عصام عزت .. وقوة الكائنات الضعيفة

20 مارس 2019

 

من الاسكندرية أيضا جاء ليعرض تماثيله بقاعة ضى ؛ عشرات الأعمال النحتية المشكلة من الحديد يجمعها موضوع وحيد: هو الحشرات بكل أنواعها ، من النملة حتى العنكبوت ، جعل منها أبطالا مثيرة للدهشة جديرة بالاحترام ، حتى لما كان منها مؤذيا باللدغ كالعقرب ، أو ملتهما للمحاصيل المزروعة كالجراد ، فضلا عن الحشرات الصديقة للبيئة والانسان كالفراشة والنحلة.
اعتمد مبدعها الفنان عصام عزت على تقنية التشكيل المباشر عبر أسياخ وشرائح ورقائق وخرزات الحديد ، يطوعها بيديه ويلحم،أجزاءها باللحام الكهربائى ، ويستعين ببقايا الأدوات والصواميل والتروس من مخلفات الورش الميكانيكية لتكون مفردات لغوية فى البناء الجمالى ، على غرار ما سبق إليه -مع اختلاف،الرؤية – الفنان الكبير الرائد صلاح عبد الكريم فى ستينيات القرن الماضى
لتجسيد كائنات عضوية من،الطبيعة بأسلوب حداثى بالغ الجدة والإثارة والمغامرة الجمالية آنذاك ، عبر ما يجلبه من وكالة البلح من مخلفات المواتير والتروس والصواميل وما إليها ، ليشكل منها كائنات لم تكن من قبل موضوعا للإبداع الفنى مثل الضفدغ والبومة والقنفذ والذئب . وعلى نفس الطريق سار بعده النحاتان الكبيران صبحى جرجس وأحمد السطوحى فى النحت المباشر بالحديد بما جمعاه من مخلفات الورش ، وان جعلا من الانسان موضوعهما ورمزهما ، بين البحث عن،الفطرة لدى صبحى ، وبين صراع الانسان للتحرر،من القضبان لدى سطوحى ، بينما كانت التعبيرية الرمزية هى،الدافع الاساسى للتشكيل لى عبد الكريم… فإذا كان موضوعه هو الثور ، جعل منه طاقة من العنف مندفعة بلا عقل ، وإذا اختار الذئب ، جعل منه وحشا ضاريا يعوى من الجوع منذرا بالافتراس ، وإذا اختار الضفدع أو القنفذ جعل من كل منهما كرة منكمشة ، حذرا خائفا أو متربصا لاقتناص حشرة…وهكذا كانت قضية عبد الكريم هى إطلاق الطاقة الكامنة فعلا بداخل الكائنات بحكم طبيعتها الحيوانية.
فما هى قضية عصام عزت من وراء اختياره لتلك الحشرات الضعيفة الهائمة المتسللة أو الهاربة من بطش الأقوى منها ؟ ولماذا اختار لها خامة الحديد الصلب وهى على هذا الحال من الضعف والاختباء ؟ أظن أن بحثه عن المضمون التعبيرى يأتى فى المرتبة الثانية وربما الهامشية من دوافعه ، فلم يكن معنيا بإظهار ضعف هذه الحشرات أو بالتعبير عن قدرتها على الأذى أو حتى عن جبنها الغريزى و هروبها من البطش ، بقدر بحثه عن جماليات الشكل المغاير للمألوف ، وتحديه لمفهوم النحت القائم على الكتلة ، باتخاذه لهذه الحشرات ، بأطرافها النحيلة كالخيوط ، وقرون استشعارها التى تكاد لا ترى فى أصلها الطبيعى ، وأجنحتها الهشة كأغشية حريرية ، ونسيجها العنكبوتى كستار شفاف ، وعيونها الكبيرة كمراصد تدور بزاوية ٣٦٠ درجة…اتخاذه من هذه العناصر التى لا تمثل إغراء لأى نحات مادة للتحدى الفنى لمن يرون ان الكتلة مجرد جسم مصمت، وها هو يحاول أن يجعل من عروق هشة لا تكاد ترى فى تلك الحشرات مادة لصنع كتل نحتية !
التحدى إذن هو أن يصنع من اللاشىء شيئا ،ومن الضعف قوة ، ومن القبح جمالا ، إن الأمر فى ظاهره يبدو مغامرة باللعب بالأشكال ، لكنه فى جوهره يحمل مضمونا ثريا بالمعانى حتى وإن لم يقصدها الفنان ، لقد جعل من كل تمثال طاقة متحركة على أرجل ، بأطرافها الدقيقة المدببة ،بأجسامها الشبكية المفرغة ، بحراشيفها المسننة كالحراب ، بأذرعها الخطافية الحادة ، بأعينها الزئبقية الواسعة ،بأسطح أجسامها المحببة بخرزات غريبة ، بأوضاعها المتسللة المتحفزة للانقضاض ،…انها فى الإجمال تبدو كآلات ميكانيكية خرافية مثل روبوتات ألكترونية زاحفة ، مهياة للتضخم والتوحش ، يحركها عن بعد ريموت كونترول فى يد قوة مجهولة تهدد
مصير البشرية!
لقد خلق الشكل المثير طاقة كهربائية من الحوار البصرى بين العمل الفنى والمشاهد ، وبات لهذا العمل حضور مستقل عن أصله فى الطبيعة وكذلك عن إرادة مبدعه ، ليمارس تأثيره الفعال ككائن جديد خُلق ليحيا ، وإن كان من حديد أصم !!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »