عبرة التاريخ..

هل يعيد التاريخ نفسه حقا؟...

11 يوليو 2019

 

فى صيف عام ١٩٧٦ تعرضتُ لحملة ضارية من الهيئة العامة للفنون والآداب(قطاع الفنون التشكيلية حاليا) وصلَت الى حد إبعادى عن وظيفتى كمدير لمراسم الفنانين بقصر المسافرخانة، ثم تطور الأمر بصدور قرار بإنهاء خدمتى بالوزارة ، ورفعتُ دعوى قضائية امام المحكمة الإدارية العليا مطالبا بالعودة الى عملى واسترداد مرسمى وما بقى من لوحاتى التى تم تدميرها (٣٠ لوحة زيتية تسلمتها مدمرة فيما بعد) بأيدى بلطجية أمر رئيس الهيئة باستئجارهم . ولم تكن الأسباب تختلف كثيرا عما يجرى فى الحاضر من فساد وانهيار المؤسسات الثقافية . وبادر عدد كبير من الفنانين والمثقفين الى التوقيع على بيان كتبته يدين أفعال الهيئة والاوضاع الثقافية المتردية، كنموذج لعدوان السلطة على المثقفين والتنكيل بالمعارضين ، وتحفظ البعض أو تهرب من التوقيع كالعادة ، وآثروا النأى بأنفسهم بعيدا عن المعركة كلها، لكن كان على رأس قوائم الموقعين أسماء كبيرة من قادة الحياة الثقافية أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض ولطفى الخولى وفاروق عبد القادر ،وكانوا جميعا يعملون فى جريدة الأهرام ، و كان رئيس مجلس إدارتها يوسف السباعى، الذى كان فى نفس الوقت وزير الثقافة، اى أنه من ناحية كان رئيسهم ، ومن ناحية اخرى هو أعلى سلطة ثقافية ، لكنه لم يتحرك لوقف العدوان علىٌ، ولم يستطع فرض نفوذه على كبار كتاب الأهرام بالطبع، وتقدمت بالبيان بالتوقيعات عليه الى المحكمة ليُضَم الى حافظة مستندات القضية وقد اصبحت قضية رأى عام . هنا انتبه رئيس الهيئة ومن معه الى خطورة تأثير البيان على المحكمة، فلجأوا الى صياغة بيان مضاد باسم الفنانين أيضا، وراحوا يجمعون التوقيعات عليه متضمنا اتهامى بالضلوع فى مؤامرة تستهدف أمن البلد واستقراره ونظامه السياسى،بإثارة الفتنة وإشاعة البلبلة واختلاق الأكاذيب وتشويه الإنجازات الوطنية المشهودة للنهوض بالفن.
وفى سبيل جذب الفنانين للتوقيع أشاع سدنة رئيس الهيئة ان من يوقع سوف يتم اقتناء عمل من أعماله لمتحف الفن الحديث، وبالفعل أقبل عدد متواضع ممن يدورون فى فلك الهيئة للتوقيع.(ومن الغريب أن مضمون هذا البيان يكاد يتطابق فى مراميه وكلماته مع مضمون البيان الذى اصدره منذ يومين قطاع الفنون التشكيلية ردا على بيان الفنانين والمثقفين بشأن سوء أوضاع المتاحف الفنية) .
وتقدمت هيئة الفنون والآداب ببيانها الى المحكمة أيضا، لدحض ما تضمنه بيانى، وحصل المحامى الذى يتولى قضيتى على نسخة من بيان الهيئة، وكانت المفاجأة أن عددا قليلا من الموقعين عليه كانوا هم بأنفسهم ممن وقعوا على بيانى!
وكان القضاة من النزاهة والجرأة لدرجة إصدار حكم لصالحى، بإلغاء قرار الهيئة بإنهاء خدمتى وبعودتى الى وظيفتى،وإحالة الشق المتعلق بالاعتداء على المرسم واللوحات الى القضاء المدنى ، لسبب إجرائى بحت ، هو ان الهيئة قدمت الى المحكمة كشفا باللوحات موقع باستلامه من إحدى الزميلات الفنانات تقر فيه بانها استلمت اللوحات واحتفظت بها كأمانة وهى سليمة لم تمسسها يد..فبرأت بذلك الهيئة من مسئوليتها عن اللوحات وأدانت نفسها دون أن تدرى لمجرد خوفها من الوقوف ضد رؤسائها او لأى سبب آخر، وفى ديباجته تضمن الحكم إدانة شديدة اللهجة (على غير العادة فى مثل هذه الأحكام)للمسئولين بالهيئة لسوء استخدامهم للسلطه واستغلال النفوذ والإقطاع الوظيفى واتخاذ أساليب البلطجة لتصفية الحساب مع المختلفين معهم، واختصر الحكم كل هذه الصفات فى كلمتين اثنتين: التخلف الحضارى!
هل حقا يعيد التاريخ نفسه؟ ..
إن من يقرأ بيان قطاع الفنون التشكيلية الأخير على موقعه منذ يومين ، الذى وصفه الكثيرون من المعلقين بانه يبدو أشبه بالبيان العسكرى او صادر من أدارة الأمن المركزى وليس من وزارة الثقافة، بما يمتلئ به من تهديد ووعيد بسلطة رجال الأمن ، وسيجد عددا من الأسماء الموقعة عليه هى ذاتها التى سبق لها التوقيع على بيان الفنانين والمثقفين المعترضين على سياسة نفس القطاع!!
وعلى اى حال، فإن المسألة قديمة قدم الإنسان والتاريخ ؛ هل تذكرون الحديث النبوى الشريف عن المنافقين؟ ..”آية المنافق ثلاث…”
اما بالنسبة لبيان القطاع، فلا أجد لوصفه أبلغ من كلمات القاضى فى حكمه الذى صدر عام ١٩٧٩ بعد ثلاث سنوات من تشريدى!!
زين العابدين فؤاد، وابراهيم البريدى و١٠٠ شخص آخر
٨٠ تعليقًا
٢١ مشاركة
أعجبني

تعليق
مشاركة
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »