تمهيد
يجمع كثير من الفلاسفة والمناطقة أن العملية الإبداعية هى حالة غير منتظمة النبض وتخضع لمؤثرات متباينة لدى المبدع نفسه على المستويين الظاهر والباطن ، فمنهم من يرى أن الجمال كامن فى الموجودات الكونية نفسها ، وما الإنسان إلا مكتشفاً فقط لكل آيات الإبداع عبر صياغة للمفردات المرئية ، بينما فريق آخر يرى الجمال رابضاً فى نفس الإنسان التى سواها الله وفطرها على كل جميل لتدرك بدورها بهاء الجليل .. وبين هذا الفريق وذاك من يرون أن الجمال موزع بين ذات الإنسان ومعطياته البيئية المحيطة ، وهو مايؤسس لحوار جدلى بين البشر والطبيعة يكتسب المنتج الإبداعى على أثره نكهة آدمية طازجة برائحة الفضاء المغلف لها على تنوع ملامحه الجغرافية وتراكماته التاريخية ومكنوناته العقائدية .. وفى هذا الإطار تمايزت السمات الفكرية والفنية بين بقعة وأخرى على سطح المعمورة ، حيث ينطلق القطار الإبداعى الإنسانى مدفوعاً بالحاجة النفعية ، بداية من العصر الحجرى الحديث الذى شهد البناء النحتى للكراسى من جذوع الأشجار ، مروراً بصناعة الأسلحة من الأحجار والمعادن والأخشاب للدفاع عن النفس والصيد ، علاوة على صناعة التماثيل التلقائية من خامات مشابهة ، ورسومات وتصاوير الكهوف التى اعتمد فيها الإنسان على يقينه الراسخ بأهميتها فى درأ الخطر ، بما يعد اللبنة الأولى لعلاقة الإبداع بلغة المعتقد .. وقبل الميلاد بحوالى عشرة آلاف عاماً تقريباً تحول الإنسان من الصيد إلى الزراعة والرعى ، معتمداً على مياه الأمطار ، حيث قضى المصرى زمناً غير قليل على الهضاب والجبال والأراضى الصحراوية ، بما سمى آنذاك الأرض الحمراء ” دشرت ” ، قبل أن يهبط إلى أرض وادى النيل السوداء ” كمت ” بجوار النهر الفياض الرشيق الذى حول السواد الطينى إلى بساط سندسى أخضر ، وهو مادفع المصريين إلى تأمل العلاقة بين الأرض والسماء فى إطار البحث عن الطاقة الكامنة وراء تلك الهندسة الكونية الدقيقة التى لايختل دورانها لحظة واحدة ، بالتزامن مع لين سبل العيش بعد طول مشقة ، وإقبال الأمان بعد سيل من الخوف ، بماجعلهم يكتشفون سلسلة المحفزات السببية للظواهر الكونية ، مثل تتابع الرياح والسحب والأمطار والإنبات ، ليبتكروا لاحقاً صور التزلف إلى خالق تلك الميكنة رفيعة البناء عبر التماثيل الوسيطة .. وربما هنا ندرك ميلاد الصلة بين العابد والمعبود ، والتى تطورت لاحقاً من خلال الديانات السماوية المكملة للفلسفات الوضعية فى عالم الشرق على وجه التحديد ، حيث بدأ الفن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجدائل العقيدة ؛ فأصبح فى خدمة المناسك والطقوس الدينية المعبدية ، إضافة إلى وجوده على جدران المقابر ، حيث الإيمان بالحياة الوسطى السابقة على البعث ، فى إطار الروح المسماه ” با ” التى تسكن كل إنسان له شخصية مستقلة بعد الموت الجسدى تسمى ” كا ” ، قبل أن تعود الروح إلى البدن على هيئة طائر برأس بشرى ، الأمر الذى دفع المصرى القديم للتحنيط كى يتعرف القرينان على بعضهما ، إلى جانب اعتقاده بأن الموتى يذهبون للحقول ليحرثوا الأرض ويزرعوا القمح بالنهار ، لذا كانوا يولوا وجه الميت للغيط .. كما اعتقدوا كذلك فى وجود أرواح الموتى بين نجوم السماء وعلى أغصان الشجر بين الطيور ، وهو ماتأكد بعد ذلك عبر الدين الإسلامى بقرآنه وسنته .. وربما أدى هذا إلى ظهور أعلام وفلاسفة الصوفية مثل الحسن البصرى وذى النون المصرى ومحيى الدين بن عربى وجلال الدين الرومى وعمر بن الفارض ومحمد بن عبد الجبار النفرى .. وعلى نفس النهج الروحى سارت شعوب أخرى مثل الصينيين والهنود واليابانيين والكوريين ، حيث الشغف بالعلاقة المثيرة التى تتفوق فيها الروح على الجسد ، بما أفرز فنوناً بنكهة الشرق الساحر ، كالمشربية والنوافذ الزجاجية الملونة والخيامية والحلى وسلال الخوص وغيرها من التكوينات الفنية المتسللة إلى نسيج الحياة البشرية عبر الجسر الواصل بين الجمالى والنفعى ، علاوة على إبداعات شديدة الخصوصية لفنانين بزغ نجمهم فى الحقبة المعاصرة ، مثل محمد طه حسين ويوسف سيدة وأحمد ماهر رائف وحسين الجبالى وأحمد مصطفى وغيرهم ممن استقطروا تراثهم الشرقى العريق الذى أعلى من شأن الروح ووضعها فى أعلى المراتب .
وعلى صعيد آخر كانت هناك حضارة بنكهة أخرى تتشكل لدى اليونانيين القادمين عند الثلث الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد عبر جبال ” ذوذونى ” ، قبل أن يتأثروا بالفكر الروحى المصرى القديم ، حيث كانوا فى البدء لايعرفون كلمة ” فن ” ، علاوة على عدم إدراكهم بعد للذة الجمالية ، بل كانت طقوسهم قبلية لجلب الخير من نبات وبشر ونصر على العدو .. بيد أنهم تخلصوا من التأثير المصرى بعد فترة من الزمن بدأوا بعدها فى الميل نحو الآلية العقلية التى بدأت تتجلى على أيدى فيثاغورث فى القرن السادس قبل الميلاد ، والذى كان يرى أن النظرة العقلية والمران المستمر بالعلم الرياضى هو الطريق الأسمى لتطهير النفس .. ثم السفسطائيين ونظريتهم الحسية فى المعرفة إبان القرن الخامس قبل الميلاد .. ثم سقراط الذى اعتبر أن العقل هو جوهر النفس البشرية .. أما أفلاطون فقد تأثر بنزعة سقراط العقلية فى بداياته عند أواخر القرن الخامس وأوائل القرن الرابع قبل الميلاد ، قبل أن يجنح إلى الفضاء الحدسى والصوفى بعيداً عن الإستدلال العقلى أو الإدراك الحسى .. ثم ركز أرسطو فى القرن الرابع قبل الميلاد على يد الإنسان القوية التى يستطيع من خلالها إكمال الطبيعة داخل العمل الإبداعى .. وربما كانت هذه الفلسفات اليونانية المتنوعة التى تصب فى خانة العقل هى التى شكلت أدمغة فلاسفة الفكر الغربى بشكل متمايز فى القرون التالية لها ، مثل عقلانية عمانوئيل كانط ، ومثالية هيجل ( أرسطو العصر الحديث ) ، وازدواجية مظاهر الطبيعة عند نيتشة ، ووجودية سارتر وهيدجر وألبير كامو ، وظاهرية هسرل وميرلوبونتى ، ورمزية كاسيرر وآير وكارناب ، رغم ميل بعضهم إلى الإتجاهات الميتافيزيقية مثل شوبنهور ، والحدسية مثل برجسون وكروتشة .. وقد أنتجت تلك الآلية العقلانية فنوناً تحاكى الواقع عبر جسور ذهنية مرئية كمنحوتات الإغريقى فيدياس ، ثم وريثه فى عصر النهضة الأوروبى مايكل أنجلو ، وفنانى نفس الفترة مثل ليوناردو دافنشى ورافائيل سانزيو ، علاوة على فنانى الحقبة المعاصرة الممثلين لتيارات متنوعة كالواقعية والتأثيرية والتكعيبية والسوريالية ، مثل جاك لويس دافيد وأوجست رينوار وألفريد سيسلى وكاميل بيسارو وجورج براك وبابلو بيكاسو ورينيه ماجريت وسلفادور دالى وماكس أرنست ، وغيرهم ممن شغفوا بجغرافيا العقل قبل فضاءات الروح .. وعندما ولد أفلوطين أحد أشهر فلاسفة اليونان عام 204م فى أسيوط وتعلم فى الإسكندرية ، كان ذلك إرهاصاً لتأسيس مدرسة ” الأفلاطونية الجديدة ” أو ماسمى بمذهب ” الإسكندرانيين ” الذى أثر لاحقاً على فلاسفة المسلمين ، حيث عرّف الجمال بأنه موطىء محبة النفس لأنه من طبيعتها ، وهو أقرب إليها من المادة ، بمادفعه للتطرق إلى العلة السابقة على خلق الوجود بيد واحد غير متعدد لاتدركه العقول ، وهو أزلى قائم بنفسه ، ولاتحده الحدود ، حيث خلق ولم يحل فيما خلق ، بل ظل قائماً بنفسه على خلقه .. وربما كانت فلسفة أفلوطين فى تاسوعاته الشهيرة بمثابة البرزخ المعرفى الدافىء الذى جمع بين الفكرين الشرقى والغربى ، قبل أن يتكرر هذا فى فترات تاريخية لاحقة كالتى تجلت في فكرنا المصرى العربى الحديث ، مثل تعادلية توفيق الحكيم وإعلائه من قدر القلب والروح فى الفكر المصرى القديم ، والرباط العتيد بين الجمال والفن والحرية عند عباس محمود العقاد ، والتحليلية المنطقية العلمية عند زكى نجيب محمود ، وغيرهم من الذين تأثروا بثقافة الغرب وثقافتهم الشرقية فى آن .. وقد آثرت الإسهاب فى هذا التقديم حتى نفصل معاً بين النكهات الثقافية للشعوب المختلفة ، بما يؤثر بالضرورة فى منتجهم الإبداعى على مر العصور ، إذ يؤمن مؤلف هذا الكتاب بأن الحالة الإبداعية لاتخرج فى خصوصيتها عن مثلث الزمان والمكان والعقيدة ، تبعاً للناموس الإلهى فى خلق التنوع الفكرى لأهل المعمورة .. لذا فقد كان من الحتمى أن نضبط البوصلة التراثية بشكل كلى حتى ندلف إلى الجزئى منها عند دراسة هذه التجربة الفريدة للفنان الكبير أحمد نوار بين دفتى هذا الكتاب عن ” الشهيد ” صاحب المقام الرفيع فى الحيوات الدنيا والوسطى والآخرة ، وهى التدرجات البشرية التى آمن بها المصرى القديم بعد أن ساعدته الجغرافيا المنبسطة على ضفتى النيل عبر جريانه السهل من الدلتا فى الشمال حتى أقصى الجنوب ، بما كون عقيدته الراسخة بوجود مهندس أوحد لهذا الكون دقيق البناء كما ألمحنا .. إلى أن زين التاريخ المصرى بالديانة الإسلامية كحبة عقائدية أخيرة فى مسبحة تبدأ بالعبادات المصرية السحيقة التى لم تفارق مفهوم التوحيد كما تجلى هذا فى متون الأهرام ، قبل أن تمر العقيدة المصرية الوسطية بمراحل عدة تراوحت بين الوضعى التأملى والسماوى الربانى مثل اليهودية والمسيحية ، وهو مابدا فى رصيد أحمد نوار التراثى كمصرى عربى مسلم نشأ فى حضن النهر على سجادة من الزرع الأخضر ، وشلال من القيم الريفية المصرية التى شرب منها غلاوة الأرض وجلال الجهاد كأحد أهم أركان العقيدة الإسلامية والوطنية معاً ، إرتكاناً إلى أسبقية إدراك الروح عنده لمعطياته الظاهرة والباطنة ، قبل أن يرتب العقل حصادها الغنى .. وقد بدا هذا كما سنرى لاحقاً فى تصاويره الإكريليكية التى قمنا بتحليلها نقدياً بالفصل الثالث من هذا الكتاب ، خالية من أى وجود للجسد البشرى كعلامة على تجليات صوفية لافتة .. وهذه التجربة رغم ثرائها لم يكن بوسعنا تقديمها دون التطرق فى الفصل الثانى إلى تجربته التصويرية أيضاً السابقة عليها بأربع سنوات عن العبور الخالد فى أكتوبر 1973م ، حيث بدت التجربتان الإبداعيتان متصلتان بوشيجة واضحة ترتبط بأحمد نوار الجندى المصرى المقاتل على الجبهة إبان حرب الإستنزاف التى أعقبت نكسة 1967م مباشرة ، علاوة على نوار الفلاح الذى تأثر ببيئته الجغرافية والإجتماعية والدينية ، بما شيد أنبوباً متيناً إمتد من ينابيع المنشأ حتى مسطحى الرسم التصوير وفيلم الفيديو والعمل المركب .. وقد يكون هذا هو الدافع الحقيقى وراء معمار الفصل الأول الذى تناولنا فيه مكانة الروح وقدرها العظيم فى التاريخ المصرى كنواة للفكر الشرقى بشكل عام ، بداية من كتاب الموتى ( الخروج فى ضوء النهار ) ، ومتون الأهرام ، مروراً بأدعية إخناتون ( أمنحتب الرابع ) على سبيل المثال ، وديانتين سماويتين كاليهودية والمسيحية ، ونهاية بالديانة الإسلامية عبر قرآنها الكريم وسنتها النبوية الشريفة ، والتى سلطت الضوء على الجهاد كأحد أعمدتها الصرحية ، وكذلك على منزلة الشهيد التى لايقاسمه فيها إلا الأنبياء والصديقين .. ومن هنا كان حرصنا على الربط بين هذا الملمح العقائدى وتلك البيئة التى نشأ فيها أحمد نوار داخل قرية ” يوسف بك شريف ” التابعة لعمودية ” الشين ” مركز ” قطور ” بمحافظة الغربية ، كإحدى البقاع الجغرافية الناعسة فى حضن النيل على بساط الأرض الدافىء جيولوجياً وتاريخياً ، إضافة إلى مرابطته على جبهة القتال كقناص إستفاد من طبيعة دراسته الإبداعية المروية بماء الخيال داخل كلية الفنون الجميلة بالقاهرة فى الفترة بين عامى 1962م و 1967م ، وهى الروافد الثقافية التى أثرت بوضوح على خصوصية مشواره الفنى الطويل ، سيما تجربتيه ” العبور ” و ” الشهيد ” محل الدراسة والتحليل بين نسيج هذا الكتاب .. وقد كان هدفنا عبر هذه التجربة النقدية هو إعادة الصلة بين الإبداع ولغة المعتقد كسابق عهدها مع انبلاج فجر التاريخ المصرى ، بمادفعنى لتسمية الكتاب ب ” عرس الشهيد ” ، فى محاولة لمقاومة ذلك الفصل الفقهي العقيم بين دهشة الفن وصلابة الإيمان ، والذى ألقى بظلاله على قرابة قرنين فائتين من الزمان .
ويقينى دائماً أن الله لم يبعث برسالاته السماوية مع أنبيائه ورسله إلا مقترنة بكل آيات وتجليات الجمال التى منح نفحاتها لبعض من عباده المبدعين مثل الفنان الكبير أحمد نوار الذى قدم لنا منجزه التشكيلى الأخير فى حضرة توازنات واضحة بين توهجاته الروحية وضوابطه العقلية ، ليبدو تناوله الإبداعى فى هذا الإطار مكتمل النضج عن المجاهد والشهيد ، محيطاً إياه بسلاف موسيقى بصرى من المتانة البنائية والإيقاعات الخطية والبهجة اللونية والفرحة النورانية والنشوة الصوتية ، على طريق السعى الدؤوب لإدراك ذلك الصراط البهى الواصل بين الشهادى والغيبى ، حيث الدق والنقر والعزف على الآلات الروحية عبر معزوفة السماء فى عرس الشهيد .
محمد كمال
فى 15 أبريل 2014م
الفصل الأول
مكانة الروح ومنزلة الشهيد
عندما شيّد الله الدنيا بإحكام باهر كان يعلم أن مخلوقاته ستتباين مراتبها ومنازلها ووظائفها داخل إطار هندسى إلهى لايختل توازنه ودورانه ، وهو النسق الذى ارتكن إليه الوجود حتى الآن ، رغم إنكار بعض المفكرين له واعتباره أحد إفرازات الطبيعة التى نشأت من الخلية الأولى ، متناسين خالقها كمنشىء لها من العدم ، الأمر الذى يدفعنا لتأمل آيات الخلق القرآنية الشهيرة الواردة فى سورة ” المؤمنون ” من 12 إلى 14 .. ” ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 12 ) ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ( 13 ) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( 14 ) _ صدق الله العظيم .. وهنا سنجد دلالة كلمة سلالة تشير إلى استلال الشىء من الشىء الآخر فيما يكشف عن خلق الإنسان من الطين كنتاج لمزج الماء بالتراب ، ثم تحويله إلى حيوانات منوية داخل الرحم الأنثوى قبل أن يستحيل إلى دم جامد ، فلحم مرن ، فعظام متينة مكسوة باللحم الأكثر تماسكاً ، حتى يصل إلى مرحلة بث الروح التى تمثل الخلق الآخر المغاير شكلياً وضمنياً للمراحل السابقة ، حيث الإنتقال من وضع السكون إلى الحركة والحيوية البدنية والروحية معاً ، بما يمهد لزهو الخالق وسموه فوق كل الخالقين كفعل مجازى يجسد أفضلية الله عن كل من يمنحه من صفاته ، فى إشارة إلى الفارق بين الفعلين الإلهى والإنسانى ، حيث يتجلى الأول من عدم ووجود معاً كما أوضحنا فى الآيات السابقة ، بينما ينحصر الثانى فى الإنشاء من وجود فقط .. وهنا يجدر بنا لفت الإنتباه إلى جوهر تلك الآيات كقاعدة للقدرة الإبداعية المتواترة داخل البناء الكونى منذ بدايته حتى اللحظات الحاضرة كمنصة إطلاق نحو الزمن الوافد ، بداية من التراب المخلوط بالماء كمكون للطين ، حتى الروح المبثوثة داخل التكوين الطينى المتحول إلى لحم يكسو العظام ، مروراً بتلك التحولات المشار إليها بين الحيوان المنوى والدم الجامد واللحم المرن ، وهى التبدلات الماثلة فى غزل العملية الإبداعية الإلهية ذاتها كديمومة مستمرة حتى الزمن الراهن .. وربما نجد تأكيداً لتلك الآلية فى الآية ( 26 ) من سورة الحجر ” ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون ” صدق الله العظيم ، حيث يؤكد عز وجل على الخامة التى خلق منها الإنسان وهى الطين اليابس ذو الصوت الصلصالى والملمس الناعم المتغير ، فى ترسيخ لقدراته كمبدع من مادة موجودة ملموسة كان هو خالقها أساساً من عدم .. ثم يتجلى الله فى الآية ( 12 ) من سورة التحريم ” ومريم بنت عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ” صدق الله العظيم .. وهنا يتم تسليط الضوء الإلهى على مرحلة نفخ الروح فى الجسد داخل الحيز الإعجازى لميلاد السيد المسيح عليه السلام ، رغم عدم وجود زوج للسيدة مريم العذراء .. وعند هذا المنعطف يماط اللثام عن السر الربانى الذى احتفظ الله بمعظم سواتره لنفسه ، وهو مايؤكده فى موضع آخر من كتابه العزيز فى الآية ( 9 ) من سورة السجدة ” ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار قليلاً ماتشكرون ” صدق الله العظيم .. ولو دققنا هنا سنجد أن فعل نفخ الروح جاء بعد فعل تسوية الجسد الجامد ، حيث اكتساب الحيوية الإلهية من قوة الدفع الروحانى المهيب التى تشكل طاقة متجددة على مدى العمر الإنسانى ، وفى نفس الوقت تشير الآية إلى حالة من الإبداع النحتى الساكن قبل أن يتحول إلى مركز للحركة المدفوعة بوقود نورانى مستتر .. والآيات القرآنية كثيرة فى هذا الشأن الإبداعى الإلهى الدقيق الذى يكشف عن المكانة الرفيعة للروح ، حيث تولد من نفحات الخالق ، ثم تظل فى حالة من التجدد الحياتى عبر عمر الإنسان المكتوب ، قبل رحيلها إلى المطلق بعد مغادرة ذلك المعمار الجسدى الطينى الذى يعود إلى سيرته الأولى من تراب غير ممتزج بالماء .. وفى هذا السياق نجد الروح تعرج إلى أعلى مع أولى لحظات الخلاص ، مارة بالسموات السبع ، حتى تصل إلى سدرة المنتهى ، ثم تمر فى بحر من نار ، ثم بحر من نور ، ثم بحر من ظلمة ، ثم بحر من ماء ، ثم بحر من ثلج ، ثم بحر من برد ، إلى أن تصل لخالقها قبل اللوم والمعاتبة ثم العفو إن أراد كما ورد بكتاب ” التذكرة _ فى أحوال الموتى وأمور الآخرة ” للإمام القرطبى الذى يعنى فى درته هذه بالروح عبر كل مسالكها ، وهو ماتأكد فى نقله عن مالك ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصارى أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ” .. والمقصود ب ” يعلق ” هنا هو يسرح ويسيح فى الجنة كما يشاء تقديراً لمكانة الروح الصالحة .. حتى أبرز مكانتها فى حالة الشهادة ذات الضوابط والشروط فى موضع آخر ، حيث يرد فى صحيح مسلم عن مسروق قوله : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ” ولاتحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ” _ 169 آل عمران فقال : أرواحهم فى جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل ؛ فاطلع ربهم إطلاعة فقال .. هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا .. أى شىء نشتهى ونحن نسرح فى الجنة حيث نشاء ؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا .. يارب نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى .. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا .
وإذا تأملنا الآيات القرآنية والحديثين الشريفين السابقين سنجد أن الله قد خصّ الروح البشرية بمنزلة رفيعة المقام لاينازعها فيها مخلوق آخر منذ بداية إنشائه للكون ، لذا فإنها دائماً ماتمثل الدليل الكاشف على قدر الإنسان فى الحيوات الدنيا والوسطى والآخرة ، وهو ماكشف عنه الفكر المصرى القديم فيما سمى ب ” متون الأهرام ” التى وجدت على جدران خمسة من أهرامات سقارة ، حيث وضعت عبر مجموعة من الحكام وكهنتهم ، بداية من الملك الأخير فى الأسرة الخامسة ، علاوة على الملوك الأربعة الذين أعقبوه فى الأسرة السادسة .. وتحسب فترة حكمهم مجتمعين بمايقرب من مئة وخمسين عاماً ( 2625 ق . م _ 2475 ق . م ) .. مع الأخذ فى الإعتبار أن هناك بعض الوثائق التى تشير إلى مدة أكبر من ذلك كما جاء فى كتاب ” فجر الضمير ” لجيمس هنرى بريستيد _ ترجمة سليم حسن .. وقد شغلت تلك المتون فى البداية بسعادة روح الملك ” بيبى ” فى الحياة الآخرة ، بالتزامن مع جغرافيا الحياة الدنيا بكل تفاصيلها ، مثل الراعى الذى يعبر الترعة ، خائضاً فى الماء حتى الحزام ، حاملاً عبر الماء رضيع قطيعه الضعيف .. والأم التى تدلل رضيعها عند الغسق .. والشريف الجالس عند حافة البركة فى حديقته تحت ظلال الخميلة المصنوعة من سيقان الغاب .. يضاف إلى هذا حياة الملك فى القصر مثقلاً بأعباء الحكم وإلى جانبه أمين سره يحمل محبرة وقلمين أحدهما للمداد الأسود والآخر للمداد الأحمر لكتابة العناوين .. وربما كانت هذه المشاهد وغيرها تمهيداً لنظيرتها فى الحياة الآخرة التى كانت تشكل فى المتون تلك الحياة السماوية المعادية للموت ، وهو مايمثل تقديساً وارتقاءً بالروح التى بجلتها الأديان وآخرها الإسلام كما شرحنا لهذا سلفاً .
وفى هذا السياق نجد تأكيدات كثيرة فى تلك النصوص على أن المتوفى حى يرزق ، بما يتجسد فى عبارات مثل ” هيا أيها الملك وناس .. إنك لم تسافر ميتاً بل سافرت حياً .. لقد سافرت لكى يمكنك أن تعيش ، وأنك لم تسافر كى تموت ” .. ” إنك لن تموت .. هذا الملك بيبى لن يموت ” .. ” الملك بيبى لايموت بسبب أى ملك ، ولابسبب أى ميت .. هل قلت إنه مات ؟ إنه لن يموت .. هذا الملك بيبى يعيش أبداً .. عش إنك لن تموت ، وإذا رسوت فإنك تحيا ثانية .. هذا الملك بيبى قد فر من موته ” .. وهكذا حتى تجد فعل الأمر المتكرر .. ” قم .. إرفع نفسك أيها الملك بيبى السامى بين النجوم التى لاتفنى ” .. ورغم خصوصية تلك المتون فى البداية بشكل ملكى ، إلا أنها أصبحت لاحقاً لعامة الشعب الذى كان يتوجب عليه التحلى بالسمة الملكية أيضاً ، لذا يلاحظ هنا أنها ترسخ فى الوجدان القومى المصرى للخلود الروحى عند أسمى معانى الأبدية كأحد درر الأدب الوطنى الشعبى ، إذ تحوى بين جنباتها الشعائر الجنائزية والتعاويذ السحرية وطقوس العبادات والأناشيد الدينية والأساطير القديمة وصلوات التضرع لصالح المتوفى .. وقد نسجت تلك المتون عبر مذهبين أحدهما نجمى والآخر شمسى ، حيث يبدو المتوفى فى الأول على هيئة نجم ، بينما يكون فى الثانى على هيئة إله الشمس نفسه ، وهما المذهبان اللذان تم تسميتهما بالآخرة النجمية والآخرة الشمسية ، فى تقسيم جلى أقرب إلى الجنة والنار قبل الحساب القائم على الثواب والعقاب .. وقد كان تصور الآخرة هنا سماوياً فى مواجهة الموت والفناء لاسفلياً مظلماً ، حتى أن تصور أهل وادى النيل للمتوفين لاحقاً كان كالطيور المحلقة فوق كل أعداء الهواء كالنجوم الأبدية فى الليل حالك الظلام .. وعند هذا الموضع الفكرى كان الجدل محتدماً حول فتحة الهرم المنحدر شطر النجمة القطبية ، قبل أن توضح متون الأهرام أن روح الملك تخرج على الفور من تلك الفتحة صوب النجوم القطبية ، مروراً ببحيرة السوسن وسيقان الغاب على شاطئيها ، وهو ماشكل مفهوماً راسخاً عند المصرى القديم أن الأرض هى إحدى صور السماء .. ويجدر بنا التأكيد هنا على أن متون الأهرام كانت سباقة فى الكشف عن كثير من الطقوس الدينية ، مثل الغسل والتنشيف والتكفين والتعميد ، وهو ما يكرّس لقدم الجذور الدينية عند عموم المصريين بدياناتهم السماوية المختلفة الآن بين مسلمين ومسيحيين ويهود ، لذا فإننا نجد العزف المتكرر من تجار التطرف على الوتر الدينى الحساس لديهم قديماً وحديثاً .. وقد تطرق كتاب الموتى ( الخروج فى ضوء النهار ) إلى رحيل الروح ” با ” من الجسد ” كا ” على هيئة طائر برأس إنسان ، بماأدى إلى فكرة التحنيط لتتعرف الروح على مستقرها الجسدى لاحقاً .
وفى أدعية إخناتون ( أمنحتب الرابع ) سنجد تأكيداً على علاقة الأرض بالسماء عبر تجليات الروح .
يامن يكمن فى كل خفايا الحياه
ويامن يحصى كل كلمة أنطق بها
أنظر إنك تستحى منى وأنا ولدك
وقلبك مفعم بالحزن والخجل
لأننى ارتكبت فى دنياى من الذنوب مايفعم القلب حزناً
وقد تماديت فى شرورى واعتدائى
فعفوك اللهم عفوك
حطم الحواجز القائمة بينى وبينك
وامح اللهم ذنبى لتسقط آثامى عن يمينك وشمالك
والمتأمل فى هذا الدعاء سيجد فيه نفحات نبوية تصل الغيبى بالشهادى .. والسماوى بالوضعى ، وهو ماترسخ فى ديانات ربانية لاحقة كالمسيحية ، حيث يرد فى إنجيل يوحنا ” تأتى ساعة يسمع فيها جميع الذين فى القبور صوته ، فيقوم الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياه ، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة ” .. وفى هذا النص الإنجيلى يبدو جلياً قيمة ترقب يوم البعث والحساب وتجليات الروح وعودتها إلى الجسد ثانية ، بما يعد امتداداً للفكر المصرى القديم كما شرحنا سالفاً .
ثم يأتى المفكر عبد الرزاق نوفل فى كتابه القيم ( من أسرار الروح ) ليؤكد على مكانة هذه النسمة الإلهية ، حيث يذكر أنه إذا كان الإنسان من جسد وروح ، والجسد من تراب وفساد وإلى فناء ، فإن طاقاته وقواه لاشك محدودة ، وانطلاقاته مقيدة محصورة .. ثم يضيف أن كثيراً من الكائنات تفوقه قدرة رغم أنها أقل منه فى سلم الخلق .. فالفيل أقوى منه عضلاً ، والصقر أحد منه بصراً ، والغزال أكثر منه جرياً ، والكلب أرق منه شماً ، والقط أبعد عنه سمعاً ، والطير أطول منه نفساً .. أما الروح فلأنها من نور وقدس وإلى بقاء لأنها نفخة من الله ، فإن جسدها الأثيرى الذى هو من مادة السماء فيه صفاتها من السمو والعلو والإرتفاع والرهبة والأسرار .
ثم يردف نوفل .. ففى النوم وهو الصورة المخففة للموت ، أى الإنطلاق المؤقت للروح نرى انطلاقاتها وبعض طاقاتها ، فهى تسبح مرتحلة إلى أقصى الغرب وتعود إلى أبعد الشرق .. تزور القاصى وتعود الدانى .. تسافر إلى القارات وتقطع البحار والمحيطات فى أقل من طرفة عين .. ترى آلاف المشاهد وتستعرض مئات المناظر وتسمع ملايين الكلمات وتتحدث مئات الأحاديث فى برهة تقل عن أصغر وحدات الزمن .. وربما يفسر تنظير عبد الرزاق نوفل هنا تحقق رؤى النوم أحياناً فى الحقيقة التى لم تشهد مفردات تلك الرؤية من قبل .. والأمثلة على أسبقية الروح كثيرة فى القرآن الكريم ، مثلما نرى فى الآية 42 من سورة الزمر ” الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتى لم تمت فى منامها ، فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ” صدق الله العظيم .. أى أن الأصل هنا هو رحيل الروح مؤقتا من الجسد وقت النوم ، حتى عودتها مع الإستيقاظ ، وهو مايؤكد مرة أخرى حياة الروح وخلودها الأبدى بمجرد نفخها فى الجسد البشرى من الخالق ، بما يمنحها مكانة سامية بين كل المخلوقات .
وربما سيطرت جدلية الروح والجسد على ثقافات أخرى تتماس مع ثقافتنا عند الحدود العقائدية ، ممتزجة بدور العقل فى تأطير البداية والنهاية الإنسانية كما أوضحت عجلة الصيرورة البوذية التى تبدأ بالميلاد وتنتهى بالموت ، مروراً بالتشبث بالحياه القائم على الرغبة التى تعتمد بدورها على الإدراك المتشبع بالآليات الحسية الستة .. وفى هذا السياق يبدو الوعى سبيلاً لإعمال العقل .. وداخل العجلة تتجلى حالة الدوران البشرى بروحانيته وجسدانيته على جسر ممتد من الماضى إلى الحاضر إلى المستقبل .. فإذا كانت هذه هى مكانة الروح ، فمابالنا بمن يجود بها فى سبيل الله عبر درب الجهاد كواحد من أهم أركان العقيدة الإسلامية على الإطلاق ، وبما يكشف عن سكن الشهيد فى أعلى مراتب الجنة كما أوضحنا سلفاً .
وفى إطار الآلية الحيوية للروح ربما نجد رابطاً متيناً بين الشهادة كنتاج أصيل للجهاد فى سبيل الله ، والإبداع كثمرة يانعة فى بستان البشرية .. وأعتقد أننا لن نجد أفضل من السيرة الذاتية لحياة الفنان الكبير أحمد نوار كى تصبح عينة تطبيقية حية لتلك العلاقة السالفة التى نستهدف تأطيرها بين سطور هذا الكتاب ، حيث تشبع هذا المبدع المقاتل بسلاف ندى من ذلك التراث متنوع الروافد الذى قدمنا له تواً ، وذلك بعد ولادته فى قرية ” يوسف بك شريف ” التابعة لعمودية ” الشين ” مركز ” قطور ” بمحافظة الغربية فى الثالث من يونيو عام 1945م ، بالتوافق مع نهاية الحرب العالمية الثانية .. وقد نشأ بين أسرة مصرية من الفلاحين المكافحين المتدينين العارفين بجلال الروح وعلاقتها بالجسد المتجه للفناء ، من خلال أجواء ريفية مألوفة فى هذه البقعة من الوطن ، والتى تتجلى فيها تقاسيم الأرض المكتسية بالخضار النضر ، والجداول المائية الصافية ، وأشجار التوت والصفصاف العتيقة ، وأسراب أبى قردان ، وقوافل الدواب من البقر والجاموس والحمير ، وحشود المبتاعين فى سوق القرية ، وسرايا الفلاحين فى كنف الغيطان ، وجلسات السهرانين ليلا فى حضرة ضوء القمر ، وصفوف المصلين فى المساجد من خلال أدائهم للفروض الخمسة .. وكل هذا مغلف بحواديت القرية وأساطيرها عن المجرم ” الخط ” الذى بث الرعب فى أهل القرية ، قبل أن يسود الأمان بينهم بقتله .. وربما كان من نتاج هذا إنضمام نوار لفريق الكشافة بمدرسة ” الشين ” الإبتدائية ، ليتلقى أول درس فى الوطنية والتضحية ، قبل أن يعود إلى العمل الكشفى فى سنته الثانية بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1962م ، ليمارس طقوسه الروحية مع مجموعة من أصدقائه عبر مسح جغرافيا مصر بطولها وعرضها .. وأعتقد أن التحاق نوار بمدرسة الصنائع الثانوية الزخرفية بمدينة طنطا مع مطالع الخمسينيات كان له بالغ الأثر على قدراته التصميمية فى أعماله لاحقاً ، علاوة على اكتسابه لمزيد من الألق الروحى الكائن فى أجواء تلك المدينة التى يتصدرها العارف بالله السيد أحمد البدوى ، بالتوازى مع مظاهر البهجة المتجسدة فى مولده الشعبى ، من طقوس العبادة وملامح الفرحة ورائحة البخور وعبق الشوارع العتيقة ، علاوة على أنفاس البشر وسيرهم العامرة بالأحداث الإنسانية شديدة التنوع .. وعندما أصبح الفتى أحمد نوار على أعتاب كلية الفنون الجميلة كان قد أمسى مسنوداً بتراث روحى لافت صاحبه على مر سنين دراسته الخمس ، حتى وصل إلى مشروع تخرجه من الكلية عام 1967م ” يوم الحساب ” بالقلم الرصاص ، والذى بلغ عشرة أمتار فى ثلاثة أمتار ، حيث انطلق عبر تلك المساحة فى نحت آلية التضاد بين نعيم الجنة وجحيم النار .. بين فرحة الثواب وويلات العقاب ، من خلال التعبيرات المتباينة للوجوه المختلفة فى ذلك اليوم المهيب .. ورغم تأثر نوار بآلية البعد الثالث المرئى لفنون عصر النهضة الأوروبى ، إلا أن هذا العمل كان كاشفاً عن ثقافة بالغة التفرد ، إذ شقت طريقها بداخله لاحقاً نحو تصويب تدريجى لمساراتها الشكلية عبر استقاء لجذورها من الينابيع الأصلية التى كشفنا عنها سابقاً كما سنلحظ هذا فى الفصلين القادمين الخاصين بتجربتى ” العبور ” و ” الشهيد ” .. وربما نجد أنفسنا عند هذا المنعطف من حياة الفنان أحمد نوار أمام حتمية إماطة اللثام عن علاقة وطيدة بين الجناحين العقائدى والإبداعى فى سيرته الذاتية .. وقد ألمحنا لهذا من خلال إضاءة بعض ملامح نشأته الأولى فى هذا الفصل والفصلين التاليين له .. بيد أن هناك مساحة مهمة تستحق التناول بتدقيق لما لها من أثر عظيم فى شق أخدود نحو استيعاب طرح هذا الكتاب ، خاصة أننا أفردنا فى هذا الفصل لمكانة الروح ومنزلة الشهيد عبر استدلالات قرآنية وإنجيلية ونبوية محمدية ، علاوة على نصوص من ” متون الأهرام ” و كتاب الموتى ” الخروج إلى ضوء النهار ” و ” أدعية إخناتونية ” ، وهو النسيج الفكرى الروحى الذى نتصور أن نوار لم يفلت من تأثيره دون أن يدرى ، بما هيأه لاحقاً للتشبع بالفلسفة القائمة على العلاقة الأزلية بين الأرض والسماء .. بين الجسد والروح .. بين الطين والنفس ، الأمر الذى يجعلنا نستجلى ملامح تلك الجذور فى أعماله التصويرية من خلال الفصلين الوافدين ، لذا فالإنتباه هنا واجب لفترة تجنيده فى الجيش المصرى عقب نكسة يونيو 1967م حتى خروجه من الخدمة العسكرية عام 1970م تنفيذاً لقرار الرئيس جمال عبد الناصر بتسريح أساتذة الجامعات والمعيدين وعودتهم إلى مجالهم العلمى قبل أن يفقدوا لياقتهم البحثية .. ولعل المنهل المهم فى هذا السياق هو كتاب ” عين الصقر ” الذى يجسد السيرة الذاتية لنوار من خلال ذلك النص الأدبى لسليمان العطار ، حيث يجسد فيه العلاقة بين لهفة الجهاد ورغبة الإبداع عند القناص الفنان أحمد نوار ، من خلال توافق وقت تخرجه من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة تقريباً مع نكسة يونيو 1967م ، وبالضرورة مشروع التخرج ” يوم الحساب ” الأخروى مع يوم الحساب الدنيوى ضد العابثين بالأوطان _ على حد تعبيره _ حيث مثل هذا الحدث المفجع فى تاريخ الأمة منعطفاً شديد الأهمية داخل حياة نوار الذى عين معيداً بالكلية ، ثم أضحى بعد التحاقه بالقوات المسلحة مجنداً مطوقاً بواجب الدفاع عن وطنه الجريح بعد رفض الدولة سفره مع مطالع عام 1968م لاستلام جائزة بينالى ” إبيثا ” الإسبانى عن عمل يكشف ملامح مأساة الهزيمة ، علاوة على بعثة لإسبانيا لمدة أربع سنوات .
وفجأة وجد الفتى أحمد نوار نفسه على جبهة القتال كقناص يضع رؤوس الصهاينة فى مرمى بندقيته ، بعد أن أن كانت ألواح التصوير والرسم والحفر هدفاً لفراجينه وأقلامه وسكاكينه ، وهو ماجعل بعض النقاد الأسبان يلقبونه ب ” أسير الحرب ” تارة ، و ” مطوق مع الحرب ” تارة أخرى ، حتى أنه احتفظ ببعض شظايا الدانات لإعادة صياغتها فنياً بعد مغادرته للجبهة عام 1970م للأسباب سالفة الذكر .. وهنا يجب أن ندقق فى علاقة نوار المبدع بمثيله المجاهد ، حيث بدأ يستحضر ذاته الفنية لتدعيم نفسه كمقاتل بعد أن ذاع صيته كقناص .. ففى سرد سيرته العسكرية بكتاب ” نوار .. عين الصقر ” كشف عن حساباته الهندسية الدقيقة لحصد أدمغة الصهاينة المستترة إلا قليلاً بين السواتر الترابية ومراكب الصيد والتلال الرملية ومسطحات الخيش ، عبر تلك الفتحات الهلالية التى كان يطل ويغير منها على أجساد أعدائه الساهين أحياناً ، والمتثائبين أحياناً أخرى .. وفى هذا الإطار كانت ثقافته التشكيلية والمسرحية تلعب دوراً كبيراً فى الإبتكار لتفجير رؤوس الإسرائيليين ، متأرجحاً بين ضوابط تصميم المشهد ولغة خيال الظل ، وذلك عبر تليسكوب بندقيته التى صارت مع الوقت جزءاً من بدنه وروحه بعدما أيقن أن جهاده الأكبر فيها .. وهنا تجدر الإشارة إلى مثول نوار فى المنطقة الفاصلة بين الميلاد والموت ، مساوياً كلاهما ببعضهما ، حيث يجود بجسده لوطنه وربه راضياً ، ورغم هذا كان حريصاً على حياته لتكملة مشوار النضال ضد عدو متغطرس ، وهو مايجعله يقرر أنه كان يجرى هارباً بعد كل قنص كعصفور يطير فزعاً ، بالتوافق مع قدميه اللتين لاتلمسان الأرض من فرط سرعة الجرى إرتكاناً لحب البقاء ، بمايدفعه لغزل تعبيره المكثف ” الروح حلوة ” الذى يكشف عما ذهبنا إليه من الغوص فى تربيته الروحية بقرية المنشأ ” يوسف بك شريف ” ، حيث تلك العلاقة الوطيدة عند أهله بين الأرض والسماء ، والتى تسربت لجرابه اللاشعورى لاحقاً على الجبهة .
والمدقق فى سرد نوار لسيرته الذاتية العسكرية سيجده يركز على الشباك التى كان يغطى بها العدو معداته وأفراده ، علاوة على الصفائح وفوهات البراميل التى كانت تبدو له على حد تعبيره كالنوافذ المفتوحة البعيدة التى تكاد تمثل إطاراً من نور ضبابى قبل أن تتحول إلى مربعات أو دوائر سوداء ، وهو ماكان يشى بجسد بشرى يعترض ذلك النور ليصبح هدفاً مشروعاً للقنص ، بما كان يزيد من قدر الإثارة البصرية والروحية التى كانت تدفعه لمواصلة استثمار مهارته فى اصطياد رؤوس العدو .. ويستمر نوار فى تأملاته الروحية الإيمانية على جبهة القتال بقوله ” إن كل مواطن يضمن بالفعل مهما كان موقعه ووجاهته أو فقره حوالى مترين مكعبين من أرض الوطن ، سيصيران بيتاً له إلى قيام الساعة وهما مايشكلان القبر ، حيث تلك الملكية المؤجلة ، لكنها مضمونة وأكيدة مائة فى المائة حين يحين الحين ، بيد أنه لم يحن حينى ” .
فإذا دققنا ملياً فى مجمل التأملات البصرية والربانية السابقة التى تجمع لدى أحمد نوار بين العسكرى الشهادى والإلهى الغيبى عند أعلى نقطة على منحنى التضحية والفداء ، لأيقنا كيف كان يألف العيش مع الموت مؤمناً مع كل نجاة له أن فى العمر بقية _ على حد سرده _ ، إنطلاقاً من مفاهيم عقائدية فطرية راسخة تضافرت مع مكتسبات إبداعية وافدة ، بما يهيء هذه الجديلة المتينة لتسييج المنجز التصويرى فى تجربتيه اللتين سنتناولهما بالتحليل النقدى فى الفصلين القادمين .
وعلى جانب إبداعى مواز نجد نوار فى إطار وجوده على جبهة القتال يشبه أصوات دانات المدافع وأزيز الطائرات وانفجارات الديناميت والنابلم وصفير الصواريخ بصوت الموسيقى السيمفونية ، وهى مقارنة تكمل دائرة كشفنا عن روح مؤمنة مبدعة تصل فى رؤيتها بين المرئى واللامرئى .. بين الشهادى والغيبى ، على بساط الخلق الإنسانى المدهش الذى يصل عنده هنا إلى نقطة الإلتقاء التراسلية بين السمعى والبصرى والروحى معاً ، بما يؤسس لحالة استشرافية وثابة نحو منجز فنى آت طازج ، إعتماداً على رؤية تراثية عقائدية شديدة الخصوصية ، حيث يذكر فى سرد سيرته العسكرية تلك النماذج البطولية التى عايشها على خط النار ، ومنهم قائد السرية الذى انفصلت رأسه عن جسده ، وآخر قضت عليه شظايا مارقة وهو نائم فى المخبأ ، وثالث مزقته دانة عابرة للقناه حولته إلى تراب متناثر وهو يبدل ورديته مع زميله أعلى شجرة المراقبة على الضفة الغربية .. لكن أحمد نوار عبر كل الأحوال طوال فترة كمونه فى حضن المواجهة مع العدو الصهيونى كان مشغولاً بالروح الخالدة وليس الجسد الفانى .. بالشهادة الجليلة وليس الموت الغادر .. فرغم نظراته الأفقية القائمة على الرصد والمراقبة والتدقيق البصرى الممهد للقنص من خلال التليسكوب القابع فوق ذراع بندقيته ، إلا أن روحه لم تفارق الجسر الواصل بين الأرض والسماء ، حيث ذلك المفهوم الإيمانى العميق الذى يحتفى بمكانة الروح السامية ومنزلة الشهيد الرفيعة ، وهو ماأومأنا له فى مطالع هذا الفصل ، ويتأكد فى تلك الوصية التى كتبها نوار بخط يده فى الأول من فبراير عام 1970م قبل أن يفارق زملاءه ، موصياً إياهم بمواصلة التضحية والقتال من أجل الوطن ضد عدو لئيم .. وفى هذا السياق يقرر المبدع البطل فى وصيته أن روحه رخيصة مقابل حرية بلاده ، حيث يختمها بسلامه لكل بطل مؤمن ببلده ويموت من أجلها ، بينما يصب لعناته على كل شخص يعيش لنفسه .. وأعتقد هنا أن محتوى الوصية فارق فى كشفنا عن الجوانب الروحية المضيئة فى شخصية نوار ، والتى يرسخ فيها للجود بروحه عن طيب خاطر فى ميدان القتال ، ناسياً كيانه كفنان كان قد بدأ فى التحقق فعلياً ، بما يغرس فى يقينى تلك الجديلة التراثية العتيدة التى تجمع فى تاريخنا العريق بين العقيدة والإبداع .. لذا لاأشك أن هذا هو مادفع أحمد نوار لتأسيس ذلك المعمار الإبداعى التصويرى لتجربة ” العبور ” التى سنتناولها فى الفصل الثانى ، ثم امتدادها ” عرس الشهيد ” فى الفصل الثالث من هذا الكتاب .
وربما نستجلى المزيد من جغرافيا هذا الفكر مع استمرار نوار فى عملية القنص بفرحة وعزيمة معاً فى شهر رمضان المشهور بطقوسه التراثية البهيجة التى حولها على جبهة القتال فى لحظات الإفطار إلى ومضات جهادية مضيئة تشى بتربة وتربية المنشأ المشار إليها سلفاً ، إذ ظل هذا المقاتل المبدع يناور ويتربص بفرائسه عند الزمن البرزخى الخطير الفاصل بين حالتى الصوم والإفطار فى رمضان الذى يصفه بأنه غير مسبوق فى روعته الروحية ، وتحديداً عند أذان المغرب المقدس الذى كان ينطلق معه مبللاً ريقه وعروقه على صيد جديد لأحد جنود الصهاينة ، رغم التكلفة الباهظة التى كانت تعقب هذا القنص من ضرب متوال بكل الأسلحة على مدى أكثر من خمس ساعات ، لكنها الإرادة الإيمانية التى تختلط هنا عند نوار بروح المبدع الخلاق القادر على الرؤية على جناحى الحس والحدس معاً .
وقد شكل هذا الإرتباط العقائدى بجبهة القتال نوعاً من اللهفة النفسية للعودة له ثانية حتى بعد انتصار أكتوبر من خلال تلك الرغبة الروحية العارمة فى نيل مكانة الشهيد التى لم ينلها أثناء القتال .. وقد ترك أيضاً تركيزه البصرى الشديد على ضحاياه أثراً لاحقاً لديه تمثل فى اتخاذه وضع الإستعداد المستمر ضد المارة فى الشوارع الذين اعتبرهم هدفاً للقنص على الصعيد المجازى ، وهو ماقد يتأكد لنا لاحقاً فى إبداعاته الجرافيكية والتصويرية التى يسيطر عليها دقة التصميم وحبكة التكوين ومتانة البناء كما سنرى فى الفصلين القادمين من هذا الكتاب .
وقد ظل مخزون الذاكرة يزداد امتلاءً عند أحمد نوار روحياً وبصرياً ووجدانياً حتى وصل إلى درجة خلط متوقع مباح بين النيل وقناة السويس .. بين الأقصر وأسوان والدفرسوار .. بين انفجار إطارات السيارات وهدير الطائرات .. بين صليل الشوك والملاعق واحتكاك المقدمات المعدنية للبنادق .. وهكذا استمرت تلك الإضطرابات التراكمية بين عامى 1970م و 1985م ، والتى تجلت فى صورة أرق سريرى وإطباق كابوسى وحشرجة صدرية كعوامل مجتمعة لم يكن قادراً على الإطاحة بها إلا قراءة القرآن أو الروايات .. أى أن الروح هنا عند نوار قد تماهت مع عوامل إقلاقها على جبهة القتال ، بما يؤكد العلاقة الوطيدة لديه بين الأرض والسماء على صراط إيمانى فاصل بين العقيدة والإبداع .. وفى هذا الإطار يقرر أحمد نوار أن طبيبه أخبره بإصابته بمرض ” الخوف ” الذى يصيب كثيرين ، ولكن المدهش هنا أنه نصحه بتذكر ويلات الحرب للحظات قبل الذهاب للنوم ، بما يساعده على هدم جدار الأرق المرضى الساكن بداخله .. وقد تؤكد تلك القصة ماذهبنا إليه من أن الحركة الحقيقية داخل نوار هى روحية فى المقام الأول ، قبل أن تصدّر قلقها للعقل والبدن ، كى يكون وقوداً لمنجز إبداعى متعدد الصنوف بين جرافيك وتصوير ونحت ورسم وفيديو وعمل مركب ، وهو مايميط اللثام عن جذور منهجه الشكلى الرافد من أبيار التجربة الحياتية كلها على المحورين المدنى والعسكرى ، والذى يتضافر مع رصيده التراثى الضمنى النابع من مكتسبات النشأة التى ذكرناها سلفاً ، لتتكامل تجربة أحمد نوار عبر التتابع الزمنى على الأصعدة الوجدانية والروحية والعقلية كتروس متعاشقة فى ماكينة فكرية وطنية عفية جعلته يغزل نسيجاً إبداعياً أصيلاً فى الفصلين القادمين من أجل زفة العبور وعرس الشهيد .
الفصل الثانى
أحمد نوار يزرع ويقاتل ويبدع فى العبور
موسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح
عشنا سوياً فى الفصل السابق مع مكانة الروح فى الدينين السماويين المسيحى والإسلامى عبر آيات إنجيلية وقرآنية ، علاوة على أحاديث نبوية محمدية ترسخ لنفس المقام الذى أكده المصرى القديم فى نصوصه الإبداعية الدينية مثل ” كتاب الموتى ” و” متون الأهرام ” و ” أدعية إخناتون ” .. كما تطرقنا إلى كتابات فى هذا الشأن للمفكر عبد الرزاق نوفل عن الروح ومساراتها وتوهجاتها ، حتى وصلنا إلى ينابيع النشأة الأولى عند أحمد نوار على المستويات الجغرافية والعقائدية والإجتماعية ، والتى أثرت بشكل واضح على مفهومه لرؤية الكون من زاوية شديدة الصلة بهويته بيئياً وإبداعياً .. وقد تجلى هذا فى فترة تجنيده بالجيش المصرى أثناء خوضه لحرب الإستنزاف بين عامى 1968م و 1970م ، قبل أن يتم تسريحه من الجيش كمعيد فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة تنفيذاً لقرار الرئيس جمال عبد الناصر فى هذا الإطار .. ولم يكن استعراضنا لكتاب ” نوار .. عين الصقر ” إلا ترسيخاً للقواعد الفكرية التى تربى عليها نوار من الغيط إلى الجبهة إلى اللوحة ، ومن الشجرة إلى البندقية إلى الفرشاة والأزميل ، وهو ماأوصله إلى بناء إبداعى وإنسانى متصل بحبل سرى مع وطن سخى الإلهام .. لذا سأعرض فى هذا الفصل لتجربته المهمة ” العبور ” التى عرضها بقاعة ” أفق واحد ” فى شهرى أكتوبر ونوفمبر من عام 2009م ، أى بعد ستة وثلاثين عاماً من نصر أكتوبر 1973م ، ومايربو على الأربعين عاماً من التحاقه بجبهة القتال إبان حرب الإستنزاف ، وهو ماأظهره فى حالة من النضج الذاتى والوهج الإبداعى والرصانة التعبيرية ، بماأهله لمعالجة هذا المنعطف الخطير فى تاريخ مصر الحديثة بجموح روحى وانضباط عقلى فى آن .. وقد تناول المؤلف ذلك العرض بالنقد والتحليل داخل العدد الخاص رقم 44 الصادر عن الفنان أحمد نوار من مجلة ” بورترية ” فى يناير 2010م .. ولاحقاً نشر النص نفسه فى صفحة ” فنون جميلة ” بجريدة نهضة مصر ، وذلك فى يوم السادس من أكتوبر 2011م إحتفالاً بالذكرى الثامنة والثلاثين لملحمة هذا النصر الخالد .. لهذا آثرت قبل تناول تجربة ” عرس الشهيد ” التصويرية فى الفصل القادم أن أعيد نشر النص المذكور ثانية هنا فى هذا الفصل حتى تكتمل دائرة الرؤية النقدية لهذا المبدع الفذ الذى كان ومازال مرتبطاً عبر إبداعاته التشكيلية المتنوعة بجذوره الضاربة فى رحم الأرض المصرية العريقة .
النص
منذ أن خلق الله الكون ، ثم استوى على العرش ، وهو يرتب الدنيا ويسخّر مفرداتها للإنسان كأروع إبداعاته الإعجازية ، حيث استخلفه فى الأرض وحمّله أمانتها ، بعد أن توّجه بلؤلؤة العقل التى ميزته عن سائر المخلوقات .. ولايشك أحد أن تلك المنحة العقلية هى محور الإدراك الوجودى الذى تكمن بداخله الرغبة البشرية الجامحة فى التطور والإندفاع الحضارى للأمام ، عبر سيطرة متمايزة القوة على السلوك الجسدى .. بيد أن الروح تظل هى الطاقة العظمى التى أمد الله بها الإنسان عبر نفحات جزئية من روحه ، لتصبح سراً من الأسرار الإلهية المثيرة ، رغم أنها تشكل ركناً عتيداً فى صيرورة الحيوات الدنيا والبرزخية والآخرة ، حيث تتجاوز الجسد فى قدراته المحدودة القابلة للفناء عند وقت معلوم ، لذا فهى لاتموت ، بل ترتحل من مستقر لآخر ، حتى اقترانها بالجسد ثانية يوم البعث .. وخلال مشوارها الآدمى الدنيوى تبقى فى صراع مع العقل ، تتحدد الغلبة فيه تبعاً للمكتسبات المعرفية لكلا الطرفين ، أو يستمر التكافؤ بينهما سيداً للموقف .. ولاأعتقد أن المبدع يكون بمنأى عن تلك الجدلية ، بل هو الأكثر اشتباكاً معها من غيره ، علاوة على حساسيته المفرطة دوماً نحو سياقه البيئى على كل الأصعدة السياسية والإجتماعية والتاريخية والجغرافية ، بما يجعل وجدانه أيضاً فى حالة تأهب مستمر للإشتعال .. ويعد الفنان الكبير أحمد نوار ( 1945م ) هو العينة التطبيقية الأكثر ملاءمة للأطروحة السابقة ، حيث تشف أعماله بوضوح عن مهارة فائقة فى خلق توازن صارم بين حكمة العقل وإرادة الروح ، داخل غلاف شعورى دافىء يحافظ به على سمت الإنحياز لثقافة وطن .. وربما يبدو هذا جلياً فى آخر تجاربه الإبداعية التى قدمها بقاعة ” أفق ” خلال شهرى أكتوبر ونوفمبر من عام 2009م ، تحت عنوان ” العبور ” ، مستلهماً فيها آليات نصر أكتوبر 1973م ، بعد ستة وثلاثين عاماً من حدوثه ، وهو الفارق الزمنى الذى يفسر تناوله الهادىء المنضبط للحدث ، بعيداً عن الإنفعال اللحظى والفوران المتزامن معه .. وقد احتوى العرض على مايقرب من خمسين مسطحاً تصويرياً بألوان الإكريلك على التوال ، أنجزها الفنان بين عامى 2007م ، 2009م ، إضافة إلى مسرح كبير لفن العمل التجميعى ، يفصله عن قاعة العرض الأصلية ممر طويل يتصل فكرياً وروحياً وبصرياً بجوهر الرسالة التعبيرية كما سنرى لاحقاً .. وقد اخترت هذا العرض الفريد لنوار كعينة نقدية ، ليقينى أنه كاشف لشخصيته الإبداعية ، حيث يمثل عصارة صافية لثمار تجاربه السابقة التى كان غالباً مايحتفى فيها بعنصر المقاومة الفطرية لمعاول الشر ، من أجل استشراء الخير فى العالم ، بداية من تجميعه لشظايا حرب الإستنزاف أثناء تجنيدة بالقوات المسلحة آنذاك كقناص على جبهة القتال ، من خلال مجموعته ( الحرب والسلام _ 1970م ) ، ومروراً بتلك الحمامة المعتقلة وراء القضبان على ألواحه الجرافيكية فى مجموعة ( معادلة السلام _ 1986م ) ، ثم تراكيبه التكنولوجية الجاهزة والمتداخلة مع تقاطعات خشبية على مسطحات تصويرية غنية تحتشد بالمادى والروحى معاً فى مجموعته ( الإنسان والطاقة _ 1994م ، 1995م ) ، ثم رسوماته عن جبل أبوغنيم عام 1998م ، والتى جسدت الإجرام الصهيونى فى أبشع صوره ، ثم حفره الهندسية فى حديقة مجمع الفنون بالزمالك عام 2002م تحت عنوان ( فلسطين 54 سنة إحتلال ) ، إحتجاجاً على ذبح الشهداء الفلسطينيين أمام عالم بلاقلب يشاهد إبادتهم بدم بارد ، علاوة على تجارب أخرى لم تخرج كثيراً عن هذا الإطار الإنتمائى لأمة زادها التمرد على الطغيان .. حتى كانت مغامرته الأخيرة تحت عنوان ” العبور ” التى تجلت فيها قدراته الذهنية على بناء الصورة بتجاوز نسبى لماهية المفردات المرئية ، عبر تدفق وجدانى سيّال ؛ فجاء العرض كعزف لموسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .. وهنا قد لانستطيع القبض على بوصلة التحليل النقدى دون معرفة مقبولة بمنشأ الفنان أحمد نوار فى عزبة ” يوسف بك شريف ” التابعة لبلدة ” الشين ” إحدى قرى محافظة الغربية ، والتى ولد بها فى الثالث من يونيو عام 1945م ، وعاش فيها طفولته المبكرة بين هندسية مساحاتها الخضراء ورطوبة طينتها الخصبة وبساطة ناسها التلقائيين من أصحاب الطموح الإنسانى المحصور فى عبادة صافية وقوت حلال وعائلة دافئة ، وهو ماأتاح له حياة موفورة التأمل ، موزعة بين اللعب فى الغيطان تحت ظلال الأشجار ، وعلى المصطبة الكائنة فوق الفرن البلدى بالقرية المطرزة ببيوت الفلاحين المكافحين ، حتى يحل الليل بعبائته حالكة السواد التى لايشقها إلا ضوء القمر ، ملقياً بطرحته الفضية على رأس وجسد البلدة الحالمة ، وعند غيابه لايخترق ظلمة الليل سوى مواقد النار التى يشعلها الفلاحون للتدفئة أو الطهى .. وعلى أبواب المراهقة كان الصبى أحمد نوار قد رحل إلى مدينة طنطا ليلتحق بمدرسة الصنائع الزخرفية فى أواخر الخمسينيات ، حيث تعلم بها أصول الرسم والزخرفة ، وهو ماأثر إيجابياً على مهاراته التصميمية كما سنلحظ فيما بعد .. وفى شوارع طنطا صال وجال الفتى بين الرسامين والخطاطين الشعبيين ، مستأنساً بالنفحات الصوفية للسيد البدوى ، ونكهة طنطا العتيقة التى تختلط فيها روائح البخور والتوابل بمشاهد بائعى الحمص والحلاوة ، وصوت جلجلة الأذان فى مدينة مشبعة بالحس الدينى ، لذا فعندما التحق نوار بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، كان طالباً مسلحاً بتراث بيئى شديد الخصوصية على الأصعدة الدينية والجغرافية والعلمية ، بما أهله للتفوق المنطقى بين أقرانه ، وكان بديهياً أن يحمل مشروع تخرجه ” يوم الحساب ” تلك الميول الدينية عبر عشرة أمتار طول وثلاثة عرض ، مارس فيها الرسم بالقلم الرصاص على الورق ، إذ بدا شغوفاً بالجنة والنار .. بالثواب والعقاب ، على جسر يصل بين الشهادى والغيبى .. بين الحسى والحدسى ، لذا فمع تجنيده بالجبهة بعد تخرجه عام 1967م من قسم الجرافيك بالكلية ، كان مهيأً لفكرة التحام الفن بالقتال ، والإبداع بالجهاد ، على خلفية الإنتماء الوطنى الدافىء ، سيما أن مصر وقتذاك كانت تعيش حالة من تعاظم الهمة عقب نكسة يونيو 1967م الموجعة ، بما جعل فناناً بتركيبة نوار النفسية والإبداعية يصبح جاهزاً باستمرار لكتابة موسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .
فإذا تأملنا عرض العبور إرتكاناً إلى ماطرحناه سالفاً ، سيما الأعمال التصويرية الإكريليكية ، سنجد أن نوار يعتمد فيها على العلم المصرى بألوانه المألوفة من الأسود والأبيض والأحمر كعلامة لايخطئها العقل الجمعى ، ليندفع الفنان فى تفكيكها وتحويلها إلى فيض من الرموز متعددة الدلالات داخل نفس الحالة موضع التناول ، مع مراعاة أنه يعطى لكل لون منها المساحة المناسبة للهدف التعبيرى ، فنراه على سبيل المثال يوظف اللون الأسود فى منطقة أدائية تتراوح فى مفهومها بين التجريدية والرمزية ، كما يبدو فى مجموعة أعماله ” الإنكسار 1967 _ 1 _ 2 ” ، ” إعتصار ” ، ” ترقب ” ، والتى يسيطر عليها السواد كرمز للحزن والحداد فى هيئة كتل متماسكة تكاد تنفلت من فعل الجاذبية الأرضية ، لتقطعها خطوط متداخلة بارقة كالشهب ، تشرع فى ذبح تلك القتامة كفعل أشعة الليزر فى الجسد الآدمى .. والكتل السوداء رغم إيماءاتها الواضحة نحو اعتصار القلوب للهزيمة المباغتة فى 67 ، إلا أن الفنان هنا يحيطها بمساحة لونية يمتزج فيها البرتقالى بالأحمر ، موحياً بعزيمة مضطردة وقودها من الدم والنار .. وقد أكد هذا الإصرار فى عمل ” ترقب ” عندما اقترنت العين أسفل المشهد وهى فى حالة تربص وشجن بالتليسكوب المتجه يساراً نحو هدف مرصود ، مستحضراً مهارته كقناص محترف على خط المواجهة .. وربما عند هذه النقطة الحدية فى نسيج الصورة يبدو اللون الأبيض فى سياقه التعبيرى كأحد معاول التحدى الروحى الناتج عن وصول طاقة الإستنفار إلى درجتها القصوى بعد صبر على التشبع بمرارة الأزمة ، خاصة أن اللون الأسود على المستوى الفيزيقى هو الأكثر قدرة على امتصاص الحرارة والضوء ، لذا فقد كان بديهياً أن تظهر شرائح اللون الأبيض كمثل شظايا نورانية تحمل نفحات البشرى والأمل .. ورغم أن الأعمال الأربعة تتكىء شكلياً على إحكام تصميمى دقيق ، إلا أنها بدت وكأنها حبلى من الداخل بقدر وفير من التضاد بين وجع الإنكسار والرغبة فى الإنتصار .. بين ضبط النفس والجنوح للمروق .. بين زخرفة الظاهر وموار الباطن ، وهو مايجعل المتلقى فى حالة توتر دائم أمام المشهد التصويرى ، متجاوزاً نعومة غزل التكوين وهندسيته البالغة .. أما المدهش هنا فهو اختفاء الجسد البشرى كلية من أرجاء الصورة ، رغم ميل الفنان الشديد للإعلاء من مكانة العزم الإنسانى الذى ظهر جلياً فى حدية الطاقة عند نقطة الإنفجار الوشيك وسط بعض الألوان المحايدة فى خلفية الأعمال كالرمادى والترابى ، وهو مايؤكد أن أحمد نوار كان يمهد فى تلك المجموعة التصويرية لموسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .
وبمفهوم آخر لبناء المشهد يزاوج نوار بين العنصر البشرى وآلة الحرب الجهنمية ؛ فنجده يؤنسن أدوات القتال ويحول الإنسان إلى أداة قتال عتيدة فى آن ، مثلما يبدو فى أعمال ” الإقتحام _ 1 _ 2 _ 3 ” ، ” حامل المدفع ” ، ” صعود الشهيد ” ، ” الروح ” ، ” الطاقة ” ، ” الإرادة _ 1 _ 2 _ 3 ” ، ” الهجوم ” ، ” العبور” ، ” نبض الطاقة ” ، وفيها تظهر الطائرات والصواريخ والمدافع على جسر إيهامى يحولها إلى عناصر عضوية حيوية من لحم ودم ، حيث تحتشد بطاقة روحية تسبق الوجود الجسدى الذى يقف عند نقطة الذوبان والتلاشى مع دوران رحى الآلة ، فى حين تظل ألوان العلم الثلاثة قاسماً مشتركاً فى كل التكوينات ، مع حرص الفنان على الدفع باللونين الأزرق والترابى كمعادل تعبيرى رمزى يومىء به بشكل مستتر إلى مياه القناه ورمال سيناء تحت سماء ملتهبة تحررأرضاً مغتصبة .. وعند هذا المنعطف المغرق فى العاطفة الوطنية والإبداعية معاً ، نلاحظ إرهاصاً لتضفير الصوتى مع البصرى فى عمل ” عزف الشهيد ” الذى يسوده اللون الأحمر ، إحتفاءاً بطهر دم الشهيد الذى تزفه آلتا البيانو والهارب إلى السماء ، فتتداخل الأصابع والأوتار مع الشهب الخطى المتوهج المميز لمعظم أعمال نوار ، بينما تظهر الآلة الحربية فى يمين الصورة على هيئة سواعد وأيدى ترفع البيانو إلى أعلى ، لتشارك بالعزف فى ذلك الزفاف السماوى المقدس .. وانطلاقاً من هذا المفهوم الروحانى ، سنجد أن أغلب تكوينات نوار تندفع فى العروج إلى أعلى صوب أحد أركان المشهد وهى محملة بالحد الأقصى للطاقة ، حتى أن الضوء الأبيض فيها يتحول إلى فيض من نور داخلى شديد الوهج ، وكأن المشهد كله أصبح على مشارف العرش ، فى إطار التحولات الذاتية بين الآلة الحربية الظاهرة والمقاتل المستتر خلف تلك النفحة الإلهية .. وربما من هنا نستطيع أن نصطلح على هذه المساحة فى أعمال أحمد نوار ب ” الأسطورية الشعبية ” ، والتى يرتبط فيها أداؤه بلغة المعتقد الجمعى داخل فضاء من الخيال الميثولوجى الساحر المتصل بحبل زمنى سرى مع الجوهر الحقيقى لمعركة أكتوبر الخالدة .. وتأصيلاً لهذا الإعصار الرابض بين الأرض والسماء ، نرى نوار وهو يمزج باقتدار بين أدوات التحريك المستمر للمشهد فى بطن العلم ، مثل الأسهم والعجل والصواريخ والسلالم ، فى تكريس لآلية الصعود نحو الهدف ، بما يمهد لغزل موسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .
وبالفعل يدخل نوار منطقة الغنائية البواحة فى مجموعة أعماله ” معزوفة النصر ” التى يمزج فيها بين حروف السلم الموسيقى وأصابع البيانو والطائرات والمدافع والصواريخ وقوارب العبور ، إضافة للعلم المصرى كقاسم تعبيرى مشترك ، حيث بدأت الأعمال تفصح عن مكنون تراسلى مضطرد ، يضفر من خلاله الفنان الصوتى بالبصرى بالحركى ، سيما الأعمال من 5 إلى 10 ، والتى يحافظ فيها على الألق الشديد لألوان خلفية الصورة ، مثل الأحمر الملتهب والبرتقالى المشع والأزرق المنير والأخضر المضىء ، علاوة على تدرجات البنى والترابى ، وهى الألوان التى قد يكون الفنان بها يستعيد تلقائياً رصيده البصرى والوجدانى فى قريته ” الشين ” مع موقد النار فى ظلام الغيطان ، وتسربل الضوء فى الليالى القمرية ، والهندسة الطينية فى الأرض الولود التى تكتسى غالباً بثيابها السندسية الخضراء ، لذا فإن المتلقى المدقق فى هذه النقطة على منحنى الأداء يكاد يشعر أن نوار يزرع ويقاتل ويبدع فى آن ، مستحضراً منظومة العبور الإعجازية من خزان ذكرياته كمحارب ، وهو مايؤدى بالتبعية لاستثارة أبعد بقعة فى قاع نفس الخزان ، والذى ترقد فيه لقطات بارقة لحقبة الطفولة والصبا بذات القرية ؛ فيحدث ذلك التزامن الإسترجاعى الدقيق فى لحظات إبداعية مدهشة تعتمد فى حيويتها على امتصاص غذائها من الجذور المتينة لأحمد نوار كفلاح ومقاتل ومبدع قادر على الإغتراف من بئره التراثى عبر قنوات زمنية مكثفة .
ويظل الفنان مندمجاً فى نسج هذه المنظومة الغنائية القتالية بتوافق هارمونى مع المقطوعة الموسيقية المصاحبة للعرض ، والتى تحتوى على خليط أوركسترالى من دقات المارش العسكرى ولهاث أنفاس الجنود ونغمات الزهو بالنصر ، فى محاولة لتعميق شعور المتلقى بالإيقاع العاطفى للمشهد التصويرى ، حتى يصل نوار إلى نقطة الثبات الإنفعالى على قوس الأداء ، عندما يدفع بمفرداته القتالية إلى صفحات من نوتة موسيقية حقيقية تمتزج على أسطرها ألوان العلم وحروف السلم الموسيقى مع الطائرات والصواريخ والمدافع ، وذلك فى مجموعة ” معزوفة النصر ” من 1 إلى 4 ، والتى تقترب فيها لغة الكتابة من عناصر الصورة داخل بوتقة رمزية جامعة تشير إلى قدرة الإبداع الصوتية والبصرية على تدوين الإنتصار فى الذاكرة الشعبية الجمعية .. لذا فقد حاول نوار إلقاء الوشاح الأسود على معظم مفردات المشهد ، لإبراز التوحد الإيهامى بين النغمة والرصاصة .. بين الترانيم والتفجيرات .. بين الدندنة والأزيز .. بين العزف والقصف ، حتى أن المتلقى يكاد يشعر أن الآلة الحربية قد تحولت إلى حرف موسيقى ، ليتحول هو بدوره إلى مقذوف نارى يبدو بين الإشتعال والإنطفاء .. وربما جاءت الخلفية البرتقالية المتوهجة التى احتضنت المفردات السوداء ، لتؤكد العلاقة التضادية داخل نوار نفسه بين الحمأة الوجدانية والجدولة الذهنية ، وهو مايهيىء جدران الذاكرة الشعبية لنقش موسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .
ومع نهاية العرض التصويرى بكتابة النوتة الموسيقية للإنتصار ، نجد أحمد نوار وهو يستدرج المشاهد إلى عرض تجميعى مواز ، من خلال ممر طويل مغلف من الداخل بفيض من ضوء أحمر ملتهب يجهز به الفنان مشاعر المتلقى لاستقبال المجهول فى مساحة من الرهبة وجلال الموقف ، حتى يصل بالفعل لفناء العرض الذى يخصّبه لإنبات علاقة بصرية جديدة بين العين ومفردات محسوسة تصل بين المادى والروحى ، مثل كراسى الإعاقة والنوتة الموسيقية وآلة الهارب والسلم والعجلة والمرايا وأكوام الرمال والمصابيح ، إضافة إلى العلم أيضاً كعلامة تحولت مع الوقت إلى فعل رمزى ذاتى متنوع الدلالة .. واللافت هنا أن أغلب عناصر العمل التجميعى حاضرة داخل الأعمال التصويرية ، حيث بدت وكأن الفنان قد انتزعها من مسطحاته الإكريليكية ليزج بها إلى آتون الإشتباك المباشر مع المشاهد على أرض تقترب من الواقع الفعلى لحرب أكتوبر 1973م . . وارتكاناً إلى مفهوم التصاعد الدرامى المسرحى ، قسّم نوار ساحة الرؤية إلى ثلاثة مشاهد منفصلة ومتصلة فى آن ، ليؤكد من خلالها رسالته التعبيرية بشكل أكثر مباشرة وقدرة على مغازلة مشاعر بسطاء المتلقين ، حيث يأتى المشهد الأول ” أغنية المقاتل ” _ التسمية من وحى الكاتب _ محتوياً على عدد من كراسى الإعاقة المتحركة ، وعليها مجموعة من الأجساد مقطعة الأوصال ، والتى تعتمد فى بنائها على اللدائن الصناعية ، لتبدو وكأنها لمحاربين فرغوا من واجبهم القتالى للتو ، سيما أن الأرض تحتهم قد فرشت بالرمال .. وعلى الجانب الأيسر من المشهد وقف أحدهم يعزف على آلة الهارب مصرية النشأة ، وأمامه نوتة موسيقية ، بينما اكتست الخلفية كاملة بالمرايا ، ليتضاعف عدد المحاربين المعاقين فى العمق الإفتراضى الإيهامى للمشهد ، ترميزاً لامتداد التضحية من أجل غلاوة الأرض ، عبر قدر وفير من الإيمان والرضا والفرحة التى يؤكدها وقوف المقاتل أمام آلة الهارب ، وكأنه يعزف لحناً جهادياً مدوناً فى نوتته الموسيقية .. والمشهد يحتوى على نفس آلية التضاد داخل الأعمال التصويرية بين وجع الحرب وبهجة النصر .. بين أنين الإصابة وموسيقى الفوز ، على أرضية عقائدية راسخة ، لذا فإن الإنتقال للمشهد الثانى ” نور الشهادة ” كان منطقياً لذلك المتلقى الواقع تحت تأثير روحى متواتر ، حيث يجد نفسه فى مواجهة تقسيم هندسى لمقابر متجاورة يعتلى شواهدها مجموعة من المصابيح الكهربائية خافتة الإضاءة ، لتبدو كمشاعل إلهية تنير قبر الشهيد إلى يوم يبعثون ، وهو مايتأكد فى حزام المرايا المحيط بالقبور ، والذى يخلق بعداً بصرياً سرمدياً يجتذب الرائى إلى مشارف المطلق ، بما يكشف عن رغبة عارمة لدى نوار للإرتقاء بمكانة الشهيد والشهادة معاً ، إنطلاقاً من دافع دينى متجذر فى شخصيته ، ظهر جلياً عند منعطف مبكر فى مشواره ، وقتما رسم صرحيته ” يوم الحساب ” كمشروع للتخرج من الكلية ، مثلما أشرت سالفاً فى مطالع هذه الدراسة .. وعندما يواجه المتلقى جغرافيا المشهد الثالث ” فجر التحرير ” يكون قد وصل إلى ألمع نقطة على منحنى الإدراك الذهنى والروحى والوجدانى ، متفاعلاً مع مفردات مادية ملموسة ، مثل أكوام الرمال التى يغرس فيها نوار العجلة والسلم الذى تنتهى درجاته صعوداً بالعلم المرفرف على قمة مشهد التحرير المشبع بأريج الإنتصار ، والذى يزداد رسوخاً فى مخيلة المشاهد بتلك الموسيقى المصاحبة للعرض ، والمحتشدة بمتضادات متنوعة من الهمس والهدير .. من رنات الأوتار ودقات الطبول .. وربما قصد الفنان هنا تأسيس خط سير المشاهدة بشكل عكسى يبدأ من الجود بالبدن فى ” أغنية المقاتل ” ، ثم المقايضة بالروح فى ” نور الشهادة ” ، حتى يقبض المتلقى على قناعته الراسخة بأن فجر التحرير لايلوح إلا بسيل من التضحيات ، دون النظر إلى المقاصد النفعية المحدودة .. وأظن أنه عند هذه المساحة الإنسانية المضيئة فى العرض يكمن جزء من الرسالة الإبداعية لنوار ، والتى يدثرها بلحاف فضفاض من الإجترار الذاتى الذى يبدأ من غيطان وبيوت الشين ، ويمر بشوارع وحوارى طنطا ومدرستها الزخرفية ، والمآذن والقباب والهرم والنيل وكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، والخنادق والتلال الرملية والصواريخ والطائرات والمدافع والقوارب ورؤوس الصهاينة وراء تليسكوب البندقية على جبهة القتال ، حتى ينصهر الفنان الكبير أحمد نوار مع ألواحه الجرافيكية ومفرداته التجميعية ومسطحاته التصويرية ، فى حالة من الزهو بذاته الفردية والوطنية ، كفلاح ومقاتل ومبدع فى العبور نحو ضفاف النور ، وعازف ومؤلف بارع لموسيقى النصر بين حكمة العقل وإرادة الروح .
وربما بعد هذه الدراسة التى عرضت لها هنا نستطيع أن نستكنه الصلة بين نسيجها ومثيلتها عن الشهيد فى الفصل القادم ، من أجل الإستمساك بالصراط الواصل بين الجمعى والفردى .. بين الوطنى والشخصى .. بين الإلهى والبشرى ، إنطلاقاً من المتانة التراثية لنسيجنا الفكرى العريق الذى يؤدى الرباط معه إلى عرس مستمر فى وجدان الأمة .
الفصل الثالث
عرس الشهيد
لاشك أن الروح البشرية تحتل مقاماً رفيعاً عند خالق الكون وخلقه الإنسانى معاً ، لأنها تأوى سر الوجود كله ، حيث تبدأ رحلة الحياة الأرضية بعد نفخها من روح الله فى جسد الإنسان الذى يعود بعد الموت إلى سيرته الأولى الطينية ثانية كرداء بال خلع عن كائن خالد حتى يوم البعث العظيم .. وفى هذا الإطار تبدو الروح فى حيوية مستمرة أثناء سكنها فى الجسم البشرى الذى تتحدد مرتبته الدنيوية بسلوكه الروحى المتراوح بين الشفافية والعتمة .. بين التحرر السماوى والأسر الأرضى .. وعلى جانب آخر تبدو الروح بعد صعودها فى منازل متمايزة تبعاً لسلوكها عند اقترانها بالجسد فى الحياة الدنيا ، بداية من وجودها فى القبور حتى نعيمها فى عليين عند أرقى مراتب الجنة ، مروراً بأغصان الشجر وحواصل الطيور الخضراء المتصلة بقناديل موشوجة بالعرش كجائزة كبرى يفوز بها الشهيد بعد جهاده فى سبيل الله دفاعاً عن العرض والمال والوطن ، حتى أن الخالق يسمح لأرواحهم بالتجوال فى جنته كيفما شاءوا ، قبل أن يتملكهم الإرتباك العقلى والوجدانى بعد نفاذ رغباتهم الإنسانية مقابل الإغداق السخى من كنوز الرحمن التى لاتنضب .. وربما تختلف المخيلة الشعبية فى هذا السياق بين أمة وأخرى عبر تباين درجات الإيمان بالحيوات الدنيا والوسطى والآخرة ، إرتكاناً إلى البعث الحتمى يوم يطوى الله السماء كطى السجل للكتب ويرث الأرض ومن عليها ، وهو ماأفردنا له بإسهاب فى الفصل الأول من هذا الكتاب الذى ينتمى مؤلفه والفنان محل الدراسة إلى مصر كواحدة من ركائز الفكر العقائدى الشرقى الجانح فى تركيبته الإنسانية إلى عالم الإيمان بالروح وخلودها ومنزلتها الرفيعة منذ أن ينفخها الله فى جسد الجنين الكائن فى أحشاء أمه ، مروراً بحياتها داخل البدن الطينى ، ثم مغادرتها له بعد الموت إلى مستقرها المؤقت ، قبل أن تعود له ثانية يوم الموقف المهيب .. وفى هذا الإطار يحتل الغيبى ركناً ركيناً فى البناء الدماغى للأمة الملتحمة بهذه المفاهيم ، حيث تبدو علاقته الوطيدة بالشهادى هى حجر الأساس فى ذلك المعمار التراثى العريق الذى أعتقد بلاشك أنه يلقى بتأثيره وظلاله على التكوين الشعبى عقلياً ووجدانياً وروحياً بكافة أطيافه .. وبالضرورة لن ينسلخ المبدعون من هذا السياج المعرفى المؤثر على منتجهم الإبداعى بالضرورة .. لذا كان يقينى بأن المشوار الطويل للفنان الكبير أحمد نوار فى عالم التشكيل كان ولم يزل نتاجاً منطقياً لرباطه الوثيق مع هويته الثقافية بجغرافيتها وتاريخها وعقيدتها ، بما جعل موهبته الفنية تلتحم مع روافد نشأته البيئية المبكرة وواجبه الجهادى الوطنى على جبهة القتال ، كما قدمنا لهذا فى نهايات الفصل الأول من هذا الكتاب ، وهو ماأسفر عن تجربة فنية ثرية بداية من عام 1968م ، كان من أبرزها مجموعته التصويرية والجرافيكية فى الحفر على ألواح الزنك التى أنجزها بين عامى 1972م و 1973م أثناء بعثته لإسبانيا ، والتى يسميها الكاتب ( نفحات الشهيد ) ، حيث يعتمد فيها على الأكفان المحلقة فى فضاء المشهد وكأنها أرواح مبتهجة بالإنعتاق من معتقلها الجسدى ، وذلك عبر مسارات معلومة إلهياً صوب مستقرها العابر فى قناديل العرش قبل يوم البعث الجليل .. وأظن أن تلك التجربة كانت بمثابة الجذور الفكرية الضاربة فى التربة الإبداعية المنبتة لتجربة أحمد نوار المعنونة ب ” العبور ” التى عرضها فى قاعة ” أفق واحد ” عام 2009م بين أعمال تصويرية وتجهيزية فى الفراغ ، والتى أسهبنا فى تحليلها بالفصل الثانى من هذا الكتاب ، حيث أعتبرها تمهيداً برزخياً حقيقياً لتجربته النوعية التصويرية أيضاً ” عرس الشهيد ” ، حيث نتناولها نقدياً فى هذا الفصل بصورة مرحلية متواترة على خلفية كل ماسبق طرحه فى الفصلين السابقين .
أنين التراب فإذا تأملنا عرض أعمال ( عرس الشهيد ) الذى أنجزه أحمد نوار كله بخامة الإكريلك على القماش ، سنجده داخل حيز تصويرى مربع ، وهو مايساعد المتلقى على التوحد مع المشهد فى حضرة القاعدة الهرمية متساوية الأضلاع كما تخيلها المصرى القديم فى إطار كشفه عن الجهات الأصلية الأربع ، إضافة إلى كونها منصة إطلاق نحو جوف السماء ، مروراً بالقمة الهرمية المساه ب ” التل الأزلى ” التى كان يتصورها المصريون الأوائل موطئاً لجلوس الإله .. لذا فالأعمال هنا فى مجملها تبعاً لهذا المفهوم الروحى المحفوف بسياج عقلى تنقسم إلى أكثر من حزمة تصب بالضرورة فى الوعاء العام للعرض .
فلو نظرنا إلى مجموعة التصاوير التى يسميها الكاتب ” أنين التراب ” لوجدنا فى التكوين رقم 1 أن نوار يخلص المشهد من فعل الجاذبية الأرضية كعادته فى كل أعمال العرض ، حيث تبدو اللقطة وكأنه ينظر من عل بعين الطائر لمساحات هندسية مونوكرومية ترابية تبدأ من اللون الجاف الفاتح ، حتى اللزج الداكن ، مروراً بالتدرجات الكامنة بينهما .. وربما كانت تلك التقاسيم تقترب من مثيلتها فى الأرض الزراعية التى تربت عليها عينا الفنان داخل جغرافيا نشأته الأم التى أشرنا لها سلفاً .. وفوق تلك التواليف الترابية يطير نوار بكتلتين طوليتين متمايزتين حجماً وشكلاً ، وتتأرجح هيئتهما بين العضوى والمادى ، وتجمعان بين سمتى الطائرة والصاروخ عبر تحورات قصدها الفنان ، حفاظاً على اتساع الرؤية .. وقد ضفر الكتلتين لونياً من الخلف مع التراكيب الترابية المونوكرومية للإيحاء باتصال الأرض مع السماء ، رغم ظلالهما الممتدة تحتهما داخل النطاق الهندسى الأرضى .. وعلى جانب آخر نجده يقابل تسطيح الأرض مع تكوير المعدتين ، بما ينشىء موسيقى بصرية مزيجة بين البعدين الثانى والثالث .. وربما تكون تلك المسحات والسحجات الزرقاء متباينة الشفافية على أطراف المركبتين هى رجع الصدى لذلك الإحتكاك بين السماوى والأرضى فى مجال تصويرى محدود يسمح بالتراسل بين البصرى والصوتى .. بين المرئى والمسموع ، على صراط دقيق يفصل بين الواقعى والإيحائى .. وعند هذه النقطة على منحنى البناء التصويرى قد نلمس أن التكوين الترابى الطينى التحتى هو الحاضن لتلك القوى الإستنفارية الروحية المنبعثة من أسفل إلى أعلى وسط جو شبه معتم يوحى بحالة من الأنين الإحتشادى الشارع فى التفجر ، وهو مايبدأ تحققه نورانياً بالفعل فى مقدمة كبرى المعدتين منسحباً إلى مؤخرتها ، وبدرجة أقل فى المركبة الصغرى .. وقد تسرب هذا النور إلى الشطفات الزرقاء الشفافة ، قبل أن يستل نوار منه خيوطاً مضيئة فى مسارات هندسية مستقيمة تربط بين ينابيعه المختلفة ، حيث تنوع بين أزرق وأحمر منيرين رافدين بصرياً من ذلك المربع المنقسم بين نفس اللونين عند مقدمة المركبة الصغرى ، وبجواره بقعة حمراء ملتهبة موشية باشتعال محتمل .. لذا فإننى أعتبر هذا العمل هو القاعدة التأسيسية التصويرية عند نوار التى يبنى عليها مفهومه عن الجسد المضطرب المهيأ دائماً للإفراج عن الروح نحو مستقرها ، إنطلاقاً من إيمان راسخ لديه بتباين مكانة ومنزلة الروح تبعاً لتواصلها الإلهى مع لغة المعتقد السماوى ، وهو مايجعل المشهد التصويرى عنده متجاوزاً للزمان والمكان نحو عالم ربانى مغاير ، رغم اتصاله بملامح الأرض المحسوسة .. وقد يتأكد ذلك الفكر الجامع بين العقلانى والروحانى من خلال قدرات نوار التصميمية اللافتة التى تحكم حركة عين المتلقى داخل نطاق مشترك بين آليتى البث والتلقى فى آن واحد ، بما يكشف عن عرس نورانى محتمل .
وفى التكوين رقم 2 من نفس الحزمة نرى نوار يؤسس لنفس التواليف الترابية الطينية المونوكرومية ، مطلقاً من قاعدة المشهد ذلك الهرم الذى يجمع بين الأزرق المضىء والأحمر الشارع فى الإلتهاب على جانبيه الظاهرين ، وهو ما يمثل ثقاب الإشعال الذى يستخدمه فى الإتصال مع تلك الكتلة المستعرة كالجمر ، والمتصلة بإحدى المركبات الطائرة المكسية بالضياء ، حيث بدت محاطة كذلك بلفافات من نفس نسيج الأرض الترابية الطينية ، مرتدية مسحات من الأحمر الملتهب والأزرق المنير الذى استل منه الفنان خيطه المضىء الواصل بين الجمرة المستعرة والمركبة المضيئة ، وهى بواكير رسالة العرض عند أحمد نوار ، حيث المقابلة البصرية والروحية بين النور والنار .. بين الضى واللهب ، على خلفية عقيدته الدينية الفنية التى ظهرت فى مشروع تخرجه ” يوم الحساب ” عام 1967م ، بيد أنها هنا أكثر نضجاً ، حيث تخلص فيها من الآلية السردية المباشرة إلى الفعل الإيمائى غير المباشر ، وهو ماتبدو آثاره فى تلك الندع النورانية المتناثرة فى أرجاء العمل ، عبر ترديد بصرى لمصادر التفجر النورانى .. أما المدهش هنا فهو العلم المصرى الذى غرسه نوار فوق الكتلة الطرفية المشتعله ، فى إيحاء بغلاوته ومكانته الرفيعة التى تستحق الدفاع عنها ولو بالإلتحام مع النيران .. والمدقق فى العمل سيجد أن الفنان يواصل هروبه من فعل الجاذبية الأرضية ، وتجاوزه للضوابط الزمنية الفيزيقية ، حتى يخيل للمتلقى أنه خارج السياق المرئى رغم اتصاله الواضح به .. وربما هنا نستشعر رغبات نوار كذلك فى تعقب مسارات الروح غير المرئية ، والمرتبطة بثقافته الفطرية والمكتسبة التى استقاها من نشأته الأولى القائمة على مزيج من الحسى والحدسى معاً .. لذا فإننا نلاحظ أن الكتلة الرابضة فى بؤرة المشهد تجمع إيهامياً بين الغرس فى الأرض الترابية الطينية والتحليق فى الرحابة السماوية ، من خلال حركة بصرية وروحية دائبة تتأكد فى تلك العجلة الملتهبة الدائرة أسفل الجزء الأبيض البهى من المركبة الطائرة ، وهو مايغذى الصورة بآلية ديناميكية لاتتوقف ، تبشيراً بعرس روحى وافد .
أما التكوين رقم 3 فى هذه المجموعة من الأعمال فيفصح عن بواكير زفير للتراب بعد طول أنين ، حيث تظهر نفس الأرضية الترابية الطينية فى بطن المشهد دون تقاسيم مألوفة ، تمهيداً لطرد بعض الغضب من بطنها عبر تلك التركيبة الهندسية ثلاثية الأبعاد التى تعتمد فى أغلبها على الشكل الهرمى المسطح منه والمجسم ، وكلها تقريباً مكتسية باللون الأزرق المضىء حول تلك المساحة البنية الداكنة المتوجة بقوس ترابى منير منقوص ، حيث تبدو كجزءً من نسيج الأرض الترابية الحبلى بالوجع ، وهو مايتجلى فى ذلك الإحمرار المتوهج وكأنه زفير من نار أحاط معظم أركان المشهد ، بما أوحى بشروعه فى الإشتعال المتدرج نتيجة تباين درجات الإحمرار .. والمدهش هنا هو اختزال نوار للمسافة بين السماء والأرض من خلال تحكمه البليغ فى بناء التكوين عبر وعى تصميمى يشى بفهم معمارى لأبعاد المنظور الهندسى الذى يعتمد عليه فى هذا العمل للإيحاء بالسطور الأولى فى رسالة روحية وافدة عبر تضييق المسافة بين الحسى والحدسى .. بين الشهادى والغيبى ، تمهيداً لإماطة اللثام عن المستور وراء الحجب .. وفى هذا السياق نرى الفنان حريصاً على خلق التوازن بين مفرداته الهرمية الصاعدة رأسياً وكتلته الأساسية الأفقية الطينية الداكنة مشتعلة الأطراف ، فى إطار محاولة للكشف عن آلية كونية راسخة لايختل نظامها ، لكنها قابلة لصياغة إبداعية مغايرة .. وقد يتأكد هذا الخلق الإبداعى الجديد فى الخط الضوئى العلوي الواصل بين قمة أحد الأهرامات الترابية ومقدمة القوس المنقوص الذى يحمل ذات السمت اللونى ، والذى بدت مقدمته كرحم يلد ذلك العلم المصرى صغير الحجم وكأنه جنين يتجدد ميلاده كل قدح من الزمان ، بما يكشف عن ضفيرة متينة بين الروحى والجسدى .. بين الربانى والوطنى ، وهو الرباط المتجذر عند نوار منذ نشأته الأولى فى قريته الحاملة للسمت المصرى الجامع بين الدينى والدنيوى ، إيماناً بيوم البعث بجنته وناره ، الأمر الذى بدا جلياً من قبل فى مشروع تخرج نوار ” يوم الحساب ” ، قبل أن يترسخ هنا فى هذا العمل من خلال جمعه بين الأزرق البارد الحالم والأحمر الساخن الملتهب ، تلك الثنائية التى تلازمه فى معظم أعماله التصويرية والجرافيكية والتجهيزية فى الفراغ ، بما يشير بوضوح إلى جسارته فى الإشتباك مع ألسنة النار فى سياق بحث شغوف عن ينابيع النور عند كوشة العرس الإلهى المرتقب .
زفير النار والمدقق هنا فى شخصية أحمد نوار الإنسانية والفنية كما شرحنا لها سلفاً فى نهايات الفصل الأول ومطالع الفصل الثانى ، إعتماداً على فهم الجديلة الجهادية الإبداعية المتينة لديه ، سيجد من البديهى أنه سيتخلص من متاريس العتمة فى مجموعة أعمال ” أنين التراب ” بكاسحات نيرانية تفتح أخاديداً ممتدة فى عمق الأرضى المرئى المتصل بجوف السماوى اللامرئى ، وهو مايتجلى تدريجياً فى مجموعة الأعمال التى ينعتها الكاتب ب ” زفير النار ” ، إذ تظهر بها رغبته فى مزج النار بالدم على خلفية قتالية تقدس هذا المركب التراثى الراسخ فى العقل والروح الجمعيين للأمة .
ففى التكوين رقم 1 نجد نوار قد افترش مسطحه التصويرى بنفس البساط الترابى الأرضى ، خالياً من بعض وضوح التقاسيم وجغرافيتها الضوئية ، تمهيداً للكشف عن باطنها الموّار بالطاقة التى يطلقها من خلال دلالتها الظاهرة المتمثلة فى تلك المساحة البنية الطينية الداكنة التى بدت فى المشهد كعلامة موحية على الإحتراق الباطنى المستعر الذى يخلف وراءه قدراً هائلاً من الرماد الداكن الممتزج بندى الطين .. وفى ذات الوقت تمثل نفس المساحة الإشارة إلى منصة الدفع الهائلة إلى أعلى التى تجلت فى تلك الشظية الملتهبة بالقرب من الزاوية اليمنى السفلية ، حيث ظهرت منطلقة من بطن الأرض قبل أن ترتفع فوقها كتلتان منيرتان ، إحداهما استطالت صاعدة إلى قمة التكوين ، بينما نمت الأخرى بشكل مستعرض لخلق التوازن النورانى فى قاعدة المشهد ، علاوة على اندلاع النزال مبكراً بين النور والنار ، وهو ماتأكد حركياً فى العجلتين المحفوفتين بالحبال الرفيعة ، إحداهما فى المساحة المشتعلة ، بينما قفزت الأخرى إلى مساحة زرقاء صافية علتها أخرى مستعرضة من ذات نسيجها اللونى ، كمعادل بصرى وروحى لصراع نورانى نيرانى مضطرد .. وقد بدا الجانب الأخر من التكوين كأنه ساقط من السماء لمقابلة نصفه الثانى عبر تواليف هندسية بللورية إكتست برداء البعد الثالث الذى يوظفه هنا نوار لصالح الإيحاء بتخليق مستتر للطاقة اللازمة لتفجير المشهد والدفع به نحو التخلص من الكبت الأرضى إلى البراح السماوى ، وهو ماظهر جلياً فى ذلك الإشتعال النيرانى المهجن بالوميض النورانى عند الجانب الأيسر العلوى للبناء المارق بميل إلى قمة المشهد ، حيث أفصح عن طاقته المتزايدة عبر ذلك الشعاع المتجه صوب ذات الزاوية ، مردداً صداه فى الشعاع الأزرق الوليد العابر نحو الزاوية اليمنى العليا .. وربما كان هذا العمل هو شرارة البدء الفعلية لانشطار الطاقة التقابلية بين النار والنور من خلال فعل تضادى دقيق محسوب من قبل الفنان الذى رسخ لهذا الشعور الجامع بين الحسى والحدسى .. بين العقلى والروحى ، عبر تلك الدائرة الحبلى بألوان العلم المصرى بتدرج تنازلى من الأحمر إلى الأبيض إلى الأسود ، بما شيد جسراً بين الثبات والحركة داخل معمار التكوين المشع بتوازن بصرى روحى بين الأربعة أركان الممثلة للكيان الأرضى كمنصة إطلاق للطاقة صوب حضن السماء عند ذلك العرش البعيد المتوج بالضياء .
وبالفعل ترتفع درجة الطاقة الدافعة فى المشهد عبر التكوين رقم 2 الذى تزداد فيه حدة الإشتعال النارى المتمثل فى تلك المساحة الحمراء التى انطلقت من الزاوية اليسرى السفلى للعمل ، مبتلعة فى طريقها قدراً كبيراً من الأرض الترابية ، رغم أنها بدت مندلعة من باطنها .. وقد ظل نوار يفرش بها الحيز التصويرى حتى انتهى بها لتكوين هرمى صاعد إلى أعلى ككتلة من النار الممتزجة بالدم فى طريقها للعروج نحو السماء للتطهر والسمو والإغتسال بالنور السيال الذى يتجلى فى تلك الكتلة البهية المندفعة من التكوين الترابى الساكن فى كنف مثيله الطينى الداكن الملفوف بشريط ذهبى لامع .. وقد التحمت الكتلتان عبر وشيجة شبكية زرقاء من نفس نسيج تلك الكتلة الزرقاء المركبة الكاسية لقمة التكوين ، والتى بدت كمعادل بصرى روحى بارد اللون ، فى مقابل الصراع المحتدم بين طاقتى النار والدم من جانب ، والنور والروح من جانب آخر .. وقد ترسخ الشعور بتلك الطاقة التقابلية عبر العجلات الثلاث البيضاء المطوقة بالحبال الرفيعة ، حيث تدور اثنتان منها داخل المنطقة الحمراء الملتهبة ، تجسيداً للفعل النارى الدموى المقدس المتصاعد ، بينما دارت الثالثة داخل المنطقة الترابية تحت الكتلة النورانية ، فى إصرار من الفنان على بلورة الفعل البهائى المضاد كمقصد تعبيرى ملح فى إطار مشروعه التصويرى الذى يسعى من خلاله للسير نحو ينابيع نفسانية صافية بعد التخلص من كوابح الجسد .. لهذا فقد بدا المشهد فى عمومه كمثل مخاض روحى ينسلخ فيه النور من رحم النار ، والضى من خلايا الدم ، داخل المسافة الواقعة بين السماء والأرض ، والتى يختزلها أحمد نوار إلى الحد الأدنى عند سفح المنحنى الإبداعى المعتمد على المزج بين الحقيقة والمجاز .. بين الواقع والخيال .. بين الملموس والمنتظر ، عبر جديلة تراثية عتيدة لديه ، حيث تتجلى فيها التضحية بالجسدى من أجل الروحى ، وبالفانى لصالح الخالد ، فى إطار الإندفاع المحموم نحو إدراك مواطن شلالات النور الفياض المنسكب على بساط عرس الشهيد .
وفى التكوين رقم 3 نلمح طفو شخصية المقاتل أحمد نوار على سطح مشهده الفنى من خلال تحويله للطاقة النيرانية المندلعة من باطن تقاسيمه الترابية المألوفة إلى عجلة حربية طائرة فوق الفراش الأرضى الذى انقسم إلى مثلثين متساويين مائلين ، أحدهما فى أسفل الصورة تحت سيطرة التواليف المونوكرومية للونين الأخضر النباتى والأزرق الصافى ، والمهجنين بمسحات من الأصفر الحنائى ، بينما بدا المثلث الأعلى حاضناً للتكوينات الترابية المعهودة التى ظهرت مشبعة بسيل من الإشتعال النيرانى المضىء عند مقدمة تكوين هندسى مكسى بالبعد الثالث على هيئة عجلة قتالية صاعدة من المثلث السفلى البارد إلى مثيله الساخن فى عزم مضطرد لاح فى عجلتها التحتية المطلية بألوان العلم المصرى الذى تردد بوضوح أيضاً أسفل مقدمة المركبة ، حيث بدا كفم مفتوح غاضب يطلق زفيراً من النيران .. وقد ساعد على هذا الشعور تلك المساحة البنية الداكنة التى شكلت جل جسد العربة ، قبل أن تظهر كدالة بصرية على عملية الإحتراق المنتجة للطاقة الحركية بصرياً وروحياً داخل المشهد كله ، وهو ماجعل العين تصعد مع ذلك المعمار التصويرى المبنى عليها عبر أشكال قرطاسية صفراء حنائية رؤوسها متجهة إلى أسفل ، لينغرس بعضها فى البدن البنى الداكن ، بينما بعضها الآخر يتماس مع المساحة الصفراء التى تبدو من نفس نسيجه اللونى .. وقد بدت رؤوس القراطيس الحنائية بلون العلم المصرى الذى ظهر مرفرفاً متجهاً صوب ثلاث عجلات من نفس الغزل اللونى للعلم ، فى حين بدت الرابعة مدفونة داخل المساحة البنية الداكنة ، وربضت الخامسة بلون أزرق صاف فوقها وتحت العلم الأكبر .. وكلها هيأت للمتلقى حالة من الدوران السريع المعتمد على ارتباطها بالحبال الرفيعة ، حيث الشعور المتزايد بارتفاع معدلات توليد الطاقة المادية والروحية من بطن المشهد الذى لم يفقد جاذبيته الأرضية بعد ، إعتماداً على العزم المتواتر البادى فى صعود المعدة من أسفل إلى أعلى ، فى تجسيد لسعى إبداعى حثيث بزفرات النار المرئية نحو إدراك إيهامى لمنابع النور غير المرئى ، عبر تحويل العلم المصرى من علامة متفق عليها جمعياً إلى رمز وطنى يستحضر الهمة فى طريق جهادى لايعرف سوى النصر
أوالعرس المأمول للشهيد المحتمل .
أما التكوين رقم 4 فنرى فيه الرمز يساهم بشكل غير مباشر فى زيادة وتيرة نفخ النار عبر فوران قتالى يبحث عن نفحات النور ، حيث يختزل أحمد نوار البساط الأرضى الترابى إلى مساحة تصويرية يمتزج فيها التراب قبل البلل الطينى مع الرماد بعد الإحتراق النارى ، ومابينهما من بينيات لونية تتمايل بين الداكن والفاتح فى سياق تحولات المادة أثناء الإشتعال النيرانى الذى يبدو فى تلك المساحة الحمراء الملتهبة الموشية برغبة الفنان الجامحة نحو إحداث التفجير المتواتر من باطن الأرض ، سعياً للمروق نحو البراح المنير فى جوف السماء ، وهو مايترسخ فى تلك المساحة البنية الداكنة الدالة على تتابع الفعل النارى الحارق .. وفى هذا الإطار بدت البقعة الحمراء كإحدى الحمم التى قذفها بركان منفجر للتو ، حيث ظهرت فى حالة من الإفتراش المتزايد الموحى بفعل مازال مستمراً .. وقد حرص نوار على الدفع بهذا اللظى الموّار إلى بؤرة المشهد من أجل توظيفه كنواة جاذبة لمجموعة من المعدات المحلقة تشبه الطائرات والصواريخ ، علاوة على تلك الطائرة الشاردة عكسياً لأعلى وبعض الشظايا المتطايرة للداخل نتيجة الفعل التفجيرى الذى يحتل المساحة الأكبر من التكوين ، وهو مايهيىء الرائى لتلك الحالة الترددية بين الحمم المندفعة من جوف الأرض ، والقصف الهادر من حلق السماء ، بما يختصر المسافة العمودية بين المحورين الكونيين إلى أدنى درجة ممكنة تمكن المتلقى من الإنصهار مع حيز الإرتكاز البصرى والروحى فى التكوين ، الأمر الذى يشى بقدرات أحمد نوار التصميمية الدقيقة التى يضفرها هنا مع مهاراته كقناص على جبهة القتال إبان حرب الإستنزاف كما عرضنا لذلك سلفاً .. وربما يكشف هذا عن براعة فى الدمج الناضج بين الآنى والفائت داخل لحظة إبداعية جهادية مدهشة .. أما الأكثر إدهاشاً هنا فهو أن نرى الفنان يستحضر النور متسللاً بين النار على حواف المعدات الحربية ، متجهاً إلى نواة المشهد فى هيئة حزمة تشرع فى التجمع عند نقطة معلومة وكأنه احتشاد نورانى فياض لإطفاء الإشتعال النيرانى المستعر ، وهو مايظهر فى الأشعة الدقيقة التحتية المتعاكسة التى تميط اللثام عن الرغبة الإبداعية القتالية المتجذرة تراثياً لدى نوار ، حيث تتجلى فى السعى الدؤوب وسط تصاعدات النيران صوب عيون النور التى سوف تتفجر حول عرس الشهيد .
وربما نرى بالفعل ملامح التوق إلى العرس الإلهى فى التكوين رقم 5 عبر توحد الحسى مع الرمزى من خلال ظهور التقاسيم الأرضية مرة أخرى وهى مشبعة بالضى الأزرق الشفاف فى إشارة ذكية من أحمد نوار إلى أن الأرض فى المعتقد المصرى القديم هى إحدى صور السماء ، وهو ماجعله يصهرهما هنا لونياً وبنائياً فى شريحة واحدة داخل المشهد ، تمهيداً لخرق المجال الفضائى المهيب بتلك الكتلة المارقة من الزاوية اليمنى السفلى للصورة إلى مثيلتها اليسرى العليا ، إذ بدت على هيئة صاروخ عابر نحو هدفه ، مدفوعاً بالعلم المصرى عند مؤخرته كجزء أصيل من بدنه ، علاوة على مهارة الفنان وحصافته فى تضفير ألوان العلم مع النسيج الفكرى للتجربة كلها عند هذا المنعطف التصويرى الدقيق الذى تتصارع فيه طاقتا النار والنور داخل عقل وروح ووجدان المبدع والمقاتل أحمد نوار الذى استجمع مفرداته التعبيرية داخل هذه المعدة المركبة ، حيث حول الجزء الأسود من العلم إلى قطعة طينية بنية داكنة تشى بالإحتراق المتواتر الذى تجلى فى الجزء الأحمر من العلم ، بادياً كقناة امتزجت فيها النار بالدم ، وهو ماتردد صداه فى بعض الزفير النيرانى الخارج من بطن الكتلة بين المساحة البنية الطينية الداكنة والتضاريس الترابية التى شكل بها نوار رأس المعدة المكسية ببعض مسحات الجمر النارى .. وعند نقطة متقدمة على منحنى الوهج التعبيرى نجد الفنان يحول اللون الأبيض الأوسط للعلم إلى جدول يجرى فيه النور الفيّاض متسربلاً بين ثنايا التكوين صوب قمته ، حتى بات فى طريقه للتشكل مع جغرافيته الغنية ، فى إيماءة تبشيرية ببداية سيطرة القبس النورانى على الصهد النيرانى فى المشهد ، وهو ماأكده بتلك التكوينات البللورية الخضراء الزرعية الناتئة من رحم الأبيض المنير ، ومثيلتها على قمة المقطع الأحمر المشتعل فى العلم ، والذى تدلى بداخله شكل بنى مخروطى مضىء يوحى بجذر ضارب فى تربة نارية خصبة تقابل أخرى مخضرة تزحف من الزاوية اليسرى السفلى ، لتبدو كسجادة من الخير تنبسط فى طريقها لاحتضان المركبة المتقدة بمزيج من النار والنور الذى ظهر شارعاً فى الإفتراش والجرى صوب عرس الشهيد اللائح فى الأفق الإلهى .
وفى التكوين رقم 6 تبدأ فعلاً عملية الإنطفاء النيرانى البادية فى اكتساء التقاسيم الأرضية باللون الأحمر الداكن المصدّر للفعل الإيهامى بسيادة الدم على النار داخل كل أركان المشهد الذى بدا بمنظور عين الطائر ، حيث تقمص نوار شخصيته فى هذه اللقطة الرأسية التى حرص فيها على الكشف عن سيطرته على التكوين من أعلى نقطة بصرية عمودية ، تأكيداً لبحثه اللهفان عن ذلك المكان المستتر الذى يستحق التضحية بالغالى والنفيس .. وفى هذا السياق نجده يحقن النور داخل شرايين الأرض المخضبة بالدم الممتزج بأطلال النار ، حتى باتت أنسجة الصورة حبلى بالضى الشارع فى الميلاد ، وهو مادفع الفنان لتخليق ذلك الجسد الترابى العضوى الصاعد من أسفل كالوردة الآخذة فى التفتح ، حيث مجموعة من التقابلات البندولية بين كل وحدة والأخرى ، بداية من تلك التى تقترب من الأرض ؛ فظهرت بمسحات من الخليط الدموى النارى ، مروراً بمثيلتها التى جاورها نوار مع بعض التواليف الهندسية الزرقاء المنيرة ، حيث أوجدت معادلاً بصرياً وروحياً بين ثنايا التكوين ، حتى الوصول إلى تلك الكتلة العلوية ملتهبة الحافة ، والتى تكاد تسقط من أعلى المشهد ، بمايكمل دائرة التلقى الحاضنة للمسافة المكثفة بين الأرض والسماء داخل حيز تصويرى محكم .. وربما كان هذا تمهيداً لاستحضار عين المتلقى نحو تلك البؤرة الغارقة فى فيض من النور المذاب الذى بدا كاسياً لمجموعة من الأشكال الهندسية المائلة فى أغلبها للبناء الهرمى ، كإشارة واضحة لرسوخ التراث الحضارى فى تربة الوطن مهما استعرت النيران وسالت الدماء .. وفى ذات الوقت تجلى المشهد كمثل ميلاد روحى لجنين نورانى يطل برأسه من رحم الجحيم نحو براح الجنة المرجوة بثقة بالغة فى جائزة الجهاد بعد تجاوز كل ويلات القتال .. وقد تأكد هذا فى تلك السلخة النيرانية التى تعوق على استحياء طريق النور الصاعد لأعلى عبر يقين بشرى فى القانون الإلهى الصارم ، حيث بدا هذا جلياً فى تلك الأشعة المارقة يمين ويسار الصورة وكأنها بشير يهلل لبزوغ بعض ملامح العرس المنشود .
وبالفعل تتأكد بشرى الميلاد الروحى فى التكوين رقم 7 الذى تكتسى فيه الأرض بلون الدم الممتزج بالنار ، والذى يبدو هنا أكثر دكانة من التكوين السابق ، بما يوافق مرحلة متأخرة من تجلط الدم بعد انسكابه .. بيد أن نوار بذكاء تصميمى وتعبيرى لافت نجده يشيد مثلثاً فى بؤرة المشهد يبدو الجزء الأيسر منه شديد الإحمرار والوهج ، بينما الجزء الأيمن بالغ البياض المنير ، ربما ليثبت هنا انحسار النار إلى أدنى درجة عبر تضحيات نفيسة تتجسد فى سيلان الدم من العروق ورحيل الروح عن الجسد ، إضافة إلى تأكيده على بشرى الميلاد النورانى فى مواجهته الحتمية مع الإندلاع النيرانى الذى يستثمره الفنان ويقاومه فى نفس الوقت ، لذا فقد حرص على توليد ذراعين طويلين ينتهيان بكتلتين صغيرتين تتراوح هيئتهما بين الكفوف والمخالب ، حيث بدا أحدهما خارجاً من المثلث المشار إليه وقد اكتسى باللون الأبيض البهى ، متغلباً على بعض الشذرات الحمراء المحدودة ، ترسيخاً لمفهوم سيطرة النور على النار ، بينما ظهر الذراع الآخر بلون ترابى مألوف لدى نوار ، منتهياً بذات الكتلة الكفية المخلبية التى هجنها بذات الشذرات النارية وبعض الأشعة الضوئية الزرقاء الرافدة من بقعة مثيلة .. أما المدهش هنا فهو دفعه بتلك المساحة البنية الداكنة ككتلتين متجاورتين دالتين على وشوك انتهاء فعل الإحتراق كما عودنا فى تكوينات هذه المجموعة ، علاوة على إكمالهما لألوان العلم المصرى مع المثلثين المتعاشقين الأبيض والأحمر ، فى وصل فطن بين الربانى والوطنى .. لهذا قد نلمس مقصده فى احتوائهما للجزء المنير الذى خرج منه الذراعان تقريباً وكأنهما ترهصان لعبور المولود الروحى الجديد من نار الجسد إلى نور العرش .. وعند هذا المنعطف التصويرى يبدو حرص أحمد نوار على الترسيخ لمفهوم المخاض النورانى الذى يبدأ رحلته بصحبة ضفيرة مكونة من فعل جهادى إبداعى يتفق مع نشأته وتراثه البيئى والعقائدى ، وهو مايتجلى هنا فى الكتلة الترابية المنيرة المجسمة الساقطة من أعلى المشهد وكأن الأرض قد التحمت وتزاوجت مع السماء التى لاح وجودها فى البقعة الزرقاء الشفافة على يسار نفس الكتلة ، فى تهيئة من الفنان للحظات الميلاد النورانى البهيج الذى تبدو بشارته فى ذلك الشعاع المضىء المنبعث من الذراع الترابى ، حيث الإرتحال التدريجى صوب فضاء عرس الشهيد بعد رحلة الخلاص الروحى من المحبس الجسدى
ميلاد النور
وبناءً على استيعابنا لشخصية الفنان أحمد نوار الممنهجة المعتمدة على التواتر الفكرى أكثر من ارتكانها إلى الصدمات الإبداعية التى قد تفقد المبدع القدرة على التواصل الزمنى ، فإننا يمكن أن نلحظ ذلك التصاعد التعبيرى المرحلى على المستويين البصرى والروحى فى مجموعة الأعمال التصويرية التى يسميها الكاتب ” ميلاد النور ” ، حيث يبدو فيها الجنين النورانى فى طريقه للخلاص من رحم العتمة النسبية التى سيطرت على المجموعة الأولى ” أنين التراب ” ، وجوف الإشتعال النيرانى الملتهب الذى ساد المجموعة الثانية ” زفير النار ” ، فى إطار السير الحثيث نحو براح البهاء الذى يفترش البساط السماوى عبر التجهيز لعرس الشهيد الوافد .
ففى التكوين رقم 1 نرى نوار وهو يختزل المسافة بين السماء والأرض إلى الصفرعبر افتراشه الترابى الطينى المألوف ، مقسماً المسطح التصويرى المربع إلى مثلثين متساويين متباينين مونوكرومياً على المستوى اللونى من خلال القطر المائل الذى يصل الزاوية العلوية اليمنى بمثيلتها السفلية اليسرى ، قبل أن يربط الجزئين بكتل مكسية برداء البعد الثالث الإيهامى ، حيث ألقى فى المثلث الأول بكتلة بنية داكنة مربوطة بما يشبه ذيل طائرة .. وقد اكتست حافتيهما بسحجات محمرة كالجمر المتقد ، مقترنة بسلخات رفيعة من الضى الشارع فى الإنتشار مثل جنين يبادر بمغادرة الرحم ، خاصة أن هذا المقطع من التكوين يربض داخل المثلث الأكثر عتمة ، فى مقابل ترجمة حركية لهذا البناء بآخر فى المثلث المقابل ، حيث تتجسد فى كتلة صاروخية رمادية اللون .. متكورة الهيئة .. وقد بدت المؤخرة ملتحمة بشكل مروحى مولد لضوء متوهج إنسحب إلى داخل الصاروخ ، بما خلق رابطاً ظاهرياً وباطنياً بين الحركة والضوء ، علاوة على الهدير الروحى الداخلى البادى فى تلك التدرجات البرتقالية المنيرة تحت الكتلة الصاروخية التى يخرج منها لسان أصفر اللون معجون بنفس نفحات الضياء القادمة من بطن الكتلة ، والتى امتدت فى صورة لونية زرقاء مستطيلة مائلة شفافة ظهرت كجسر واصل بين الكتلتين الساكنتين فى حضن المثلثين الترابيين ، ليكتمل الإيقاع النورانى اللونى المتنوع الذى يجسد بجلاء تلك المعزوفة الروحية التى تلح على عقل ووجدان نوار قبل الإنعتاق من سطوة البدن .. وربما يفسر هذا المفهوم الوضع المتعاكس للكتلتين فى بؤرة الصورة ، حيث بدت الأولى متجهة بقوة نحو الأرض الممثلة فى المثلث الداكن نسبياً ، بينما ظهرت الثانية مارقة بنفس القوة نحو السماء ، بما يشى باستحضار الجاذبية الأرضية للمشهد ثانية ، من أجل مزيد من الإستنفار النفسى للسير على طريق سبر عمق المجهول ، فى إطار البحث الدؤوب عن مستقر للروح عند أرقى منازلها الكونية بعد جهاد حتمى يؤدى إلى فوز الشهيد بعرس منتظر .
وعند نقطة أخرى أكثر تقدماً فى لحظات الميلاد النورانى نجد أحمد نوار فى التكوين رقم 2 يشق المساحة الترابية الطينية بشعاع أزرق منير من نسيجها ، قادماً من الزاوية السفلي اليسرى للمشهد وكأنه انشطار روحى ينطلق من باطن الأرض بميل محسوب نحو جوف السماء ، ولايقطعه إلا تلك الكتلة المركبة الماثلة فى نواة المشهد ، بداية من المساحة البنية الداكنة فى يسار التكوين ، مروراً بهذا البناء المعمارى الصاعد إلى أعلى ، مرتدياً الزى الترابى متدرج الضى ، حتى يخيل للرائى أن قطعة من الأرض انفصلت لتمارس عروجها نحو حضن العرش ، وهو مايتجلى فى ميل التقاسيم الأرضية للون الرمادى وكأن التراب قد احترق بعد ذلك الإنفصال وزوال الجاذبية الأرضية ، فى إطار مروق الروح نحو البراح الربانى الفسيح بعد انعتاقها من الحبس الجسدى .. وربما يترسخ هذا المفهوم الفكرى داخل المخيلة البصرية والروحية بذلك المقطع الشبيه بالدرج ، والكائن فى بطن الكتلة المعمارية متمايزة التضاريس الشكلية ، تأكيداً لآلية الصعود نحو ينابيع التفجر البهائى .. لذا كان من البديهى أن ينجح الفنان هنا فى السيطرة على حركة العين والروح المتلقية معاً ، بداية من الشعاع الأزرق المنير ، وحتى الوصول إلى قمة الكتلة الترابية الصاعدة ، ليعود مع عجلات التلقى نحو تلك البحيرة الحبلى بالنور شديد الوهج الذى تمتزج فيه الصفرة بالبياض البهى ، حيث استتر جزء منها خلف المساحة البنية الداكنة ، ليؤكد الفنان تسربل النور من بطن المشهد حتى يسرح إلى سطحه ببطىء صوب بقية الكتلة الترابية الأرضية ، وهو مايكشف عن رغبة نوار فى دمج المادى بالروحى ، والأرضى بالسماوى ، فى سياق شغفه المتزايد لإدراك بعض ملامح المطلق التى لاتدركها الأبصار المحدودة .. ولمزيد من التكريس للتضاد الذى تستكنه به المحسوسات نجد نوار يفرج عن بعض ألسنة اللهب الأحمر من بين ثنايا الإنسكاب النورانى الذى يكتسح أى اندلاع نيرانى ، بما يضمن له الإنتصار لرسالته التعبيرية التى تتجذر فى تلك الأشعة الرفيعة المنيرة المندفعة فى اتجاهات متعاكسة مختلفة المصدر من الكتلة الترابية إلى السماء والعكس .. ومن البحيرة النورانية نحو الأرض الرمادية ، بما يؤدى للقدر الأعلى من الإستنفار الروحى الذى يتجاوز العافية البدنية أملاً فى عرس إلهى وشيك .
أما فى التكوين رقم 3 من هذه المجموعة فنرى نوار وقد تخطى إختزال المسافة بين الأرض والسماء إلى درجة التوحد بينهما ، حيث تتعاشق المساحات الرمادية والبنية الداكنة لتكون شبكاً متيناً من مثلثات متداخلة تجسد القوة الروحية والبصرية للبناء الهرمى المرتبط بقاعدته المربعة المماثلة لكل المساحات التصويرية فى هذه التجربة ، وهو الإيماء النورانى الذى أكده بذلك المثلث المنقوص الشفاف داخل المساحة الرمادية السفلية .. وأعتقد أن هذه الآلية الفكرية هى التى اعتمد عليها الفنان فى تأسيس جوهر تكوينه الماثل فى بؤرة المشهد ، حيث يبدو منحدراً من أحشائه كجنين لحظة الولادة ، إنطلاقاً من أعماق المنطقة البنية الداكنة التى تمور فيها تلك التواليف الترابية المونوكرومية المهجنة بمسحات من الطوبى المحمر والأزرق والأصفر المنيرين ، فيما يشبه مخاضاً حيوياً بهياً يمهد لمولود كونى وافد من رحم المجهول ، الأمر الذى يتحقق بالفعل عبر تلك المادة النورانية المحفوفة ببعض الشذرات النيرانية ، حيث تجمع فى هيئتها بين اللزوجة والسيولة من خلال ثنايا تضاريس ظلية لاتقلل من بهائها الفياض المتجه لأسفل بقوة الجاذبية الأرضية التى يعادلها فى المشهد عنفوان الجذب العكسى السماوى .. أما المدهش هنا فهو ذكاء نوار فى دمج العلم المصرى على هيئة لسان من اللهب مع طرف تلك الكتلة المنيرة ، بما يعد مقابلة غير مباشرة بين النور والنار تمهيداً لنزال رافد للصورة الإستشرافية عند فنان ملهوف على كشف المستور .. وربما تتأكد تلك اللهفة فى الآلية الحركية داخل التكوين داخلياً وخارجياً ، متمثلة فى ذلك اللقاء بين هذا التدفق النورانى اللافت الذى يميط اللثام عن فوران روحى باطن ، وتلك العجلات الدوارة المحاطة بخيوط تصلها ببعضها آلياً ، لتشيد حراكاً بصرياً ظاهراً .. وقد تكون تلك الأشعة المتشظية من المنطقة البنية الداكنة هى نتاج ذلك الإحتكاك الديناميكى بين العقلى والروحى .. بين الحسى والحدسى .. بين الشهادى والغيبى ، على صراط دقيق يسعى الفنان عبر السير عليه إلى إدراك أبيار النور المحتشدة بنفحات المطلق اللانهائى المستوى على عرشه مطلاً على عرس الشهيد الوافد .
وفى التكوين رقم 4 يبدو السيل النورانى عند نقطة متقدمة على منحنى الميلاد من الرحم المشترك بين جسدى الأرض والسماء ، حيث يبدو الإلتحام واضحاً بين الإثنتين حتى درجة الإنصهار ، وذلك من خلال المثلث الترابى الأيمن من مربع نوار التصويرى الذى يتعاشق مع المثلث الأيسر عبر تراكيب هندسية مونوكرومية مشبعة ببعض الضى الدفين الذى يتسرب إلى تلك الكتلة الترابية العلوية المتكورة من التكوين ، والتى بدت طائرة بعد انفصالها عن الجسد الأرضى عقب تخلصها من الجاذبية الأرضية ، مثلما حدث فى التكوين الثانى من هذه المجموعة .. وقد بدت تلك الكتلة المضيئة فى حالة وسطية بين المروق إلى أعلى والعودة إلى أسفل بنفس السرعة المضادة ، بما أوحى للرائى بوضع ثبات نسبى تم تحريكه عبر تلك النافذة الجانبية لها ، حيث ظهرت مفتوحة على فيض نورانى مجسم يتقاطع فيه الجزء الرأسى مع مثيله الأفقى بما يبنى زاوية قائمة داخل التكوين العام فى نواة المشهد .. ولمزيد من الإبراز لبؤرة الوهج النورانى داخل هذه التركيبة المغرقة فى البهاء ، نجد نوار يهجنها بسلخات نيرانية حمراء ملتهبة مندفعة من بطن محورى النور المتعامدين ، فى مقابل سحجة نار موءودة بين نسيج المساحة البنية الداكنة القادمة من أعلى وكأنها على وشك الإشتعال .. وفى معادل حسى وحدسى نرى الفنان وهو يغرس مثلثاً ومستطيلاً وندعة مماثلة فى جيب الكتلة الترابية ، وذلك باللون الأزرق الشفاف كوسيط لونى وروحى بين النور والنار ، بما يسمح بتواصل الرغبة فى السير قدماً على صراط الشغف بالمجهول المستتر ، حتى يصل إلى أعلى نقطة على منحنى الإدراك الروحى عبر تلك الباقة الهرمية الرابضة عند نواة الكتلتين المنيرتين ، حيث بدت كصحبة ورد نابتة فى أرض من النور المذاب فى شلال من الطاقة الروحية التى تجلى نتاجها عبر تلك الأشعة الصاعدة من بدن النور ، والهابطة بشكل معاكس من جوف الأرض البنية المظلمة ، لتبقى العين فى حالة من الدوران المستمر داخل أروقة المشهد ، قبل أن تستقر مجدداً فى حضن الصحبة الهرمية العائمة فى بحيرة النور المتوهجة ، وكأن نوار يبشر بالعرس الذى ينتظر الشهيد .
وفى حراك عكسى للآلية الكونية نجد أحمد نوار فى التكوين رقم 5 يخالف قانون الجاذبية الأرضية تصويرياً ، حيث تبدو مساحته الترابية المألوفة قد تبادلت المواضع مع السماء فى المثلث العلوى من الصورة ، متخذة شكل مقدمة الطائرة المارقة المحتشدة بتضاريس شكلية متنوعة على سطحها من معدات عسكرية تشبه سمت الصواريخ والمواسير ، حاملة نفس النسيج اللونى للكتلة الترابية التى صارت حبلى بمساحات غائرة مقابلة لحجوم المعدات ، فى ترميز لقوة الطاقة القتالية الفاعلة على الأرض ، وهى التى يعادلها الفنان بصرياً وروحياً بتلك العجلات الدائرة المتتابعة الهابطة إلى أسفل بفعل رباطها مع حبال مدلاه من بطن الكتلة الترابية المشبعة كذلك ببعض الضى الدفين البادى على استحياء بين حواف المعدات المقاتلة .. ومن خلال تضافر القوتين المادية والروحية فى المشهد نلمس هنا النتيجة التى يسعى وراءها نوار ، حيث انفصال ذلك الكائن الغارق فى فيض من النور عن الكتلة الترابية بقوة إلى أسفل صوب المساحة السماوية الزرقاء الزهرية ، وكأنه مخاض نورانى عند لحظات الفجر الوافد .. والمدهش هنا أن نوار قد أحاط ذلك الوليد المنير بظلال جانبية هفهافة ، وأخرى جسدت بعض الثنايا على لحمه ، فبدا مؤنسناً من لحم ودم وروح شارعة فى مساعدته على الخلاص من رحم الأرض الجاذبة له فى الإتجاه المعاكس .. أما الرأس فقد ظهرت سوداء داكنة كمركز ثقل طائر يدفع الكتلة النورانية نحو الدهاليز السماوية العكسية .. وفى بؤرة الرسالة الوطنية شديدة الوجد يبدو الفنان فى حالة من توازن طاقة الدفع بين الجسد والروح عبر ذلك المثلث الأزرق المضىء الذى تنتهى قمته بما يشبه ورقتى شجرة باللونين الأحمر والأبيض ، مقترباً بهما من سمت العلم المصرى .. وقد بدا هذا التكوين الثلاثى الصغير الذى توج رأس الجنين البهى كمثل وردة نابتة فى شجرة روح إنسانية غنية بثمارها النورانية ، حيث استطاع نوار فى هذا العمل التأكيد على تجاوزه للزمان والمكان الفيزيقيين المألوفين نحو فضاء ربانى مغاير يحتشد فيه على المستوى الإبداعى الإيحائى من أجل التأهب لعرس روحى داخل أحد قناديل العرش .
وربما يكون ذلك الميلاد الروحى قد تحقق بالفعل فى التكوين رقم 6 ، حيث تلوح التقاسيم الهندسية الأرضية الترابية المونوكرومية ثانية وبها مسحات من الضياء تتركز فى ذلك المثلث الأزرق المنير الكائن فى الجزء السفلى الأيمن من المشهد ، وكأن الأرض قد انتهت لتوها من مخاض نورانى قبل أن يترك أثره على بدنها ، وهو مايتجسد فى تلك الكتلة المركبة الطائرة التى تبدو كجنين ترك رحمه منذ لحظات ، حيث تجمع الضياء فى الجزء الأمامى الذى يشبه وليداً يقابل الحياه فى لحظاته الأولى ، بينما نرى نوار يربط نفس الكتلة من المنتصف بلفافة بنية داكنة بلون طين الأرض ، وهو ماقسمها برفق إلى جزئين .. وقد خرج من خلفية اللفافة لسان من النار إمتد لعدة لفافات أخرى مكسية باللون الترابى ، وتخاصرها الأربطة الرقيقة ، إذ بدت الكتلة المركبة ممتدة بشكل إيهامى نحو بطن المشهد ورافدة منه فى آن واحد .. آنئذ ظهرت التقاسيم الأرضية كبدن أنثوى فى حالة من المخاض الروحى الذى يشكل ذلك الميلاد النورانى المتواتر من الأرض إلى السماء والعكس ، سيما أن المسطح التصويرى المربع الذى يستخدمه نوار يؤكد هذه الفلسفة الكونية الإلهية كما أشرنا لها سلفاً ، حيث نلحظ هنا أن التكوين المنير جزئياً يرسخ فى مركز المشهد تماماً وكأنه النواه التى تلقى من جوفها ببللورات ربانية منفوحة صوب مدارات وجودية متمايزة ، لتؤثر على سرعة حركة الأجنة النورانية المتتابعة .. وعند هذا المنعطف التصويرى فى فهم الصورة نلاحظ أن الطاقة الروحية المتصاعدة تؤدى بالضرورة إلى حالة من الثبات الحركى الذى يشعر به المتلقى عندما يشتبك بصرياً وروحياً مع تلك الكتلة الحبلى بالنور ، وهو مايجعله يرتكز فى رؤيته عليها عند دورانه فى أرجاء المشهد أفقياً ، بما يجذبه تلقائياً إلى الغوص فى أعماقه رأسياً .. وربما كان ذلك التعامد فى آلية التلقى هو مايولد هذا الإيقاع النظامى الذى يظهر كأخدود شقه أحمد نوار داخل المساحة الواصلة بين الأرض والسماء عبر توق لافت لإدراك باحة عرس الشهيد .
ومع تلك اللهفة الكشفية نلاحظ نزوع أحمد نوار إلى حالة من التركيز البصرى التى قد تتبع التكثيف الروحى كما يبدو فى التكوين رقم 7 ، حيث تلك الكتلة المركبة التى تفترش المساحة الأعظم من السطح التصويرى ، قبل أن تخفى تحتها التقاسيم الأرضية الترابية المألوفة فى أعمال الفنان ، حتى أنها بدت كلحاف حاضن لها .. وقد تصدّر تلك التوليفة المجسمة معدة طائرة تشبه الصاروخ ، إذ اكتست قمته بفيض من النور الذى امتد تدريجياً إلى مؤخرته ، قبل أن يقطع بظلال ترابية مترامية على جانبيه عبر بقية الأجزاء الملحقة به من تراكيب تقترب من سمت الجناحين المتراوحين فى ملمسهما بين المعدن والقماش ، وذلك فى مقاربة غير مباشرة بين جسد الصاروخ وبدن الإنسان ، وهو مايختزل هذا الفكر الروحى فى لحظة تصويرية مدهشة .. وقد أكمل نوار ذلك الإمتداد فى جوف المشهد برداء ترابى كاد أن يستتر خلف التركيبة المعدنية النسيجية ، محتشداً بملامح طاقة متصاعدة بدت فى بقعة ملتهبة بجوار رأس الصاروخ ، ومثلها فى بقعتين متمايزتين بالقرب من مؤخرته ، مبرزاً إياها جميعاً بذلك اللون الأزرق الفيروزى الحالم كمعادل بصرى وروحى تمثل فى تكوينين طوليين مختلفى الحجم على جانبى الصاروخ ، ومثلهما عرضى عند قاعدته ، بما خلق تردداً وئيداً من نفس النسيج اللونى فى عمق الصورة .. وهنا قد نلمس توازناً بين الكتل الجزئية والكتلة الكلية الأم عبر ذلك التواؤم والإنسجام المحسوب لونياً وبنائياً ، الأمر الذى يؤدى بالضرورة إلى شعور بالثبات النسبى المتزايد ، رغم الطاقة الروحية الهائلة المستترة بين ثنايا أركان المشهد الرابض بين السماء والأرض ، والتى تتأكد فى صورتيها النورانية والنيرانية ومابينهما من دلائل ترسخ لوجود قوى الدفع الباطنة التى ربما نلمحها فى تلك البقعة البنية الداكنة النائمة أسفل التكوين ، حيث تبدو كحفرة كاشفة عن عمق أرضى إنطلق منه الصاروخ المنير صوب الفضاء الكونى الرحيب ، بما يختزل المسافة بين المادى والروحى إلى أدنى درجة تصويرية يميط نوار من خلالها اللثام عن رغبته الجامحة فى المروق السريع نحو الوصول إلى موضع العرس الربانى المنشود .
وربما فى خضم سير نوار نحو المقصد النورانى البهيج نرى الثمرة اليانعة لتزاوج الطاقتين الروحية والبصرية من خلال التكوين رقم 8 الذى تبدو فيه ثلاثة كائنات طائرة تعبر المسطح التصويرى المربع من زاويته السفلى اليسرى نحو مثيلتها العليا اليمنى ، حيث ظهرت تلك الأجسام المارقة إلى أعلى فى هيئة تتراوح بين سمت الطيور والبشر والطائرات ، عبر تحوير الفنان للتكوينات الثلاثة بين مؤخرات غارقة فى مساحة على شكل مثلث مائل بلون بني طيني داكن إعتاد نوار على توظيفه داخل بناءاته التصويرية فى هذه التجربة .. وقد بدت الأجزاء الثلاثة المعتمة نسبياً كمثل تعاشيق ترابية منيرة غلب عليها الملمح الهندسى ، حيث اقترنت اثنتان منها بالعجل الدوّار المحفوف بالحبال الرفيعة المتقاطعة كما ظهر فى التكوينين السابقين 3 و 5 ، وهى الدالة الظاهرة على الطاقة البصرية الخارجية التى قد تتأكد بتلك الجمرة الحمراء البادية فى لحم الكائن الماثل أقصى يمين الصورة ، بمايترجم فى نطاق الرؤية سريعاً عبر فضاء المثلث الآخر فى المشهد الذى تتجلى فيه الأجزاء العلوية من الأجساد المحورة ، مكتسية بسيل من النور البهى المحتفى بتضاريس شكلية وليدة الظلال المقابلة ، الأمر الذى يكشف عن الدالة الباطنة للطاقة الروحية الداخلية ، قبل أن تصعد العين لأعلى كى تشتبك مع أعالى الكائنات الثلاثة التى بدت فى سمت وسطى بين رؤوس الطائرات وأدمغة الطيور .. بين السنون المادية والمناقير العضوية ، وذلك فى أوضاع حركية متنوعة أمدت التكوين بمزيد من الفعل الديناميكى المزيج بين البدنى والروحى .. بين المعتم والنورانى ، على صراط يحمل العين والنفس إلى عمق الصورة داخل المثلث العلوى ، حيث المساحة المتممة للأرض من البنى الطينى الداكن والرمادى الترابى المضىء ، لتكتمل دائرة التلقى فى سرعة مضطردة يسيطر عليها الفنان من خلال طاقة للإشعال قد تترسخ عبر الجذوة الحمراء الملتهبة فى حضن الجسد الأيمن المنير ، والتى تشكل هرماً ثلاثى الأبعاد مع مساحة بنية مشابهة .. وعلى مشارف المخاض التصويرى الإيهامى قد نلمس الطاقة الدافعة عند حدودها القصوى داخلياً وخارجياً ، فتبدو الأجسام البينية وكأنها نتاج لميلاد روحى بهيج فى بطن قناديل مربوطة بالعرش الذى يستعد لعرس الشهيد المنتظر .
وعند أعلى نقطة على منحنى التدفق النورانى السريع نجد أحمد نوار فى التكوين رقم 9 يحول الطائرات والصواريخ والمواسير والتروس المعدنية الصلبة بذكاء لافت إلى كتل منيرة متعاشقة تتجه صوب نقطة الإنصهار والذوبان الروحى ، حيث البقعة السحرية الفارقة للسيلان النورانى الفياض فى أرض العرس الوشيك .. وقد بدت الفواصل بين القطع المعدنية البهية مكسية باللون الترابى المألوف لدى الفنان ، حيث ظهر هنا مونوكرومياً معجوناً بسربلات ضوئية ميزت فيه بين البارق والمعتم ، ليظل الفارق جلياً بين تلك التباينات الترابية والكتل النورانية ، بما يرسخ للرسالة التعبيرية عند نوار فى الفصل بين المادى والروحى داخل مساحة حدسية تتجاوز الحيز الحسى الضيق المحكوم بالآلية الزمنية الفيزيقية .. لهذا نلاحظ أنه يميل إلى السيطرة على حركة عين المتلقى من هذه البحيرة المنيرة فى بؤرة المشهد نحو مداراته المحيطة التى تجسدت فى تقاسيمه الترابية الأرضية المعهودة ، حيث تجلت يميناً ويساراً من نفس نسيج الفواصل بين المعدات المنيرة ، قبل أن تقابل بمساحة نيرانية قادمة من عل كالشهب ، وتحد على جانب آخر من حوافها بسلخات مماثلة أكسبتها بعداً ثالثاً تجسيمياً يشرع فى الإشتعال ، وهو مايتأكد فى بعض الشذرات الملتهبة كالجمر العالق ببعض بقايا المركبات المتناثرة على أطرافها .. بيد أن مركز الثقل المتمثل فى النواة النورانية للتكوين كان أكثر تأثيراً وجذباً لعقل ووجدان الرائى الذى بدا غير قادر على الفكاك من أسر تلك الدائرة البهية ، حيث تبدو فى حالة من الطيران المتزن نتيجة فعل الشد المتعاكس عبر قوتين تتنازعانها من الجاذبية الأرضية المادية التى بدت فى الكتلة الترابية المجسمة المحفوفة بالنار ، والجاذبية السماوية الروحية المتمثلة فى التدفقات النورانية الساقطة على المركبات المعدنية الطائرة ، والتى تطلق أشعة متضادة أغلبها نحو المساحة السماوية الزرقاء الشفافة الموحية بآلية التحليق البصرى والروحى ، حيث تشى بطاقة كامنة ترغب فى الخلاص بعدما أعلن الفنان عن انتصار النور على النار بتلك المساحة السوداء الرابضة تحت المعدات المضيئة ، فى إشارة لانتهاء الإشتعال النيرانى بفعل الفيض النورانى الذى يفصح من خلاله أحمد نوار عن التجهيز لمراسم عرس الشهيد .
أما التكوين رقم 10 فقد كشف عن التواشج الواضح عند أحمد نوار بين الدنيوى والدينى .. بين المادى والروحى .. بين الوطنى والربانى ، وذلك من خلال هذا البناء التصويرى المعتمد على التزاوج بين زاوية عين الطائر الرأسية والرؤية الأرضية الأفقية ، حيث يشطر المسطح عرضياً إلى مساحتين غير متساويتين ، العلوية منها أكبر من السفلية ، وقد اكتسيتا باللون الترابى المخضر بتفاوت فى الدكانة تنازلياً من أسفل إلى أعلى ، حتى أن الحد الفاصل بينهما ظهر كخط الأفق .. ثم يرتحل الفنان برشاقة بصرية وروحية لامتطاء المشهد من عل عبر الدفع إلى بؤرته بذلك المربع الذى جمع فيه إيهامياً بين البعدين الثانى والثالث ، مجزئاً إياه إلى أربعة مثلثات ، العلوى والسفلى منها متصلان طرفياً بالمساحتين الترابيتين المونوكروميتين ، قبل أن ينطلق منهما إلى الداخل حتى لونى العلم المصرى الأحمر والأسود على التوالى لتأكيد البعد الإنتمائى الوطنى الحسى .. ثم ينتقل يمين ويسار المربع بكساء أبيض نورانى متدرج الشفافية تنازلياً من الخارج إلى الداخل حتى يصل به إلى أقصى درجات العتمة عندما يبنى به الشكل الهرمى مع لونى العلم الأحمر والأسود ، مروراً بالمربع الأوسط المتأرجح بين التسطيح والتجسيم ، ونهاية بحواف المربع الأكبر المكسى بسيل من الشفافية المحرضة للعين على المروق إلى ماوراء المرئى الظاهر ، حيث الطاقة المستترة البادية فى تلك الأشكال العضوية المتحركة فى المسافة الكائنة بين المساحتين المونوكروميتين والأفق ، وذلك الرداء الهرمى متباين الشفافية ، وهو مايبدو ظاهرياً فى الحركة اللافتة للعجلات المكسية على تنوعها بلون العلم من الأحمر والأسود والأبيض ، والتى بدت محفوفة بالحبال المساعدة لها على الدوران السريع ، الأمر الذى يجعل عين وروح المتلقى فى حالة تجوال مستمر بين كل أركان المشهد .. وربما كان هذا العمل هو الأكثر كشفاً عن حالة التوتر البصرى والروحى عند الفنان من خلال تلك العلاقة الجدلية الباديه لديه بين الأرض والسماء .. بين العتمة والنور .. بين الجهاد الوطنى والخلاص الروحى ، والتى تمر على صراط نفسى دقيق داخل ذات أحمد نوار الحاضنة للعلم والهرم والنور فى عرس الشهيد المحتمل .
البرد والسلام
ومن خلال تتبعنا لرحلة الفنان والمقاتل أحمد نوار مع جدلية النفس والجسد فى إطار جهادى إبداعى ، ربما نكتشف أنه من المنطقى التوقف معه عند استقرار الروح المناضلة ورسوخها فى موطئها الجديد خارج محبسها البدنى ، حيث فوزها بالمكانة المرموقة المرجوة التى وعد بها خالقها سلفاً ، وهى الرحلة التى بدأت لدى الفنان محفوفة بتراثه الجامع بين البيئى القريب والتاريخى البعيد ، بداية من إرهاصات غاضبه فى مجموعة تصاويره ” أنين التراب ” ، مروراً بحمأته المستعرة فى مثيلتها ” زفير النار ” ، وصولاً إلى نجاحه فى إحداث المخاض الروحى الإيحائى عبر مجموعته ” ميلاد النور ” التى أدرك فيها معالم الطريق نحو عرس الشهيد بعد صراع حسى حدسى حسمه النور فى مواجهة النار ، الأمر الذى يستحضر القدر الأعظم من السكينة الروحية الفاعلة فى سلوك نوار والمتلقى معاً .. وربما يتجلى هذا فى مجموعته التصويرية التى يسميها الكاتب ” البرد والسلام ” ، حيث المزج الربانى بين النسيم والأمان .. بين البرد والسلام ، الأمر الذى يدفعه للتحول الإبداعى البديهى نحو تلك البقعة العقائدية الموحية .
ففى التكوين رقم 1 نرى نوار قد قسم الأرضية الترابية إلى نصفين بخط هندسى مائل فصل به بين الجزء الأيمن الذى تزاوج فيه لونا التراب والرماد لينجبا لوناً وليداً يشبه دخان الإحتراق بعد انقضائه ، والجزء الأيسر الذى تشبع بالزرقة السماوية الشفافة ، حيث بدا ذلك التباين دالاً على المساحة الزمنية البرزخية الواقعة بين حلول الفجر وبزوغ الصباح ، فى إشارة لتغير فيزيقى مرئى قد يرافقه إبداعياً تحول ميتافيزيقى لامرئى نحو أبيار البرد والسلام .. وقد بدت تلك المساحة الزرقاوية فى حالة زحف منتظم صوب جارتها الترابية داخل غلاف ضبابى يسرب شعوراً لدى الرائى بندى الصبح الرطب الذى يوحى هنا بعملية الإنبلاج المرحلى المتواتر بعد الخمود النيرانى المتبوع بالميلاد النورانى .. لذا قد يبدو منطقياً على المستويين البصرى والروحى أن نجد تلك الكتلة الترابية المجسمة ساقطة من علِ ، منتهية بكساء نسبى من الضى وكأنها قطعة من الأرض إنفصلت وصعدت إلى السماء ؛ فعادت مصحوبة بنفحات من الضياء الساكن وراء الحجب ، فى حين بدت كتلة أخرى خلفها من نفس نسيجها وتكبرها حجماً وتسير فى نفس الإتجاه مدثرة فى أكثر من ثلثيها السفليين المنشطرين بعباءة من الجمر الملتهب المنير الذى اكتسى بالغلالة الضبابية السائدة فى المشهد ؛ فظهر مستسلماً للإنطفاء الحتمى عبر فيض من البهاء الإلهى الذى تجلى إيهامياً عند أحمد نوار فى تلك الكتلة النورانية البللورية المروحية المحلقة بين الكتلتين الترابية والنارية كقنديل مربوط بالعرش أضحى مبتهجاً بروح الشهيد .. وقد تدرج النور على بدن الكتلة من الخفوت النسبى على مؤخرتها ثلاثية التركيب ، حتى الوهج عند مقدمتها ثنائية الرأس ، بما يعد إشارة واضحة على السيادة الروحية المقترنة بالإستقرار داخل بؤرة المشهد الذى بات فى حالة اختزال زمنى للمسافة بين الأرض والسماء ، حتى أنه خرج من حيز الوعى العقلى المحدود إلى براح الإدراك الروحى الرحب الذى انجلت تباشيره فى ذلك الشعاع الأزرق المنير المنبعث من الكتلة النيرانية الآخذة فى الإنطفاء ، والآخر المارق من النتوء الترابى الكامن أسفلها ، بما يعلن إماطة اللثام عن عرس الشهيد .
وربما يتحقق المزيد من انجلاء ذلك الكشف فى التكوين رقم 2 الذى تظهر فيه كتلة مستطيلة مجسمة مدلاة من قمة المشهد إكتست باللون الترابى عبر تدرجاته المونوكرومية ، بداية من الدكانة أسفلها ، ونهاية بذلك الغلاف من الضى أعلاها ، مروراً بالنور البهى المائل الذى يغمر جزءها الأوسط إلى أن غادره بتدفق موجى فياض من جانبها الأيسر ، حتى أن الكتلة كلها بدت كأحد القناديل المعلقة بالعرش الذى يسكنه الشهداء ، سيما وأن نوار أحاطها من كافة جوانبها بلون أزرق سماوى شفاف منير أوحى بتحليقها عند مسافات بعيدة عن الأرض .. ورغم هذا نجده يسقط من الكتلة الترابية الرئيسية كتلتين فرعيتين من نفس النسيج ، إحداهما هوت من اليمين فى هيئة عضوية تميزها تعاريج تتأرجح فى سمتها بين التراب الناعم والقماش ، منقسمة إلى نصفين عرضيين متدرجين بين المعتم والمضىء ، حتى انتهت تلك الكتلة الفرعية باصفرار منير بدا مستمداً من نور الكتلة الأصلية .. أما على اليسار فقد ظهرت كتلة فرعية موجية معتمة أخرى فصلتها عن الكتلة الكبرى سلخة من الجمر المتوهج الذى سربل ضوءه إلى أسفل على استحياء ، وهو ماصدر للمتلقى شعوراً بالمقابلة بين تدفقات النور وأطلال النار ، فى إعلان عن فوز روحى حاسم تأكد فى تلك الكتلة الهندسية النيرانية الصاعدة من قاعدة الكتلة الترابية الأساسية فى التكوين زاحفة نحو أعلاها ، بيد أن كتلة نورانية هرمية مذيلة من أعلى إعتلت قمتها وكأنها توقف تقدمها ، خاصة أنها قطعت صلتها بمساحة ضئيلة أخرى منقسمة بين الأحمر الملتهب والأصفر المنير ، حيث بدت منفصلة عن كتلتها المشتعلة الأم التى تعلقت بها كذلك من أسفل نصف كرة فيروزية منيرة عند حافتها كمعادل بصرى وروحى لكل نسيج المشهد الذى سرب حساً إيهامياً باستحضار أحمد نوار لتراثه العقائدى الكاشف فى فكره النبوى عن أجواف الطير الخضر الآوية للقناديل المعلقة بالعرش ، وذلك فى صهر تصويرى لتشعبات تركته الثقافية المتنوعة بين الدينى والتاريخى والجغرافى ، إنطلاقاً من تربة بيئية راسخة فى وجدانه الفردى والجمعى معاً ، والتى دفعته هنا للثبات الحركى المقترن ببهجة الوصول والمشاركة الفاعلة فى طقوس عرس الشهيد .
وعند النقطة الحدية لإدراك الهدف تتجلى بهجة أحمد نوار فى الإحتفاء بروح الشهيد عبر التكوين رقم 3 الذى وصل فيه إلى حالة من الإختزال اللافت للمسافة بين السماء والأرض ، دامجاً إياهما فى حيز رباعى يتسم بالتماثل الكامل الذى اقترب به من قاعدتى الهرم والكعبة كمنصتين روحيتين تطلقان طاقتهما نحو مشارف الحجب ، حيث تمثل هذا فى جمعه داخل العمل بين مربعين متقابلين بلون السماء الزرقاء المشبعة بالضى ، ومثيليهما باللون الترابى المألوف ، حتى أن المتلقى أصبح يشعر بتوحد النسيجين فى كيان واحد .. وقد ولد من كل مربع زاوية ترابية طينية مونوكرومية مجسمة تسير فى نفس اتجاه الأخرى بسرعة محسوبة أعطت شعوراً بإيقاع نظامى يدمج من خلاله الفنان بوعى إبداعى بين الموسيقتين البصرية والسمعية ، فى تجسيد لظاهرة ” التراسل ” بين هاتين الحاستين اللتين تبدوان كوتدين عتيدين لخيمة المعرفة البشرية ، وهو ماتأكد فى ذلك الشكل الهرمى المجسم الذى ظهر مفصحاً عن العلاقة بين الرؤية الأرضية ومثيلتها بعين الطائر لدى نوار ، من خلال مواجهة بين الطينى الداكن والنارى الملتهب عند سفح الهرم ، قبل أن يحقن ذلك التكوين الجزئى فى المشهد العام بضياء منسكب من قمة الهرم إلى سفحه ، ليظهر ذلك البناء كمحور ارتكاز متين للشكل المروحى الذى أوحى بحالة من الدوران الكونى السرمدى القائم على قانون إلهى لايشوبه أدنى خلل .. وقد حرّض هذا نوار على نسج تكوينات بللورية نورانية فى كنف الأذرع المروحية ، عبر احتشاد بتضاريس متباينة تتخللها الظلال التى شكلت مايشبه الجبال والهضاب والسلالم المروية بسيل من الضياء بات يكتسح فى طريقه نفس التعاريج المتحولة تدريجياً إلى جغرافيا من النور الفياض الذى صار مسيطراً على الإشتعال النيرانى المحدود ، وهو مابدا جلياً فى تلك الأشعة البارقة المتوافقة ظاهرياً وباطنياً مع الحركة المروحية مضطردة السرعة ، حيث رسخت للإحساس بالنغمات السماوية إحتفالاً بحلول الشهيد فى مستقره الأوسط المستحق داخل رحاب قناديل العرش ، قبل سكنه الأبدى الأخروى فى جنة الخلد .. وهنا استطاع أحمد نوار ببراعة أن يشيد أركان ذلك الحدث المهيب على جسر تصويرى واصل بين الحقيقة والمجاز .. بين الواقع والخيال .. بين الشهادى والغيبى ، فى حضرة سلاف غنائى موسيقى شارع فى التشكل من التهاليل والأهازيج وعزف الأوتار ونقر الدفوف ، مجسداً تلك الفرحة الإبداعية الروحية الطاغية التى تكشف عن الجائزة الكبرى للشهيد عبرعرسه الإلهى السابح فى بحر من النور .
موسيقى عرس الشهيد
وربما كان منطقياً بعد وصول روح الشهيد إلى مستقرها البرزخى الجليل فى معتقد أحمد نوار أن نراه يشيد لها موطئاً إحتفالياً لعرس طال انتظاره بعد رحلة شاقة تبدأ فى تصاويره من الأنين فى بطن التراب ، مروراً بالزفير من جوف النار والميلاد مع تباشير النور ، وصولاً إلى رسوها على فراش البرد والسلام الإلهيين ، وهو مايمهد لحالة من الفرحة الفياضة والبهجة المتدفقة عبر مظاهر موسيقية روحية تجمع داخل المساحة الواقعة بين ظاهرها وباطنها آليات الرنين والصليل والدق والقرع والخرير والنقيق والحفيف والصفير والزقزقة والهديل ، وغيرها من النغمات النابعة من أبيار إبداعات الخالق من بشر وحيوان وطير وأنهار وأشجار ، والتى تتسربل بين ثنايا تلك المعزوفة المنيرة لعرس الشهيد .
ففى التكوين رقم 1 نجد نوار قد بدأ يستحضر مراحل مشواره مع الروح ثانية من خلال الجزء السفلى من المشهد المكسى باللون الترابى الأرضى ، مقابل سيادة الأحمر الملتهب فى الجزء العلوى وكأن الطين عند قمة الإشتعال .. وبين المساحتين تربض مساحة ثالثة سوداء داكنة كعلامة دالة على انتهاء عملية الإحتراق .. وقد بدت المقاطع اللونية الثلاثة بمثابة خلفية عميقة للتكوين قبل أن يدفع الفنان بين حدودها بشرائح من النوتة الموسيقية الموشحة بحزم من الخطوط العرضية الحبلى بالحروف والمفاتيح النغمية المتنوعة .. وقد تسلل نوار للنوتة بمقاطع من المساحتين العلوية والسفلية بين حمراء وبرتقالية ، علاوة على مثيلتها الزرقاء ، حيث بدت جميعها خارجة كأصابع البيانو من تلك النوافذ الزرقاء المسقوفة والمفتوحة على شرائح النوتة من يمين ويسار الصورة بنسب متفاوتة ، والتى ظهر جوفها مسكوناً بمقاطع طولية بلون العلم المصرى .. وهنا يبدو التراسل جلياً بين المسموع والمرئى على الجسر الواصل بين الفنان والمتلقى الذى استدرج للمشاركة فى الكتابة الموسيقية والعزف على المستويين البصرى والروحى .. لذا كان بديهياً أن يكشف نوار عن روح الشهيد كنجم للعرس سخرت كل الأدوات التصويرية والإيحائية من أجل تتويجه على عرش هذا الحفل البهيج ، وذلك من خلال تلك الكتلة البيضاء البهية ثلاثية الأبعاد التى ظهرت مولودة من باطن المشهد فى حالة من التماوج المستمر والتفرع المروحى الذى يسرب شعوراً للرائى بتضاريس متبدلة عبر ثنايا ظلية ، قبل أن تقسمها شريحة النوتة السفلية إلى جزئين متصلين ومنفصلين فى آن .. وقد أكد الفنان هذه النفحات الروحية بأشعته الرفيعة المضيئة المألوفة المنبعثة من الكتلة البهية ، والتى يحافظ بها دائماً على حيوية الموسيقى الداخلية للتكوين ، حيث نجده يحركها فى اتجاهات متعاكسة يثرى بها الفعل الحركى الظاهر والمستتر على المحورين المرئى واللامرئى .. وعند هذا المنعطف التصويرى نرى أحمد نوار يدمج بين البعدين الثانى والثالث .. بين التسطيح والتكوير ، للإيهام بوجود عرس حقيقى ملموس رغم أن الروح المتوهجة فى المشهد قد فارقت البدن إلى عشها البرزخى ، وهو مايميط اللثام عن حياة كاملة تتجسد فيها الجائزة الربانية التى وعد بها الخالق ، بما يغوى المتلقى نحو عالم الشهادة الذى يتوحد معه هنا بصرياً فى كل أركان العمل الظاهرة ، قبل أن ينصهر روحياً مع مكوناته الباطنة البادية كأحد قناديل العرش المتمايلة بين الحقيقة والمجاز .
أما فى التكوين رقم 2 فنجد نوار قد ارتحل مع روح الشهيد وملامح الوطن معاً إلى حياة وسطى مغايرة رغم ارتباطها برواسخه الوطنية ، حيث يؤسس تكوينه على مقاطع ثلاثة بملامح العلم المصرى ، بداية من السفلى الأسود الذى يحمل فوقه الأوسط الأحمر الملتهب ، قبل أن تصل العين إلى قمة المشهد المتوج باللون الأزرق السماوى المنير المحتشد بحفنة من الأعلام المصرية التى أحاطها بمجموعة من الكتل المتراوحة فى هيئتها بين الأجساد البشرية والحروف الموسيقية ، سيما أنه ألقى بينها بشرائح صغيرة من النوتة النغمية البيضاء المكملة لمنظومة العلم اللونية ، حتى أن الأعلام ذاتها بدت كصفحات لسيمفونية وطنية .. وعند هذه البقعة التراسلية بين الصوتى والبصرى على المنحنى التصويرى عند أحمد نوار نلاحظ حرصه على سحب عين المتلقى تدريجياً إلى أسفل لتقابل الشريحة الأولى من النوتة الموسيقية بحزمها الخطية المنتظمة عند الخط الفاصل بين الأزرق والأحمر ، والمطرزة ببعض الحروف الإيقاعية التى تثرى الرؤية ، حتى تواصل العين رحلتها نحو قاعدة التكوين لتمر بالشريحة الثانية للنوتة الموسيقية بين اللونين الأحمر والأسود ، والتى تبدو متوجة بالنوافذ الزرقاء المرفودة لونياً من نفس نسيج المساحة العليا للبناء التصويرى ، حيث ظهرت أكثر احتشاداً بالحروف والخطوط والمفاتيح ، بما يوحى للمتلقى بصعود وتيرة الإيقاعين الصوتى والبصرى معاً ، على التوازى مع الحضور الطاغى للعلم الذى يخلق التوازن هنا بين الحسى والحدسى .. بين الدنيوى والأخروى على صراط شديد الحساسية يفصل به الفنان بين النصر والشهادة .. وقد يتأكد هذا عبر تلك الكتلة النورانية المجسمة ذات التضاريس الظلية فى بؤرة التكوين داخل الحيز الأحمر المتوهج ، والتى يوحى من خلالها نوار بجلوس روح الشهيد على عرش المشهد بعد فوزها بالمنحة الإلهية ، عبر تضفيرها مع العلم المجازى والنوتة الروحية التى بدت هنا وكأن الشهيد ذاته يعزف منها على آلته الربانية الخاصة ، منسجماً مع تلك المعزوفة البهية المصدرة للطاقة الباعثة على دوران العين والروح معاً بين كل ثنايا التكوين .. وقد يتجلى هذا فى الشعاعين الأحمر والأزرق المارقين نحو الزاوية السفلى اليسرى للصورة وكأنهما يشيان بفيض من الفرحة داخل عرس الشهيد المحتفى بهيبة العلم وكبرياء الوطن وغنائية الروح .
وعند مشارف تجليات القداسة يبدو أحمد نوار فى التكوين رقم 3 وقد مزج بين قوة الجاذبية الوطنية وطاقة الخلاص الروحى ، حيث يحول المسطح التصويرى كاملاً إلى مايشبه البحيرة الفيروزية المونوكرومية المنيرة المتراوحة فى سمتها بين التسطيح والتعميق ، وهو مايحرضه على الدفع بثلاث شرائح رفيعة من النوتة الموسيقية الحبلى بالعلم المصرى ، والتى تستدرج العين من أعلى إلى أسفل ، حيث المساحة الحمراء المتوجة بهرم مدرج بين الشريحتين الأولى والثانية ، ثم تلك المساحة البيضاء البهية بين الشريحتين الثانية والثالثة ، حتى يصل نوار بالعين إلى المساحة السوداء الناتئة بنفس الهرم المدرج ، والتى يتسلل من خلالها بتفاوت مونوكرومى تنازلى إلى قاعدة المشهد ، حتى أنها أوحت بمثول اللون الفيروزى داخل المنطقة البصرية الفاصلة بين قاع النهر وسطحه .. وربما كان نوار هنا يلقى للرائى بإشارة دلالية نحو الجنة المنتظرة التى تجرى من تحتها الأنهار ، قبل أن يتأكد هذا المفهوم فى الشريحة الرابعة العريضة من النوتة الموسيقية الرابضة بين تدرجات الأسود ، والمطرزة بذات الحروف والمفاتيح النغمية ومساحتين متساويتين من الأزرق والفيروزى لربط مفردات التكوين بخلفيته ، علاوة على مجموعة مصفوفة من ستة عشر كرسياً متفاوتة الحجوم بين ثمانية ومثيلتها ، ومتنوعة الألوان بين الأخضر والفيروزى والفستقى ، ومنها أربعة موشحة بالعلم المصرى ، فى إيماءة إضافية إلى أرائك الجنة المنتظرة لروح الشهيد المنيرة البادية فى نفس تضاريسها الظلية المعتادة ، حيث شحنها نوار هنا بطاقة الدفع من أسفل إلى أعلى ، وهو مايتجلى فى مؤخرتها الرمادية الدالة على عملية الإشتعال النورانى وكأنها تمارس العروج بعد خلاصها من الجسد للتو ، لتجد نفسها على حافة قاعدة شريحة النوتة الموسيقية الرابعة ، بما يوحى للمتلقى أنها أضحت على مشارف الإحتفال الإلهى البهيج .. والعمل عند هذا المنحنى التعبيرى فى تجربة أحمد نوار التصويرية يكشف عن قبضه على ناصية الرسالة الروحية التى يسعى من خلالها لاستنفار الهمم عبر الكشف عن العطية الربانية ، حيث ذلك الرباط المتين المدثر بطراوة البصرى ونداوة السمعى على جسر تراثى عتيد يصل بين غلاوة الوطن وحلاوة المكافأة السماوية .
وعند قمة الإنفعالات الموسيقية فى عرس الشهيد نجد نوار فى التكوين رقم 4 قد مزج بين المساحة الفيروزية فى الخلفية وبعض التقاطعات الزرقاء المنيرة الدالة على الوهج الروحى ، حيث قسم الثلث العلوى من العمل إلى ثلاثة مقاطع متجاورة قاعدتها جميعاً من إحدى الشرائح البيضاء للنوتة الموسيقية التى تكمن أسفلها بعض التكوينات اللونية من الأخضر والأزرق والترابى ، بينما بدت أعلاها كتل محشوة بتكرارات منتظمة مائلة من العلم المصرى الذى بدا كاملاً فى إحدى الكتل ، وإيقاعياً متواتراً فى كتل أخرى ، فى حين ظهر متناثراً صغيراً أعلى المقاطع الزرقاء المتجاورة ، حتى ظهر العلم للرائى مثل مفاتيح وحروف النوتة الموسيقية وكأنها معزوفة للعلم فى جنة الشهيد .. ثم يهبط الفنان بالعين للمساحة الحمراء كأول تكوينات العلم اللونية ، قبل أن يدلف بالمتلقى إلى شريحة كبرى بيضاء للنوتة الموسيقية على خلفية اللون الأسود السفلى فى العلم ، إذ يقسمها أيضاً إلى ثلاثة مقاطع متجاورة حبلى بثلاث كتل بلون العلم أيضاً ، والذى يبدأ من اليمين بالأحمر وينتهى فى اليسار بالأسود ، وبين اللونين يكمن الأبيض باللون الخام للنوتة ، بينما تسكن كرتان زرقاوتان بين حوافه اللونية .. وداخل الثلاث كتل يلعب نوار بالعلم المصرى عبر موسيقى بصرية منتظمة صعوداً وهبوطاً حتى يكون به منحنى موجى يتحول فيه العلم من علامة إلى رمز إلى لغة موسيقية عذبة فى ذاتها تتناغم مع الأعلام الكامنة عند قاعدة شريحة النوتة إستعداداً لاستقبال روح الشهيد الوافدة على العرس الموسيقى الروحى ، والمتمثلة فى تلك الكتلة النورانية البيضاء البهية ذات التضاريس المطعمة بالظلال الرمادية ، حيث أحيطت كذلك ببعض التماوجات الشبيهة من ألوان الأحمر المشتعل والأخضر الداكن والترابى الناعس ، حيث تؤطر فى مجموعها جلال الكتلة البيضاء المنيرة الصاعدة نحو موطىء العرس بثبات وثقة وبهجة ظاهرة ومستترة فى آن وكأن الشهيد يزهو بفوزه الإلهى .. والمدقق فى المشهد سيجد أحمد نوار هنا يزيد من وتيرة الحمأة الموسيقية عبر إيقاعات تراسلية بين البصري والسمعي على جسر إيهامى يصل بين الجسدى الأرضى والروحى السماوى ، وهو التواشج الفطن الذى ينسجه داخل رحم المعتقد الجهادى بين عزة الوطن وفرحة الشهادة .
ومع سيادة البهجة فى عرس الشهيد تبدو روحه عند أعلى نقطة على منحنى التجليات فى التكوين رقم 5 الذى يفجر من خلاله نوار ينابيع النور المتمثلة فى افتراش الأبيض لكل مساحة العمل التصويرى عبر تواليف بدت كاللبن المذاب فى الضى ، قبل أن يلقى فيها بثلاث كتل مستطيلة هرمية بعرض التكوين ، حيث قام عبرها بتضفير النوتة الموسيقية البيضاء المتماهية فى الخلفية المماثلة لها فى اللون مع الحروف والمفاتيح والذبذبات النغمية الصادرة من الأصابع الداخلية لآلات مثل البيانو والأورج الذين يجمعهما الشبه بالثلاث كتل نفسها من الخارج ، بما ينشىء جسراً بين الظاهر والباطن فى البناء العام للمشهد .. وعلى جانب آخر فقد توهج الصراط التراسلى بين الصوتى والبصرى بإيقاع تصاعدى منتظم نابع من ذلك الإحكام التصميمى الذى يجيده أحمد نوار منذ بداياته الأولى وحتى الآن وكأنه هنا بالفعل يكتب نوتة موسيقية تصويرية روحية ، بالتوازى مع شعوره المتدفق بالعلم المصرى ككيان تخطى حدود العلامة المألوفة جمعياً إلى الحيز الرمزى الدال .. لذا فقد استطاع دمجه على الصعيدين البنائى واللونى من الأحمر والأسود والأبيض مغلفين بالأزرق المضىء مع المفردات الموسيقية داخل الثلاث كتل من خلال تباديل وتوافيق أدت إلى إنتاج تراكيب لحنية متمايزة بصرياً وسمعياً من خلال الخطوط الدقيقة الطولية والعرضية ، علاوة على الفتحات المتجاورة مختلفة الحجوم والمساحات اللونية المتعاشقة والدق التنقيطى المتناثر الذى يؤدى هنا دوراً إيقاعياً بارزاً فى تلك المعزوفة المرئية المتسربلة كذلك إلى سمع المتلقى .. وربما عند هذا المنعطف التعبيرى يتجاوز نوار المدركات الحسية إلى رحاب الإلهامات الحدسية ، حيث يتغلغل إلى الروابط المتفردة بين التذوق النورانى والتعلم الإنسانى على خلفية مغرقة فى الصوفية التى يستكنه بها رحيق وهفهفة الموجودات .. وقد يكون الينبوع الرئيسى للإدراك هنا هو تلك البحيرة البيضاء البهية التى تتسيد كل مساحة العمل محتضنة عناصره الموسيقية ؛ فبدا المشهد وقد تحول إلى حالة من العزف الوترى والنفخ الهوائى والنقر الإيقاعى عبر مزيج نغمى بين المادى والروحى .. بين البشرى والإلهى ، داخل نطاق من الإنتشار النورانى الترانيمى الذى يتسع تدريجياً بعد خلاص الروح المجاهدة من سجن البدن متجهة صوب مخدعها فى عرس الشهيد .
ومع زيادة اطمئنان النفس الشهيدة فى مستقرها البرزخى يظهر أحمد نوار فى التكوين رقم 6 متوحداً على المستوى الروحى مع مسطحه التصويرى الذى بدا أكثر افتراشاً بالأبيض المنير فى كل أركانه ، قبل أن يشيد بداخله معماراً رأسياً بعدة طوابق من النوتة الموسيقية المحتشدة كالعادة بالخطوط العرضية والمفاتيح والحروف النغمية .. وقد وصل الفنان بعلاقة النوتة مع الخلفية إلى درجة التماهى والذوبان النسبى ، بما سرب شعوراً خفياً للمتلقى بأن التراسل بين السمعى والبصرى يحدث داخل بئر الروح على المستوى الحدسى غير المرئى بعيداً عن المحدودية الإدراكية للآليات الحسية .. بيد أن المدهش هنا هو ارتفاع نوار بالبهجة البصرية إلى أعلى قدر ممكن عبر الألوان الصداحة من الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق والبنى الكاسية لتلك التلال الرملية والخنادق الحصينة والمصاطب الصرحية والهضاب الطينية والأسوار المنيعة كمفردات عسكرية يستحضرها من جب ذاكرة الجندية إبان فترة وجوده كقناص على الجبهة بين عامى 1968م و 1970م أثناء حرب الإستنزاف ، وهى المساحة العذبة لديه فى سيرته الإنسانية ، حيث تسكن عقله ووجدانه برسوخ وتجذر .. لذا ربما شيد هذه العناصر المعمارية العسكرية على قاعدة من شرائح النوتة الموسيقية وكأنها تمثل فى مخيلته لحناً وطنياً قائماً على العشق أكثر من الواجب .. وقد كان العلم المصرى هو الآلة الموسيقية الأصيلة فى هذه المعزوفة ، حيث استخدمه كحرف نغمى مشترك بين لبنات بناء المشهد عبر أوضاع إيقاعية بصرية متنوعة بين الفرد الكامل والمتقطع على واجهات المبانى العسكرية ، أو دمجه مع خطوط النوتة الموسيقية ، أو رفعه على سوارى مغروسة داخل النقاط العسكرية .. وفى كل الحالات تخطى العلم نطاق العلامة إلى الرمز الفاعل لدى الفنان والمتلقى معاً .. حتى نجد نوار وقد تجاوز المرئى من خلال كتلته المركبة البيضاء البهية المألوفة التى بدت فى حركة تبدلية ناعمة وكأن روح الشهيد فى حالة مخاض من رحم النور إلى فضاء نورانى أرحب فى معية الجائزة الإلهية .. وعند هذا المنحنى التعبيرى تتوهج مهارة أحمد نوار فى الجمع بين المادى والروحى ، داخل نطاق تصويرى يحتفى من خلاله بالشهيد فى عرس موسيقى يجمع عبره بين الأرض والسماء والأعلام والقناديل على جسر واصل بين الوطن والجنة .
ويستمر أحمد نوار من خلال التكوين رقم 7 فى الإغتراف من ينابيع النور قبل سكبها على مسطحه التصويرى فى كل أركانه ، ملقياً فى هذا المسبح البهى بشرائح النوتة الموسيقية العرضية بخطوطها وحروفها ومفاتيحها النغمية ، فى تتابع رأسى يؤكد المعمار الروحى الساكن بداخله وهو فى حضرة هذا العرس الربانى بعد طول ترقب .. وربما تحولت الآلية التعبيرية عند هذا الموضع الإبداعى من الفرحة بوصول روح الشهيد لسكنها المستحق إلى حالة من الغنائية الروحية المحتشدة بالتجليات النورانية التى تصل هنا إلى مرحلة أسميها ” مابعد الصوفية ” ، حيث نقطة الإنصهار الكامل بين الروح ومنزلتها البرزخية بعد جهادها فى الحياة الدنيا ، وهو مايجعل الفنان يكرر ذلك المخاض المنير من رحم السطح التصويري المغتسل بالضياء الإلهى ، عبر كتلته المستمرة فى التحول الشكلى من عمل لآخر ، حتى وصلت هنا إلى نقطة الإنشطار والتشظى بين شرائح النوتة ، إذا ظهر جزء منها طائراً فوق إحداها ، بينما انقسم جزؤها الثانى إلى نصفين شبه متساويين تحت نفس الشريحة ، بما يجسد القدرة عند نوار على العزف الروحى فى الخلفية ، تمهيداً لدفعه بالمعادل البصرى للمشهد كله .. وقد بدا هذا فى دمجه للبنايات العسكرية من التلال والمصاطب والخنادق مع الخطوط المتوازية للنوتة الموسيقية ، حتى خيل للرائى أن ذلك المعمار الأفقى قد تحول إلى حروف ومفاتيح نغمية كتب بها أحمد نوار نوتته الناطقة بالغنائية الجهادية .. والمدهش عند هذا الموضع التصويرى هو حرصه على نظامية الإيقاع البصرى لمفرداته المعمارية العسكرية التى طعمها بالعلم المصرى فى أغلبها وكأنه فى حضرة صوفية يشدو فيها بأغنية وطن اصطحبه معه مجازاً إلى عرس الشهيد .. وعلى جانب آخر نجده يدفع بكتلة مركبة يسار الصورة تؤدى به إلى حالة من التوازن الإيقاعى البصرى الموسيقى ، والتى بدت هنا كمثل علاقة مجموعة من الكمان بالطبلة داخل أوركسترا متنوعة .. أما الأكثر إدهاشاً فهو جرأة نوار على منح كتله العسكرية الموسيقية ذلك الكساء اللونى الصداح بين الأحمر الملتهب والأصفر المضىء والأخضر النضر والأزرق المنير والبرتقالى المشتعل ، وهو مايضفى على المشهد فيضاً من البهجة الروحية والبصرية معاً ، حيث يرسخ من خلالها لذلك الحراك البندولي بين الصورة والتصور .. بين المرئى واللامرئى ، عبر الصراط الإيهامى الواصل بين اللهفة على الوطن وبهجة عرس الشهيد .
وقبل أن ينفلت النور من عقاله نجد أحمد نوار فى التكوين رقم 8 يؤطره داخل جزء كبير من مسطحه التصويرى المحتشد بنفس الفيض الروحى البهى الذى يميز تجلياته الأخيرة المفترشة لكل المشهد فى التكوينات من 5 إلى 7 .. وقد بدأ هذا التأطير من الخارج عبر ذلك الشريط المربع الأزرق المضىء بتدرج صاعد من الضلعين الأفقيين إلى مثيليهما الرأسيين ، وكأن الفنان قد اختزل السماء كلها فى ذلك البرواز المنير ، قبل أن يدخل منه إلى مربع مماثل يصغره فى الحجم ويخالفه كلية فى اللون ، حيث ذلك الأحمر المشتعل كألسنة اللهب ، بما يشير إلى التكثيف التعبيرى لدى نوار عن جحيم النار الذى يصله بالأزرق عبر بضع شذرات طائرة من الخنادق والمصاطب والتلال الرملية بألوانها الصفراء والزرقاء ، الأمر الذى جعلها بمثابة لحام بصري وروحي بين الساخن والبارد .. بين ويلات الحرب وسكينة السلام .. وربما دفع ذلك التضاد الفنان إلى الولوج داخل درجة تالية من المجابهة مع سعير الأحمر ، حيث هذا المربع الأبيض المشبع بسيل من النور ، والذى تسبح فيه شرائح من النوتة الموسيقية المهجنة بالخطوط والمفاتيح النغمية كالعادة ، والمتماهية مع العلم المصرى الذى بدا جزءاً أصيلاً منها بعد أن تحول فى وعى نوار من علامة نمطية إلى رمز فاعل مؤثر بدوره فى حائط التلقى الجمعى على المستويين العقلى والوجدانى .. ومن جوف المشهد تخرج كتلة أحمد نوار النورانية أعلى حزمة شرائح النوت الموسيقية فى هيئة طائر بهى يفرد أجنحته على قمة التكوين وكأنه يعلن انتصار النور على النار فى مواجهة إلهية أزلية ستبقى دائرة إلى قيام الساعة .. والمدهش هنا هو تجسيده لجناحين من الأحمر والأسود بينهما بياض المسطح للإيهام بوجود العلم محلقاً فى فضاء الصورة بعد مخاضه من الطائر الأبيض ، متجهاً نحو ذلك المربع الأسود الكائن فى بؤرة المشهد وكأنه بوابة الحجب والستور السبعين التى يختفى وراءها الوجه المنير للخالق ، وهو أيضاً مايمثل على الصعيد الشكلى منصة الإنطلاق البصرى نحو أطراف التكوين مرة أخرى ، لتعاود عين وروح المتلقى رحلتهما بشغف نحو مركز العرش المستتر .. وهنا تتجلى العلاقة عند نوار بين الرسالة التعبيرية الروحية ووعائها البصرى العقلى عبر أنبوب تراثى عتيد واصل رأسياً بين عبق الوطن ورحيق الجنة داخل قنديل عرس الشهيد .
وبالفعل يبدو أحمد نوار فى التكوين رقم 9 أكثر قدرة على الكشف الروحى ومحاولة اختراق الحجب ، حيث حافظ على بحيرته النورانية المتسيدة لكل مسطحه التصويرى ، والتى أبقى عليها حبلى بشرائح نوته الموسيقية المهجنة بالحروف والمفاتيح النغمية كعادته .. بيد أنه ظهر هنا أكثر رغبة فى صناعة البهجة داخل هذا العرس الإلهى الوطنى عبر تأسيسه عرضياً أسفل المشهد لتلك المصطبة المكسية بلون التراب المندى ، قبل أن يشيد عليها مجموعة من القلاع الحربية الصفراء المبنية على العلم كقاعدة معمارية ، إذ بدت جميعها بحجوم متباينة وكأن الفنان يكتب بها نوتته الموسيقية الإنتمائية لعزفها داخل عرس الشهيد .. وفى المقابل عند قمة التكوين يبدأ نوار من عل بشريحة من النوتة الموسيقية التى رقش على خطوطها قطعاً متناثرة من القلاع والأعلام والحروف والمفاتيح بإيقاع بصرى مغاير لسفح المشهد ، تأكيداً لحالة الإحتفاء الروحى والوجدانى بروح الشهيد الحاضر ، قبل أن ينزل بنائياً إلى الشريحة الثانية من النوتة الموسيقية التى دثرها بالقلاع الكبيرة الحبلى بالأعلام الدقيقة من فوقها وتحتها عند درجة أغلظ من الإيقاع البصرى ، خاصة فى ظل تماوج العلم موسيقياً وكأنه ضمن نص النوتة .. ولربط المحورين العلوى والسفلى نجد نوار يبعث بطائره النورانى من بطن المشهد بجناحين مضيئين ، خارجاً من منبت أزرق زهرى أعلى المصطبة الترابية وكأن الأرض تعلن عن بعث روحى منتظر ، وهو مايقابله الفنان من عل بكتلة زرقاء مركبة من نفس النسيج ، وكأن السماء تشارك فى ذات البعث الجليل .. لذا لم يكن غريباً أن يدلف أحمد نوار من خارج التكوين إلى داخله ، حيث توظيفه للعلم المصرى طولياً مع شرائح النوتة الموسيقية العرضية كاللحمة والسداه على النول النسيجى ، حتى حولهما إلى مايشبه البؤر البيضاء البهية المؤطرة بلونى العلم الأحمر والأسود ، حيث كان الأخير فى التكوين السابق رقم 8 بمثابة بئر للمجهول يغوى لاختراق الحجب ، فإذا بنوار هنا يفتته بشرائح النوتة ليميط اللثام عن جزء إضافى من الستور بالتوازى مع المنظومة النغمية البصرية والروحية ، علاوة على الرباط الوطنى الممتد تعبيرياً مع نسيج الصورة .. وقد يتأكد هذا فى تلك الأهرامات الضبابية الساكنة رأسياً داخل بعض أجزاء العلم البيضاء ، فى استحضار للمخيلة التاريخية والحضارية عبر لحظات إبداعية روحية مدهشة ، بما يرسخ للعلاقة المضطردة لدى أحمد نوار بين دفء الوطن ونسيم الجنة على أرائك عرس الشهيد .
وعند مشارف الحجب والستور يستمر نوار فى السباحة من خلال التكوين رقم 10 داخل بحيرته الفياضة بالنور ، والتى ألقى فيها بخمس شرائح عرضية من نوته الموسيقية المألوفة ، حيث باتت رمزاً للغنائية الروحية بدلاً من رسوخها كعلامة فى العقل والوجدان الجمعى .. والمدهش هنا أنه لملم كل مفرداته العسكرية أعلى وأسفل الخطوط العرضية المتوازية للنوتة الموسيقية من التلال والمصاطب والقلاع والحصون بحجومها المتباينة وألوانها الصداحة من الأزرق الزهرى والأحمر الملتهب والبرتقالى المشع والترابى المضىء ، بما أثرى الإيقاع البصرى العام للصورة .. وعلى محور مادى وروحى آخر نجده قد حوّل كل جداول النوتة الخطية إلى قنوات مائية شفافة حبلى بخيالات مفرداته التصويرية العسكرية ؛ فظهر المشهد وكأنه استحضار للحظات العبور النادرة التى عاشها الفنان ومارسها غير مرة إبان حرب الإستنزاف ، علاوة على سكنها فى المخيلة الشعبية المصرية بعد انتصار أكتوبر 1973م ، حتى أنه دفع على جسم الشريحة الرابعة لنوته الموسيقية بأربع قطع هندسية مختلفة الميل من لبنات تشييد كبارى العبور وهى شارعة فى الإلتحام ، قبل أن يؤسس لظلالها داخل الشريحة الخامسة فى هيئة مفاتيح وحروف موسيقية ، حيث ذلك التراسل الساحر بين السمعى والبصرى والوطنى عبر الحنين الدائم لمواضع زمنية خالدة لدى الفنان والمتلقى معاً .. لذا فقد دفع هذا الوهج الحسى نوار للإنتقال بسهولة إلى نطاق التجليات الحدسية الدافعة لتشييده ذلك الصراط الإيهامى الحساس الواصل بين الماء والنور كعنصرين يتسمان بالشفافية التى يسعى من خلالها إلى اختراق ستور المشهد المرئى .. لهذا نجده قد تحول أيضاً بكتله البهية المولودة من بطن الصورة إلى الحالة الوسطية بين النورانية والغازية ، حتى أنها بدت صاعدة من أسفل التكوين كمظلة دخانية مضطردة التشكل فى النهر الواقع بين الشريحتين الثالثة والرابعة ، قبل أن تنشطر إلى نصفين فى النهر التالى ، ثم تقارب على التبخر داخل أعلى نهر فى المشهد الذى ظهر هنا أكثر حيوية على المستويين الظاهر والباطن من خلال تلك الحركة الإندماجية الدوارة بين المائى والنورانى والغازى ، حيث يحيل الفنان هنا مسطحه التصويرى إلى بحيرة منيرة تجرى من تحتها الأنهار وتدثرها الأنغام عبر شرائح النوتة الموسيقية الناطقة بأهازيج الروح .. لهذا فإن أحمد نوار عند هذه النقطة الحدية على المنحنى التعبيرى يبدو شغوفاً ولعاً بمد جسوره الإبداعية بين عشق الوطن والطمع فى الجنة .. بين الحنين للنصر والفرحة بالشهادة ، داخل طقوس إلهية سرمدية لن تفارق عرس الشهيد فى كل قناديل العرش .
الأعراس مستمرة
وبعد هذا التجوال المرتبط بهويتنا الأصيلة بين مفردات الشهادى ومعطيات الغيبى داخل المسافة الواقعة بين الأرض والسماء ، نجد أنفسنا أمام الحتمية التراثية التى لافكاك منها ، حيث عشنا معها طوال سطور هذا الكتاب ، بداية من تناولنا لمكانة الروح ومنزلة الشهيد فى العقائد المختلفة الوضعية والسماوية وآخرها الدين الإسلامى بقرآنه وسنته الشريفة ، مروراً بتجربة الفنان الكبير أحمد نوار مع بيئة المنشأ الأولى التى تربى من خلالها فى إحدى بقاع الريف المصرى بجغرافيته الساحرة وتاريخه العريق وعقيدته الراسخة نحو إله واحد قبل آلاف السنين على ضفاف الوادى ، قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1962م ويتخرج منها فى مايو 1967م على أبواب النكسة ، الأمر الذى منحه شرف القتال على الجبهة فى حرب الإستنزاف بين عامى 1968م و 1970م ، حيث خلق هذا بداخله ضفيرة عتيدة بين الجميل والجليل .. بين الإبداعى والجهادى ، ليسفر عن تجربته التصويرية ” العبور ” عام 2009م بعد تسعة وثلاثين عاماً من معترك مواجهته مع العدو الصهيونى كقناص إستفاد من دراسته الفنية .. ثم قدم تجربته المتفردة التصويرية أيضاً عن ” الشهيد ” بين عامى 2013م و 2014م ، بتكثيف وتركيز على العلاقة الجدلية بين الجسد والروح على خلفية عقائدية متصلة بالآلية الإبداعية .. وقد كانت رحلتنا النقدية هنا مع روح الشهيد فى تصاوير نوار مرتبطة بطاقة النفس وعزيمة البدن ، بدءاً من أنين التراب ، مروراً بزفير النار وميلاد النور والبرد والسلام ، ونهاية بموسيقى عرس الشهيد المحتشد بتجليات الفرحة والبهجة على أنغام العقل والروح معاً ، وهو الإحتفاء الإبداعى المستحق للشهيد الحقيقى الذى جاد ومازال يجود بحياته كلها من أجل حماية الأرض والعرض والولد دون انتظار لمردود مادى محسوس .. ولم يكن المبدع القدير أحمد نوار إلا واحداً ممن ساروا على الصراط الفاصل بين الحياة والموت .. بين النصر والشهادة ، ليقدم لنا تجربتيه التصويريتين من جراب الماضى وجوف الواقع معاً ، مواصلاً قتاله ضد تزييف وتمييع العقيدة بأدواته الفنية التى يمتلك ناصيتها بمهارة فائقة منذ مايقرب من نصف قرن ظل فيه قابضاً على جمر الإنتماء للهوية المصرية بكل أبعادها ، من النيل والغيط والخندق والبندقية إلى الفرشاة والأزميل واللوحة والتمثال ، حتى وصل إلى التوحد مع روح الشهيد فى عرسه ، حيث الإغتسال والإرتقاء والسمو مع أطهر الأنفس التى يكرمها الله كل يوم عبر فوزها بمكافأته المقدسة ، لتظل العطايا الإلهية متدفقة والأعراس مستمرة إلى يوم يبعثون .
المراجع :
1 _ فلسفة الجمال ( أعلامها ومذاهبها ) _ د . أميرة حلمى مطر _ الهيئة المصرية العامة للكتاب _ 2002م .
2 _ فجر الضمير _ جيمس هنرى بريستيد _ ترجمة د . سليم حسن _ الهيئة المصرية العامة للكتاب _ 2000م .
3 _ التذكرة ” فى أحوال الموتى وأمور الآخرة ” _ شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى القرطبى _ دار الريان للتراث _ 1991م .
4 _ مبادىء الفن _ روبين جورج كولينجوود _ ترجمة د . أحمد حمدى محمود _ مراجعة على أدهم .
5 _ نوار .. عين الصقر _ تحرير سليمان العطار _ تقديم اللواء عبد المنعم خليل _ دار الشروق _ الطبعة الأولى _ 2002م .
6 _ الفكر الشرقى القديم _ جون كولر _ ترجمة كامل يوسف حسين _ مراجعة د . إمام عبد الفتاح إمام _ سلسلة عالم المعرفة _ يوليو 1995م .
7 _ التنوير الآتى من الشرق _ جى . جى . كلارك _ ترجمة شوقى جلال _ سلسلة عالم المعرفة _ ديسمبر 2007م .
8 _ وهج الشرق _ محمد كمال ( المؤلف ) _ تقديم مكرم حنين _ مجموعة رؤى للترجمة والنقد _ 2002م .
9 _ من أسرار الروح _ عبد الرزاق نوفل _ مؤسسة أخبار اليوم _ الطبعة الثانية _ مارس 1977م .
10 _ القرآن الكريم _ تفسير الجلالين ( جلال الدين محمد بن أحمد المحلى وجلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى ) _ تقديم ومراجعة مروان سوار _ دار المعرفة _ بيروت _ لبنان .