عز الدين نجيب و75 عاما من الإصرار والأشجان والوعود

مجلة صباح الخير 2 يونيو 2015

لم أشعر قبل اليوم بزحف السنين، كنت أعيش الحياة ولا أحصيها، ألتحم بقضايا ومعارك لا مفر منها، قد أخرج منها بجراح عميقة لكننى فى كل مرة أستأنف حياتى المعتادة وسط الناس وقدرتى على التسامح وتمسكى بالأمل.. ربما لهذه الأسباب لم أشعر يوما بالشيخوخة، أعيش حالات الشهيق والزفير بأنفاس الفن والوطن فيتجدد الشباب بمنشطات الأحداث العظيمة، لذلك كانت حالات الإبداع جامعة بين الذات والوطن فى سبيكة لا تنفصم من خلال معرض أو كتاب أو مقال أو قصة.

هكذا عبر الفنان التشكيلى والناقد الفنى الكبير عزالدين نجيب عن نفسه احتفالا بـ75 عاما من عمره واحتفالا أيضا بمعرضه الاستعادى المهم «أشجان ووعود» الذى احتضنه أتيليه القاهرة.. ذهبت إليه أشاهد سنوات عمره من خلال لوحاته وأحدثه عن مشوار العمر وقضايا أخرى.
تجولت فى المعرض وتوقفت أمام لوحات كثيرة قدمها عزالدين نجيب منذ الستينيات وحتى الآن، واكتشفت أن اللوحات وعز ما هما إلا وجهان لعملة واحدة عنوانها «الإصرار» ولكنه فضل أن يسمى المعرض «أشجان ووعود» فى نظرة ثاقبة ومبصرة لا تتخلى أبدا عن الأمل برغم كل الشجون والصدامات، وتجده مشغولا فى كل أعماله بموضوع رئيسى هو «مصر» الوطن الذى قد ينكسر ولكنه لا يموت أبدا، والإنسان المنصهر فى بوتقة الوطن منذ آلاف السنين.
يبدأ عزالدين نجيب حديثه معى بملخص الرحلة قائلا بوضوح لا يخاصم البلاغة: «أعترف بأننى لم أنجز كل ما كنت أحلم بإنجازه فى الفن والحياة، لكن ما أثق فيه أننى لم أخن فرشاتى وقلمى ومبادئى بل جعلت منها ركائز لبناء مشروع إبداعى بطله الإنسان، لوحاتى عن السد العالى فى الستينيات كانت رموزا لمواجهة التصحر وشق شريان الخير، وفى سنوات ما بعد هزيمة 67 استعرت أشجار الصبار العفية رمزا للمقاومة إذ تحيا بقطرات الندى، كما رسمت الخيول فى انتظار الفارس المخلص، وفى سنوات السبعينيات- وفى أعقاب الانتفاح الاقتصادى- رسمت أشجارا عملاقة تتحول إلى مسوخ وبشرا يتحولون إلى أشجار، ورسمت أطفال الشوارع عراة يواجهون قهر المجتمع بألعاب بهلوانية ويقفزون من طوق الخناجر، وفى الثمانينيات رسمت صخور سيناء تتعلق «وتتأنسن» فتصبح رجالا تقاوم، وفى التسعينيات رسمت أمواج البحر تلاطم صخور الشاطئ منبئة بمخاض ثورى قادم، وكل امتداد عشرين عاما بين أواسط الثمانينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة ظللت أرسم أطلال بيوت الواحات وسيوة متمردة على الفناء ومستعيرة أنفاس أصحابها الراحلين، فأصبحت معادلا لما تعرضت له مصر من خراب وأصبح للحيطان الصماء همس كأيقونة وبشارة للبعث، وفى يناير 2011 حمل معرضى الأخير عنوان «فانتازيا الحجر والبشر» وقد جعلت من الأطلال والصخور والإنسان شواهد للمقاومة والتحدى والنبوءة بالثورة التى قامت بعدها بأيام فزلزلت الأرض زلزالها، وبقيت أربع سنوات أرحب وأتفاعل مع ما يجرى مغلول اليد عن الرسم، فى ظل السيول والتحولات التى أجهضت الثورة، فلم يعد للرموز- أو حتى للفن ذاته- قدرة على استيعاب ما يحدث وجاءت ثورة 30 يونيو 2013 كزلزال آخر لا نزال نعيش توابعه وأمانيه، واستعصى كذلك التعبير عنها بالفن، فلم يكن أمامى سوى استدعاء أطياف ورموز لهويتنا الحضارية، والتبشير بالأمل فى ميلاد جديد لغد أفضل باحثا فى داخلى عن الحقيقى والأصيل، جامعا بين الحلم والواقع.
هكذا تحدث الفنان عزالدين نجيب عن مشواره الفنى وعوالمه ومقاصده وأحلامه، ولكننا أخذناه إلى الوراء حيث بداية الرحلة لنتعرف أكثر على ما جرى له، وما أَثًّر فى مشواره وتجربته وحكايته.
• فسألته: بدأت قصاصا وأنت طالب فى كلية الفنون الجميلة ثم أخذك الفن أخذا، إيه الحكاية؟
– فأجاب: الحكاية بدأت منذ كنت طالبا فى كلية الفنون الجميلة حيث بدأت نشر قصصى فى جريدة المساء التى كان يشرف عليها أناس عظام من أمثال د.على الراعى، فاروق منيب، عبدالفتاح الجمل، وهو ما أعطانى ثقة مبكرة، وأنا أصلا قصاص ولى 4 مجموعات قصصية بدأتها عام 1960 بمجموعة قصصية مشتركة وأخرى عام 1962 بمجموعة مستقلة، وبعد التخرج فى قسم التصوير بالكلية اختارنى وزير الثقافة وقتها ثروت عكاشة مع آخرين للعمل بالثقافة الجماهيرية، وكنا كثيرين ومعنا: على سالم، محمود دياب وآخرون أبناء مشروع ثقافى وحلم تقوده الدولة، وعملت فى ثلاثة قصور ثقافة منها تأسيس قصر كفر الشيخ وكنت قائدا ثقافيا وعمرى لم يتجاوز الـ26 عاما، ولكن جاءت نقطة التحول فى حياتى التى غيرت مسار الرحلة عندما جاءت نكسة 67 والتى غيرت حاجات كثيرة وقضت على التجربة والحلم والمشاركة، وبرغم الألم استمررت فى قصر ثقافة كفر الشيخ واعتبرونى معارضا للنظام عندما كنا نعقد ندوات لمناقشة أسباب النكسة، وقاومتنا أجهزة الحكم وعلى رأسها شعراوى جمعة ورجاله بوزارة الداخلية وهدأت الأمور قليلا عندما عرض ثروت عكاشة الأمر على جمال عبدالناصر ولكن بعد صدور بيان 30 مارس عام 1968 كشر النظام عن أنيابه وأقفل القصر وأبعدت تماما عنه.
• وهل تعرضت للسجن أيام عبدالناصر؟
– لا ولكننى تعرض للسجن أيام السادات ومبارك ثلاث مرات، الأولى عام 1972 بسبب الحركة الطلابية وقتها، والثانية عام 1975 بسبب بلاغ يوسف السباعى وزير الثقافة وقتها ضد مجموعة اليسار الجديد والجمعية الأدبية التى أنشأتها بعنوان «الكتاب الفذ» وسجنت لمدة 6 أشهر، والمرة الثالثة كانت عام 1997 بسبب الاعتراض على قوانين إيجارات الأراضى الزراعية وبعيدا عن هذا اعتبر فترة جمال عبدالناصر هى الأفضل على المستوى الثقافى، حيث كان هناك حلم يقوده رئيس يحمل ثقة وإخلاصا وكاريزما وأستطيع أن أقارن بين الرئيس السيسى وعبدالناصر وحكاية الكاريزما والحلم وإصراره على الوصول للبر الآخر رغم أن الظروف لا تساعده، فضلا عن الأجهزة المعاونة المنهارة التى ينعم فيها الفساد.
• ومتى كان قرار أن يكون الرسم مقصدك الأول؟
– فى عام 1964 بدأت التخصص فى الرسم حيث أول معرض عن السد العالى وكان عبارة عن لوحات حية رسمناها أنا والفنان زهران سلامة فى أسوان عندما سافرنا إلى هناك، وأقمنا فى مخيمات العمال ورسمنا قرى النوبة وحكاية السد وعملنا معرضا فى قصر ثقافة الأنفوشى، وبعد عام 1967 دخلت الفن من أوسع أبوابه عندما اختارنى ثروت عكاشة لإدارة قصر المسافرخانة بعد ترميمه وتحويله لمجموعة مراسم للفنانين التشكيليين وتحول المسافرخانة فى الفترة التى قضيتها به من عام 1962 إلى 1976 إلى مركز إشعاع فنى وثقافى وأصبح لى مرسم مثل بقية الفنانين إلى أن تحول الحلم لكارثة عندما حاصرتنا الأجهزة الأمنية واتهمتنا باتهامات باطلة وسلط علينا البلطجية لإحراق مرسمى وتمزيق لوحاتى، حيث تم تمزيق 30 لوحة من أعمالى، وفصلت من الوظيفة وعشت مشردا لأكثر من ثلاثة أعوام ورفعت 3 قضايا لآخذ حقى فى الرجوع للوظيفة، وإحراق المرسم والتشهير بى، وهذه كانت أسوأ فترة مرت فى حياتى ولكنى تجاوزتها.
• فى تلك الفترة عملت بـ«روزاليوسف» ناقدا فنيا، وتقول إنها صاحبة فضل عليك؟
– صحيح، أقول دائما إن «روزاليوسف» هى التى أنقذتنى حين استكتبنى الكاتب الراحل العظيم صلاح حافظ فترة طويلة مقابل عشرة جنيهات فى المقال الواحد، وكان مرتبى أربعين جنيها فى الشهر، وكان مصدر رزقى الوحيد، وأصبح النقد التشكيلى الفنى وقتها ضرورة أعيش منها، كما مثل اختبارا لتحدى الظروف ثم عملت فى الطليعة وجرائد ومجلات عربية أخرى فى مجال النقد الفنى دون أن أجاهر بخلافى مع الدولة سياسيا خارجيا لأننى أعتبر ذلك نوعا من «قلة الأصل» واللافت أن الكاتب صلاح حافظ جاء معى إلى المحكمة وشهد فى حقى حتى حصلت على 3 أحكام لصالحى عام 1979 وعدت لوظيفتى مرة أخرى، ولكنى رجعت على وكالة الغورى وهنا بدأت تجربتى مع التراث القديم ومحاولة الربط بينه وبين الحداثة ومن هنا نشأت فكرة جمعية أصالة للحرف التراثية.
• وهل وقتها بدأت ترسم التراث والصحراء وتحويل الأحجار إلى بشر؟
– يمكن أن تقول ذلك حيث اكتشفت عبقرية المكان وأماكن مثل سيوة والواحات وما تحويه من عمارة رائعة وموحية وأردت التعبير عنها بلغة تشكيلية تمزج بين الأصالة والمعاصرة وهو مجال خصب للتجريب الفنى بدون اللجوء للحداثة الأوروبية المستعارة.
• وكيف تنظر إلى المعاناة التى مررت بها طيلة تلك السنوات؟
– أنظر إليها بعيون الأمل والدليل أن الجزء الجديد فى معرضى وهى أعمال رسمتها فى 2014، 2015 كلها مليئة بالوعود والآمال وارتباطها بالأفعال والأجيال الجديدة التى تحلم بالأمل والعدالة وغد أفضل كما أننى بطبيعتى شخصية عنيدة ومقاومة ومتحدية وأرى أن هناك حالة نابعة من الوعى بداخلى تؤكد أن مصر على امتداد التاريخ قد تنكسر ولكنها لا تموت، وربما تكون فكرة الدعوة والآمال مرتبطة باستراتيجية الفنان وكأنه يحمل أملا ووعدا لأننى أرى أن الفنان بشارة وليس انعكاسا للواقع المعاش.
• وتفتكر إيه اللى ينقصنا فى المرحلة الحالية؟
– أنا فى غاية الحزن لأن مفيش عندنا مشروع ولا حلم ثقافى عام يضم الجميع وهو ما يخلق مزيدا من الانفصال بين القمة والقاع، حتى بعد ثورة يناير زاد النقد عند الناس على حساب التفاعل والمشاركة الحقيقية، فزمان أيام فترة عبدالناصر كان هناك حلم وكنا نعمل فى الريف المصرى والكل يشارك بدلا من تلقينه بمعنى أننا كنا نعمل على فكرة واقع الفلاح وثقافته وقضاياه الحقيقية وده كان المفتاح فى كل لقاء مع الجماهير والمؤتمرات فى الساحات الشعبية وكنا نعطى الميكروفون للناس، فتطلع اللى جواها وكانوا حاسين أنهم شركاء وفرحانين بالتجربة وكنا نسلم شباب القرى 100 كتاب يقومون بتوزيعها بينهم ثم تنتقل إلى القرى المجاورة أى تحقيق فكرة المكتبة المتنقلة بشكل عملى، وما أتحدث عنه كان يمثل ثقافة تفاعلية قادرة على ملء الفجوة بين الثقافة الرسمية والشعبية، أما ما يحدث الآن فغياب لهذه الثقافة وسيادة الثقافة الرسمية أو ما أسميه «الصندوق الرسمى» وهو ما لا يحتاجه الفلاحون والفقراء لأنه لا يخاطب ثقافتهم ولا أفكارهم ناهيك عن عدم وجود صندوق أصلا.
• وماذا تقترح لتفعيل هذا الصندوق وتقديم ثقافة حقيقية للناس؟
– أن تجعل الثقافة تسير بروحين، روح الثقافة الشعبية، وروح الثقافة رسميا وأن يحدث تفاعل حقيقى بين هاتين الثقافتين، وأن نفتح الطريق للأجيال الجديدة من خلال قصور الثقافة واكتشاف المواهب الجديدة وتخفيض الميزانيات المخصصة والمبانى والأمور الإدارية وزيادة المخصصات للثقافة الحية التى تنزل الشارع وتحتك بالجماهير وتتواصل معهم وتصل إلى أفكارهم وتعبر عنهم أما غير ذلك فلا أمل، خاصة أنك تعانى من غياب القيادات الثقافية القادرة على الوصول للجماهير والشارع. •

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »