذاء البحر، بإيقاعات متذبذبة كذبذبة نغم موسيقى، وفى لوحات أخرى تبدو الأشكال كأجنحة لطائر أو فراشة أو زهرة أو قرون حيوان أو سعفات نخلة أو شجرة موز تشبه طاحونة هواء.
فالموضوع – كما ذكرنا من قبل – ليس هو بيت القصيد، بل المقصود هو “خلق الحالة”، وإيجاد الحركة بمنظور الشكل المجرد لا أكثر ولا أقل، عبر المحاور الرأسية والأفقية، والملامس الخشنة والناعمة، وعبر الإيقاعات النغمية السريعة والبطيئة أو الغليظة والرقيقة.
ولا أقول إن عبد الله داوستاشى قد ابتكر نوعا فنيا غير مسبوق فى المزج بين الفوتوغرافى والمرسوم، فقد لجأ إلى ذلك من قبله كثير من الفنانين، بين تجريديين وتشخيصيين على السواء، معتمدين على القص واللصق (الكولاج) لعناصر مستقطعة تلصق بين المساحات والأشكال المكونة بالريشة والفرشاة، لكن عبد الله يمارس الكولاج او المونتاج فى اتجاه عكسى من ذلك، فالأصل عنده هو الصورة كواقع فوتوغرافى أو مادة خام للواقع، ثم يقوم بعمليات اختزال لعناصرها، سواء بالاستبعاد أو بالإضافة أو بالطمس بالألوان، تاركا آثارا وبقايا من الأصل الفوتوغرافى كأنه ملامس جرافيكية، وبهذا “يسيطر” على الطبيعة حتى يروضها ثم يقودها إلى حيث يريد بعيدا عن وظيفتها أو مفهومها الأصلى، ليخلق بدلا منها واقعا افتراضيا جديدا ينتمى إليه وحده.
وليس منطقيا القول بأن موهبة الرسم قد بزغت اليوم فجاة من العدم، بعد أن تجاوز العقد الثالث من عمره، لكنها كانت بالتأكيد كامنة فى أعماقه تنتظر الفرصة المواتية والحافز المحرك للانطلاق، وها قد جاءت الفرصة، وخرجت الموهبة متوهجة بقوة وثقة ، لتشق لنفسها مجرىً مستقلا، ننتظر أن يبهرنا مستقبلا بالكثير ..والمثير…

 

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »