هناك أشخاص تقابلهم في الحياة فتشعر أن كنزا انفتح على الأمل . في سنوات شبابي الأولي قبل أن انتقل إلى القاهرة في أواسط السبعينيات من القرن الماضي عرفت عز الدين نجيب من خلال ما ينشره من أعمال قصصية كأحد المجددين من كتاب الستينات. حين انتقلت إلى القاهرة التقيت به كثيرا وزرت معارضه في القاهرة بل وكثيرا مازرته في مرسمه بالمسافر خانة التي احترقت فيما بعد بما فيها من مراسم للفنانين ومنها مرسمه. رحلة عز الدين مع الفن والوطن طويلة أطال الله في عمره، ويمكن تلخيصها أن الفن لا يعزلك عما حولك، بل عليك أن تتيح لكل الناس الحرية، وهذا ما كان يفعله في كل منصب ثقافي أو فني تولاه. بل و وقد تدفع ثمن هذا من حريتك حين تطويك سجون الظلم وحدث معه ذلك أيضا أكثر من مرة . لقد خرج من كل المرات التي تم القبض عليه فيها تتسع ابتسامته للدنيا وخاب أمل من اقتادوه الي مابين الجدران . فالحرية والمقامة والبعث هي ثلاثية حياته .
عز الدين نجيب من مواليد الثلاثين من ابريل عام 1940 بمحافظة الشرقية وحصل على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة عام 1962 ثم دبلوم من قسم التصوير . عيد ميلاد عز الدين نجيب في الثلاثين من شهر إبريل حرك في رغبة بحجم الكون أن اتقدم له بشاهد بسيط من المحبة كم تمنيت أن تكون كتابا، فمهما بدونا أقوياء فلقد كانت قوتنا من قوته وما يكتبه أو يرسمه أو يباشره من عمل أو يعانيه بين الجدران.
المناصب التي تولاها في حياته في وزارة الثقافة مشرفا فنيا أو مديرا عديدة مثل قصر ثقافة الأنفوشي بالاسكندرية وقصر ثقافة بور سعيد ومديرا لقصر ثقافة كفر الشيخ 1966-1968 ومديرا لقصر ثقافة المسافر خانة مابين 1969-1976 وغيرها كثير لا يكفيها المقال وكلها ساهم في تطويرها وجعلها في مقدمة المشهد الفني كما فعل حين صار مشرفا عاما علي مراكز الفن التشكيلي ” مركز الجرافيك – مركز النحت – مركز الخزف بالفسطاط ” . معارضه الفنية زادت عن العشرين ومعارضه خارح مصر كثيرة مثل معارض في فرنسا والمانيا وإيطاليا وأسبانيا والمجر واليونان وروسيا والكويت والإمارات وتونس وبغداد وسوريا والسعودية وغيرها مساهما اساسيا أو ضيف شرف. نال العديد من التكريمات في المعارض في مصر وخارجها، والأمر نفسه في الجوائز مصرية ودولية.
الطبيعة ملهم أساس له يقول عنها ” كانت الطبيعة رافدا أساسيا لمراحل تجربتى الفنية، عبر مواقع مصر النائية والمعزولة جغرافيا على امتداد حقب تاريخية، مثل أسوان والواحات وسيناء وسيوة والمناطق الصحراوية والساحلية بمختلف المناطق، والتى تختزن ابعادا حضارية، غير أن المكان بخصائصة الطبيعية لا يكفى لإشباع الرؤية التعبيرية لأعمالى، انما تكتمل هذه الرؤية بتفاعل المكان مع الشحنة التعبيرية المحركة لإبداعى، وتجمع بين الحس الخيالى والأسطورى وبين المنظور الفكرى، الذى يتضمن وعياً بالتاريخ وبحركة الواقع ويتواصل مع جذور الهوية الحضارية وروح العصر فى آن واحد، محققاً بعدا رمزيا ودرامياً معاً وغالبا ما تتم الترجمة الجمالية لهذه الأبعاد على سطح اللوحة بعضوية الطبيعة والجمادات، أى بإحالتها إلى كائنات عضوية حية، تتحرك وتتنفس وتتواصل مع بصيرة المتلقى للعمل الفنى قبل بصره، بصورة اقرب إلى التجليات الصوفية أو الحلم” لم يكتفي عز الدين نجيب بالفن التشكيلي فقط لكن كما قلت كان سباقا مع جيل الستينات في القصة والرواية كما كتب الكثير في الفن تاريخا وواقعا وعن الفنانين والمثقفين وقضايا الفن والثقافة . أي مارس كل ما يجعله حالة عظيمة لمثقف لا يريد أن ينعزل في فن واحد رغم أنه قدم فيه كل جمال . اراد مبكرا أن يحتوي العالم رسما وكتابة.
من دراساته في الفن ” فجر التصوير المصري الحديث” ” و” فنانون وشهداء” و” الإبداع والثورة” عن الفنان حامد عويس ” فنان وعصر “عن الفنان محمود بقشيش” ” موسوعة الفنون التشكيلية ” في ثلاثة أجزاء و” جميل شفيق بين الحلم والأسطورة” و” الأنامل الذهبية ” عن الحرف اليدوية في مصر تاريخا وروحا . “النار والرماد في الحركة التشكيلية المصرية” وغيرها كثير .
من أعمله الأدبية رواية “المسافر خانة” ــ ومجموعات قصصية مثل “المثلث الفيروزي” و”عيش وملح ” أما عن خبراته وسيرته فيكفي ان تقرأ ” الصامتون تجارب في الثقافة والديموقراطية بالريف المصري”.
يقول عن كتابه “النار والرماد في الحركة التشكيلية المصرية”
“ثمة مشاعل قليلة من الماضي لا تزال تحتفظ بوهجها وتضيء حياتنا، وأخرى كثيرة قد انطفأت وباتت رمادًا لا يجدي فيها النفخ لتشتعل من جديد في ظل المتغيرات الكاسحة، وربما يجد القارئ أن الكتاب يتركه في نهاية صفحاته، واقفًا وسط الساحة التشكيليّة المرتبكة حائرًا أمام أزمة مستعصية، دون أن أحاول رسم صورة ورديّة للمستقبل، لكن حسبي أنني حاولت قدر استطاعتي تشخيص هذه الأزمة وتحليل أسبابها ووصف الحلول الموضوعيّة للخروج منها إلى مستقبل أفضل” .
من اهم ما صدر له كتاب عن تجربته فى سجن طره ، وفه يسرد ذكرياته مع ثلاثين من الكتاب والمثقفين الذين اعتقلوا معه والكتاب مصحوب بمجموعة رسوم خطية وبورتريهات لعدد من النزلاء قام بتنفيذها على أوراق مهربة داخل السجن، وصدر الكتاب عام 2012 وعنوانه” رسوم الزنزانة ” يقول عنه “هي صفحة واحدة من سفر عظيم لسجن المثقفين المصريين والعصف بهم على امتداد أكثر من نصف القرن الماضي. وهو سفر يحتوي على فصول أعمق وأغنى مما يضمه كتابي إنه سفر ملىء بالعذابات التي تليق بالأنبياء وبالملاحم البطولية التي تبلغ حد الأساطير.. لكن حسبي أني انتشلت هذه الصفحات من غبار النسيان بعد مرور 36 عاما على حدوث وقائعها، معتمدا على الذاكرة التي لا بد أن تكون أسقطت الكثير فيما عدا هذه الرسوم بالحبر الأسود التي أنجزتها في الزنزانة رقم 20 وفي كل ما حولها بعنبر التأديب بليمان طرة. وأكاد أشعر
أنني رسمتها بالأمس. وقد أضحت وجوه أبطالها الذين اختطفهم الموت شهادات حية على شرفهم وعطائهم لوطنهم، وعلى أنهم لا يزالون أحياء في ضمائر الشرفاء والمخلصين من أمثالهم” .
في كل كتاباته شاهد حي على أحوال المثقفين والسلطة لا يغالي ويعتبر كل ما جرى له ولغيره ثمنا لا بد أن يدفعه الأوفياء للوطن وللحرية والديموقراطية . لقد أقيم له معرض استيعادي مؤخرا في “دار ضي” منعني المرض عن حضوره وأحب أن أختم حديثي بشيئ مما قاله الكاتب الكبير محمد سلماوي عنه :
” يقول الفنان الكبير فى تقديمه للمعرض: «لدى استعراضى للوحاتى بمراحلها الزمنية المختلفة، وجدت أن الخيط الرفيع الذى يربط بينها جميعا – رغم اختلاف موضوعاتها وتعبيراتها – هو ثلاثية الحرية والمقاومة والبعث، وهذه المتلازمة هى الأصل فى جوهر الطبيعة والوجود». عشرات الأعمال تطالعك على مدى القاعات الفسيحة بالألوان الزيتية أو المائية أو الجواش أو الباستيل، بالإضافة لعدد من الاسكتشات الفنية ذات التقنية العالية التى لا يملكها إلا فنان مقتدر. وقد توقفت طويلا أمام بعضها الذى طالت أطرافه ألسنة النيران وقت احترق مرسم الفنان فى المسافرخانة، وكانت ثلاثية «الحرية والمقاومة والبعث» هى بالفعل عنوان مشواره فى الحياة كما فى الفن، فهو الفنان الباحث دوما عن الحرية كالنجم الثاقب وسط الظلمات، حتى خلال سنواته فى السجن، والملتزم دوما بمقاومة القهر والاستبداد على المستويين السياسى والثقافى على حد سواء، ثم الساعى دوما إلى البعث من خلال إبداعاته الفنية الثرية المجمعة لأول مرة فى هذا المعرض الذى أرى أنه من أهم معارض الموسم الحالى، إن لم يكن أهمها جميعا.
كتب إبراهيم عبد المجيد .. جريدة القدس العربى 6 مايو 2022