فيس بوك 24 اكتوبر 2022
عندما تجتمع للفنان الموهبة الفطرية والنشأة فى بيئة شعبية ، والحساسية المرهفة لاستقبال وحفظ خصائص الواقع وروحه قبل مظهره ، فلابد أن نجنى عمق الانتماء وصدق التعبير ، لفنان يعيش للفن وبالفن كعمود ارتكاز لحياته.
هذا هو الفنان فتحى على ، ربيب أحياء الأزهر والحسين والجمالية والغورية والخيامية ، على امتداد عمره ظل يحمل بداخله تقاليدها وملامحها وشخصياتها وفنونها وعبق تراثها ونبض الحياة اليومية فيها ، لذلك يعبر عن ذلك كله بتلقائية تسبقها خبرة إنسانية عميقة ، هكذا يسقط خطوطه وألوانه على القماش أو الورق دفقة واحدة كمن يقول: وجدتها!..فهو يرسم بمخزون ذاكرته قبل ما يلتقطه ببصره ، ومثله مثل كل الفنانين الانطباعيين يرسم (من اليد الى الفم!) .
لم يدرس الفن دراسة نظامية بأية كلية فنية ، إنما كان معلمه الاول هو عينه اللاقطة ووجدانه العامر بالرضا بمقدراته والتصالح مع الحياة والحب لها ولكافة المخلوقات ؛ من إنسان وحيوان وطير وجماد ، ومثل كل الفنانين الانطباعيين أيضا، يرسم بأشعة الضوء ، خاصة أشعة الشمس ، ويعد ذلك نقطة الاختلاف بينه وبين هؤلاء الانطباعيين او من يطلق عليهم التأثيريين ، من حيث ان ضوء الشمس المباشر لابد أن يعكس ظلا قاتما على الجانب الآخر من الشكل ، فيجسده ويبث فيه قوة ورسوخا ، وتلك خاصية مصرية بامتياز ، صنعتها الشمس السخية الساطعة طوال العام ، ما جعل للون الأسود دورا بطوليا فى لوحاته متقابلا مع مساحات الضوء الابيض ، فيعزفان متتالية إيقاعية متبادلة ومتضادة معا ، فوق مساحات فضائية ممتدة ، وذلك عكس أسلوب التأثيريين فى الغرب ، الذين يقومون بتحليل الضوء إلى شظايا وبقع لونية وفقا لعلم البصريات ، عن طريق تبقيع سطح اللوحةبآلاف اللمسات بشتى الألوان ودرجاتها البينية الى ما لا نهاية ، فتبدو صور المرئيات مرتعشة ومتذبذبة فى جزيئات لونية مراوغة للبصر تتجنب التعارض والتضاد ، بل نراهم – أى التأثيريين – يحذفون اللون الأسود أساسا من “بالتة ” الألوان ، وهو ما كان يدعونا إليه أستاذنا الفنان حسنى البنانى فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة سيرا على خطى أستاذه الفنان الرائد يوسف كامل ، على أساس ان الأسود ليس لونا فى الطبيعة من الناحية العلمية.
إن عفوية “فتحى على” لا تبحث عن تحليل الضوء ، بل عن الإسقاط الفورى للضوء على الأشياء ، فتقابله الظلال السوداء المنعكسة عنه . وأشعة الضوء فى لوحاته لا يقتصر أثرها على تجسيد الكتل بما يحدثه من تضاد مع الظلال القاتمة ، بل يمتد إلى تخييل حركة وهمية للشكل فوق السطح فلا تعرف أشكاله السكون ، حتى وإن خلت من حركة مباشرة بواسطة الخطوط السريعة ، لأن الانتقالات المتبادلة بين النور والظل للأشكال المختلفة على مسطح اللوحة تحدث حركة بصرية دائبة فتضفى عليها حِساً ديناميكيا ، ويساعده فى ذلك ترك مساحات غير قليلة من الخلفية بيضاء بلون القماش الأصلى أو الورق ، سواء كانت اللوحة بألألوان الزيتية او المائية أو بخامة الأكريليك المائية ، والخامتان الأخيرتان لا تعتمدان على العجائن السميكة للألوان ، بل هما أقرب للتسييل والشفافية والاندياح بدرجات عديدة ومتداخلة ، وهذا بحد ذاته يعمل على تحريك السطح وخلق حركة بصرية.
ينطبق ذلك على أغلب اللوحات أيا كانت موضوعاتها ، سواء كانت مشهدا لحارة مزدحمة ، أو لقطة لأم وابنتها ، أو لمجموعة صبايا وأطفال ، أو مهرجى سيرك أو لاعبى أكروبات بملابسهم “الكاروهات” ، أو عازفين شعبيين على الطبلة والمزمار ، أو لأراجوز بطرطوره الطويل ، أو بائع خبز على الدراجة ، أو عربة كشرى أو حلوى أو خضروات ، أو طفلة تلعب لعبة الحجلة أو نط الحبل ، أو سرب من الإوز ، أو ديك منتفش الريش ، أو مسيرة للدراويش فى المولد ، أو راقص لرقصة التنورة ، أو امرأة تطل من شرفتها على أثر إسلامى قديم ، أو امراة أخرى تسترخى فى دفء الشمس، أو فتاة بضفائر طويلة ، أو أسرة تجلس فى صالة البيت ، أو منظر فى النيل لقوارب ومراكبية …
لكن “الموضوع”رغم ذلك ليس بيت القصيد كما يبدو لدى أغلب الفنانين الواقعيين ، بل هناك وراءه – بالنسبة له – غاية أبعد ؛ هى بث النبض فى الواقع اليومى ، تعبيرا عن طاقة الحياة ونشوة الفرح عبر العزف بخيوط الضوء القوية لخلق حركة لا تتوقف ، وصنع مساحة من البهجة بعيدا عن التفلسف وادعاء المعانى الكبيرة ، وبعيدا كذلك عن افتعال الحداثة باصطناع التحريف لملامح الواقع والوجوه والنسب التشريحية تقليدا للمدارس الفنية الغربية بغير ضرورة فنية ، وإذا كانت الأشياء تبدو واقعية مباشرة فى أعماله ، فإنها
تتحول إلى واقع آخر موازٍ للواقع الخارجى وليس استنساخاً له ، واختلافه عنه يبدو فى خلق إيقاع بصرى بالضوء والظل ، وفى تحريك للعناصر والكتل بخطوط قوية ، واختزال التفاصيل مهما كان إغراؤها بالرسم. وهى سمات أسلوبية شبيهة بأسلوب الفنان الكبير حسن سليمان ، حتى ظننت فى البداية أنه تتلمذ على يده ، ثم علمت أنه كان يرسم بهذا الأسلوب قبل تعرٌُفه عليه وعلى أعماله ، بل إنه لم يرحب – فى وقت لاحق – بعرضه السخى عليه أن يعمل مساعدا له فى مرسمه ، وبقدر التشابه الاسلوبى بينهما ، فهناك ما يميز أسلوب فتحى عن حسن ، خاصةفى سرعة الإيقاع الناجمة عن الانتقالات السريعة التى سبقت الإشارة إليها بين الظل والنور ، وغلبة المساحات البيضاء وروح الاسكتش أو العجالات الخطية واللونية عند فتحى ، على عكس أسلوب حسن ، حيث تغلب عنده المساحات الرمادية التى تتوسط مساحات النور والظل فى لوحاته ، ما يضفى عليها قدرا من البرودة والكآبة والسكونية ، خاصة فى تكوينات “الطبيعة الصامتة”.
“فتحى على” نموذج لفنان عصامى (ابن بلد) اشتغل بجد على موهبته ونمٌَاها بالدراسة الذاتية لأساليب الفن محليا ودوليا ، متفرغا تماما لهذه القضية ، مؤمنا بأن الفن مساره ومصيره ، فلم ينشغل عنه بنشاط آخر حتى بلقمة العيش ، فأعطاه الفن بدوره وأجزل العطاء ، بما يقابل إخلاصه وتضحيته وحبه للطببعة والإنسان ، وبكلمة واحدة: لأنه ظل باحثا عن الأصالة ، ودرويشا فى عشق الوطن.




