فردوس الدنيا والآخرة

فى خطوط وزخارف الفن الإسلامى

    لا تقاس الحضارة الإسلامية بما تحمله من معانٍ دينية وقيم أخلاقية وازدهار للعمران والعلوم والفنون فحسب ، بل بوحدة ذلك كله داخل مركب حضارى يشع بمعنى التقدم الإنسانى للجماعة البشرية وبفلسفة الوحدانية لله وكون الإنسان ذرة فى فلكها اللامحدود ،ومن ثمة فالعقيدة أشمل من الدين ،فهى محور ارتكاز لذلك المركب الحضارى ،ينعكس مدلوله وإشعاعه فى كافة المثل والأخلاق والعلاقات الإنسانية ،وينطبع تأثيره فى العمارة والفنون والآداب وغيرها.

     لذلك كانت الفنون الإسلامية أبعد مدى من أغراضها النفعية ومنها الزينة ، حيث تعد مقوِما روحيا بالغ الأثر فى نفس الإنسان وحشد طاقاته  الروحية نحو الهدف الاسمى للعقيدة ، فوق ما تحققة من متعة للنفس وغذاء للقلوب والمشاعر ، ومن هنا نجد ان العناصر الزخرفية – نباتية وهندسية مكون رئيس فى كافة اشكال الفنون الاسلاميه ، ومنها فنون الكتابة العربية ، فتنوعت الخطوط بين شتى الأنماط  الحروفية ، من نسخ وثلث ورقعة وكوفى وأندلسى وديوانى وفارسى وعثمانى ، متاثرة بثقافات البلدان المختلفة التى دخلها الاسلام ، وبالأمزجة والإيقاعات الموسيقية للخطوط والوحدات الزخرفية واللهجات الصوتيه حتى ولو لم تكن شعوبها تتكلم اللغة العربية ، ونحن نعرف ان سور القرأن الكريم كتبت فى فجر الاسلام بحروف مستقيمة صارمة تخلوا من النقاط والفواصل وعلامات التشكيل ، كونها مجرد رموز تجريدية اتفق اهل الجزيرة العربية ، تناسب الطبيعة الصحراوية الجافة والمعانى المحددة التى تدل عليها ، وعندما انتقل الإسلام الى البلدان المختلفة تباعا ، بدات أيات ألقرأن الكريم تكتسب صفات إيقاعية ونغمية عبر حركات الخطوط بميولها وإمتدادتها وليونتها وزخرفيتها ، متاثرة بطبيعة كل منطقة وفنونها المتوارثة ، كذلك الأمر فى فنون العمارة والخزف والازياء والموسيقى والغناء والرسوم المصاحبة للمخطوطات ؛ من كتب علمية ومعرفية وادبية وحكائية ، وهو ما يجعلنا نختلف مع المصطلح الشائع ” الفن الاسلامى ” كهوية موحدة ومطلقة ، وأرى ان الفن الاسلامى فى كل بلد يتميز عن الآخر بهويتة الخاصة ، فهناك الفن الاسلامى المصرى ، والاسلامى العراقى ، والسورى ، والفارسى ، والهندى ، والعثمانى ، والمغولى ، والأندلسى …. الى اخره .

   لكن القاسم المشترك والمحرك الأساس لاستمرارية الكتابة العربية هو القرأن الكريم ؛ فهو العامل الجوهرى للحفاظ على اللغة العربية فى كافة الاقطار الاسلامية ، وأضفت قداسته على مسخ الآيات والصور مزيدا من العمق الروحانى ، وغذّ ت بين ناسخيها روح المنافسة الابداعية.. إن تقربا الى الله ، او رغبة فى الفوز بعطايا من يأمرون بكتابتها ، أو رغبة فى التفرد بين اقرانهم بأسلوب غير مسبوق ، فصارت المصاحف ميدانا خصبا لتجليات الخطاطين والمزخرفين عبر الاقطار المختلفة ، ما جعلها اقرب الى الفنون التشكيلية والابداع الجمالى منها الى المصاحف كصحائف للقراءة ، سيمَا وأن فنون الزخرفة باشكالها المختلفة كانت جزءا عضويا مكملا للكتابة يزيدها ثراءً وبهاءً، وقد وجد الفنان المسلم فى ذلك تعويضا عن حرمانه من رسم المشخصات الحيه لاسباب عقائدية فى بعض المذاهب ، والرسم فطرة طبيعية تسرى فى عروق اى رسام منذ نشأة الفن على الارض ، فكان حرمانه من ممارسته يستدعى إيجاد بديل إبداعى بنفس قوة التشخيص ، يستوعب طاقة الفنان ويطوع نزعته لاستلهام الطبيعة ، ولو من خلال اسلوب تجريدى .

   لكن احتياج الفنان المسلم لرسم المشخصات وجد ما يشبعه فى الرسوم المصاحبة للنصوص الكتابية المخطوطة فى الكتب عبر الأقطار الاسلامية ، وكان المقصود ان تكون الرسوم عنصرا ثانويا لإيضاح المعانى فى تلك الكتب ، لكن المدهش انها تحولت الى بطل رئيسى فيها ، فكانت رسوم بهزاد فى ايران ، ويحيى بن محمود الواسطى فى العراق ، ومحمد بن قيصر السكندرى فى مصر وغيرهم ؛ علامات خالدة تضاهى قيمتهم قيمة فنانى عصر النهضة الاوروبية الذين اتوا بعدهم بسنوات كثيرة ، لكن بمذاق شرقى ، وكان للتفاعل الثقافى ولسهولة انتقال الكتب بين الولايات والاقطار الاسلاميه دور اساسى فى تشابه الانماط الفنيه وتبادل تاثيراتها بين بعضها البعض ، خاصة فى العصرين العباسى والمملوكى ، حتى تصل الاساليب الى حد التطابق بين فنانى تلك الأقطار فى بعض الاحيان ، خاصة اذا كان النص المكتوب واحدا مثل كتاب ( مقامات الحريرى ) الذى يعرض مشاهد من الحياة الشعبية ببغداد فى القرن الثالث عشر برسوم يحيى الواسطى  ، لكن الدارس المدقق يستطيع اكتشاف الفروق فى اساليب الرسامين من شتى الاقطار ، حيث تظهر السمات المحلية والثقافية المختلفة لدى كل منهم مؤكدة هوية بلدهم .

    وقد تراوحت اساليب الرسامين المصريين فى رسومهم للمخطوطات فى العصر الفاطمى بين اسلوب التزويق بالرقش الزخرفى ، واسلوب التسطيح للمشخصات ، واسلوب التظليل فى بعض اجزاء الصورة لتجسيم عناصرها ، إلا انها اتفقت جميعا فى شيئين : الاول هو اعتمادها على الاخطوط الخارجية لتحديد الاشكال والمساحات والزخارف النباتية فى تبسيط زخرفى يستخدم الوانا قوية ناصعه كالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر وألوردى ( وهو اسلوب يبدو متأثراً بالتصوير فى الفن المصرى القديم )

، والثانى هو اعتماد الفنان على الخلفيات الذهبية وعلى رسم ملامح الاشخاص فى حالة سكون او جمود ، ( ويبدو متأثرا فى ذلك بالفن القبطى والبيزنطى)

   وفى عصر المماليك ازداد ميل الفنانين الى اسلوب التزويق أكثر من التصوير ، بتحويل العناصر الطبيعية إلى وحدات زخرفية مبسطة ، إذ يعمل الرسام على إذابة صلابة الاجسام الحية وتخفيف وزنها وإدخالها فى شبكة من العلاقات الخطية المزخرفة ، وقد أدى هذا فى ذلك العصر المملوكى إلى ألتجريد الزخرفى القائم على الرقش بما يسمى ( الأرابيسك)، الذى يتخذ مادته من وحدات هندسية ونباتية بالغة التعقيد للوصول الى الحد الاقصى من الت زويق ، ومن مصورى هذه المدرسة المصرية : محمد بن قيصر السكندرى الذى رسم كتاب ” دعوة الاطباء”1273م . ومحمد بن احمد ، الذى رسم كتاب ” الحيل الميكانيكية ” للجزرى 1354م. وفى نفس العام رسم كتاب “كليلة ودمنة ” ، وهناك نسخة من “مقامات الحريرى ” رسمها فى مصر غازى بن عبد الدمشقى 1310م ، ولا نعرف إذا كان مصريا ام سوريا ، ونسخة ثانية لنفس الكتاب رسمها ابو ألفضل بن إسحاق 1334م .

   وتتجلى عبقرية فنون الزخرفة المصرية فى مخطوطات المصحف الشريف ، حيث تحاط كل صفحة بإطار زخرفى من ” جامات ” صغيرة متجاورة على شكل قباب تنتهى بسهام مدببة ، واستخدم الذهب بإفراط ، أما الخط فيغلب على كتابة ألقرأن ألكريم به خط النسخ او الخط الكوفى المبسط ، كما زودت هوامش الصفحات ” بطغراء ” ، أو بشكل دائرى مليئ بالزخارف يبنتهى بسهمين من أعلى ومن أسفل .

   إن زخارف الرقش فى المصاحف تقابل فى إقاعتها المنتظمة إقاع صوت قارئ ألقرأن وهو يرتله ويترنم بكلماته فى طبقات صوتية تعلووتنخفض بتلوين صوتى رخيم ، كما يلعب اللون الغالب على صفحات المصحف – خاصة الازرق – دورا مهدئا للنفس والمشاعر ، ومخففا لزحام الزخارف المحيطة بالايات ، وتعد الزخارف الهندسية مع الزخارف النباتية بمثابة ” السداه واللحمة ” فى نسيج الفنون الاسلامية بتنوعاتها المختلفة .

   وبقدر ما حفظ ألقرأن ألكريم اللغة العربية وجعل منها رباطا بين العرب والشعوب الاخرى ، فإن العمارة الاسلامية كانت سجلا لجماليات الخطوط العربية ، شكل منها آيات خالدة لبدائع الخطوط وقداسة ما تمثله من آيات قرأنية أو معانٍ روحانية .

     وتميزت العمارة الاسلامية فى مصر – اكثر من غيرها من الأقطار- بثراء الكتابات على جدرانها وقبابها وعقودها وأعتابها، فوق أحجارها او فسيفسائها ، زجاجها او اخشابها ، محفورة غائرة او بارزة مجسمة أو سطحية ملونة ، متنوعة بين شتى انواع الخطوط ، متراوحة بين الصرامة الهندسية ذات الزوايا القائمة والمائلة ، وبين الاستدارة اللينة والانسيابية الناعمة ، ومتنقلة بين التعشيق المتداخل والمعقد للحروف ، وبين التبسيط السلس اليسير فى القراءة …  وأيا كانت نوعيات الخطوط واختلافاتها ، فإنها تتفق فيما تعكسه من إيحاء روحانى ، ليس بسبب معانيها الدينية فحسب ، بل كذلك بسبب الإيقاع الموسيقى لحركة الحروف .. سرعة او بطءا .. رشاقة او وقاراً.

   فالغرض من اضافة الكتابات على اسطح العناصر المعمارية ( حجرية كانت ام خشبية ) ليس دينيا فحسب ، او توثيقيا لتاريخ المبنى او لتاريخ صاحبه ، وليس مقصورا كذلك على إضفاء صفات المهابة والخشوع ، او على تنمية الرباط الروحانى والمعنوى بين المصلين او الزائرين وبين الغاية العليا لإنشاء ألمبنى ، بل فوق ذلك كله ؛ هو عنصر زخرفى يكمل الرؤية الجمالية للعمارة ، ويحقق الروابط أو الفواصل البصرية بين اجزائها المختلفة ، مما يؤدى الى وجود حركة إيقاعية متناغمة تطرب العين والقلب وتسمو بالروح ، حتى ولو لم يقرأ الناظر اليها كلماتها بوضوح .

   إن جولة على الأقدام فى شارع المعز لدين الله الفاطمى ، من باب الفتوح حتى باب زويله ، تشبع ابصارنا وأفئدتنا بروعة الكتابات الحجرية البارزة والغائرة على جدران المساجد والعمائر الاسلامية من شتى العصور ، فى اخزمة وروابط وفواصل ، تصل فى اعلاها حتى قواعد المآذن ونوافذ الزجاج اتلمعشق ، وفى اسفلها حتى عقود الابواب واعتاب الشبابيك ، تأخذك ايقاعتها النغمية التى تبرزها الظلال الناتجة عن اشعة الضوء فوقها ، وتبهرك بما تتحلى به من زخارف نباتيه او هندسية مثل حسناء تتحلى بجواهرها .. ولما لا .. والفن الاسلامى بمختلف تجلياته ، وعبر شتى اقطاره ، وفى كافة اماكن تواجده ، حتى فوق قبلة الصلاة فى المسجد ؛ هو الجامع بين فردوس الدنيا وفردوس الاخرة ، وقرٍة عين للأبصاروالأرواح معا .!

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »